- قامت حركة رواد الباشان بمحاولتين للتسلل إلى الأراضي السورية في شهري أغسطس وأكتوبر ، غير أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تصدت لهاتين المحاولتين وتمكنت من اعتقال بعض أعضاء الحركة.
- شهدت الأيام الأخيرة تصاعداً لافتاً لعدد التوغّلات وإقامة نقاط التفتيش على يد الاحتلال الإسرائيلي.
- في ظلّ هذا التطورات يمكن للحكومة السورية الحالية الخروج بتصريحاتٍ أو بياناتٍ رسمية ترفض هذه التحرّكات، ولا يكلّف ذلك كثيراً، في ظلّ توتّر الاحتلال الإسرائيلي نفسه من تحرّكات المستوطنين، وفي المقابل تستطيع الحكومة السورية بذلك رمي الكرة في ملعب الاحتلال الإسرائيلي، ومنع تصعيدٍ أخطر، وتعزيز موقف الحكومة السورية في المفاوضات.
- في ذلك أيضاً بادرةٌ لبناء الثقة وإثبات النية الصادقة والجادة في حماية أهالي محافظة القنيطرة والجنوب السوري.
مقدمة
شهدت منطقة الجولان السوري المحتل تصاعداً ملحوظاً في محاولات الاستيطان خلال الأشهر الأخيرة، يقودها نشطاء إسرائيليون ينتمون إلى حركة متطرفة تُسمّى “رواد الباشان”. ففي منتصف أغسطس 2025 تمكّنت مجموعة من مستوطني هذه الحركة، قُدِّر عددهم حينها بنحو 40 شخصاً بينهم عائلات وأطفال، من عبور السياج الحدودي جنوب غرب محافظة القنيطرة والتوغل لبضعة أمتار داخل الأراضي السورية. وصل المستوطنون إلى قرية جويزة المهجَّرة ضمن منطقة منزوعة السلاح سابقاً، وقاموا برفع علم الاحتلال الإسرائيلي ونصب لافتات احتفالاً بما اعتبروه وضع “حجر الأساس” لبؤرة استيطانية جديدة أطلقوا عليها اسم واحة الباشان (نيفيه هاباشان). وقد وثّق مقطع فيديو متداول تلك الواقعة التي مثّلت أول اختراق من نوعه، إذ احتفى المستوطنون بما حققوه رمزياً على الأرض السورية.
هذه المحاولة الاستيطانية في أغسطس دفعت جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى التدخل الفوري، حيث أعلن إعادة المتسللين إلى داخل “إسرائيل” واعتقال عدد منهم على ذمة التحقيق. ووصف جيش الاحتلال الإسرائيلي الحادثة بأنها “حادثة خطيرة تُعرّض قوات الأمن والعامة للخطر”، في دلالة على حساسية الموقف حتى على المستوى الرسمي الإسرائيلي. تجدر الإشارة إلى أن صحفاً إسرائيلية، مثل هارتز كما ينقل المصدر المشار إليه أعلاه، نقلت عن بعض هؤلاء المستوطنين قولهم إن تحرّكهم جاء بشكل مستقل دون دعم عسكري أو حكومي، معتبرين أن “احتلال هذه المنطقة واجب” من وجهة نظرهم. هذا التصريح يكشف الدوافع الأيديولوجية لهؤلاء المتطرفين، الذين يرون في الفراغ الأمني الراهن فرصة لتحقيق رؤيتهم التوراتية.
بعد نحو شهرين من محاولة أغسطس الفاشلة، تجدّدت المحاولة في أكتوبر 2025 بوتيرة لا تقل جرأة. فقد حاولت ثلاث عائلات من حركة “رواد الباشان” يوم 15 أكتوبر 2025 اقتحام الأراضي السورية مجدداً تحت ستار مظاهرة حاشدة شارك فيها المئات قرب السياج الحدودي. وتمكّنت المجموعة بالفعل من اجتياز الخط الحدودي في منطقة وادي اليرموك المحاذية للجولان لبضع لحظات، قبل أن تقوم قوات الاحتلال باعتراضهم ومنعهم من التوغل أعمق داخل العمق السوري. وبذلك أحبط جيش الاحتلال الإسرائيلي للمرة الثانية محاولة إقامة بؤرة استيطانية جديدة داخل سوريا، بعد المحاولة السابقة في أغسطس. وقد تبيّن أن نشطاء “رواد الباشان” اختاروا هذه المرة منطقة جنوبي الجولان (وادي اليرموك) ربما لتفادي الرقابة المشدّدة مقابل مستوطنة بلوطات الباشان (ألون هبشان) في الشمال التي شهدت محاولة الصيف. على أي حال، أكّدت مصادر عبرية أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تصدّت لهم وأعادت المشاركين إلى داخل الجولان المحتل، ما حال دون تثبيت أي وجود مدني إسرائيلي جديد في الجانب السوري.
من هم “رواد الباشان”؟
تُعد هذه الحركة واحدة من أحدث حركات الاستيطان الإسرائيلي، إذ تأسّست في أبريل 2025 وتضمّ مستوطنين متشددين من مستوطنات الضفة الغربية والجولان. تستند أيديولوجيتها إلى قناعة دينية توراتية تعتبر أن الجولان وجنوب سوريا جزء مما يسمى “أرض الباشان” ضمن “أرض إسرائيل التاريخية”. يعبّر اسم الحركة (حلوتسي هاباشان بالعبرية وتعني رواد أو طلائع الباشان) عن هدفها المعلن وهو إنشاء مستوطنات يهودية دائمة داخل الأراضي السورية المحاذية للجولان. وقد استغل قادة هذه الحركة التحولات الميدانية الأخيرة، وخاصة انهيار سلطة نظام الأسد في الجنوب، لترويج مزاعم بأن المنطقة باتت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وبالتالي متاحة لـ”الاستيطان التاريخي” من منظورهم.
تُظهر الوقائع على الأرض أن نشاطات “رواد الباشان” لم تكن أحداثاً معزولة، بل جاءت ضمن سياق عام من تصاعد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري. فخلال أوائل أكتوبر 2025 (أي الفترة السابقة مباشرة لمحاولة الاقتحام الثانية) رصد مركز سِجِلّ ما لا يقل عن 40 انتهاكاً ارتكبته قوات الاحتلال الإسرائيلي في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء خلال أسبوع واحد (8–14 أكتوبر). وكان النصيب الأكبر منها في محافظة القنيطرة بواقع 36 انتهاكاً شملت عمليات توغّل برية متكررة (15 حالة توغّل) إضافة إلى تحليق طيران استطلاعي وقصف مدفعي محدود. وفي يوم 15 أكتوبر وحده (يوم محاولة الاقتحام الأخيرة)، سجّل مركز سجل حدوث 6 انتهاكات في القنيطرة بينها حالتا توغل عبر الخط الحدودي. وفي مؤشّر بارزٍ آخر، شهد يوم 16 أكتوبر، اليوم الذي تلا محاولة رواد الباشان، إقامة أربعة حواجز وتفتيش المارة في مناطق مختلفة في القنيطرة، بحسب توثيق مركز سجل.
هذه التصعيدات، إذا أُخذت أيضاً في سياق فترة ما بعد 8 ديسمبر، تدلّ على حالة غليان أمني غير مسبوقة في منطقة ظلت لعقود من أكثر الجبهات هدوءاً. فقد انتهت فعلياً حقبة “الهدوء الطويل” التي كفلتها اتفاقية فصل القوات عام 1974، إذ لم تعد المنطقة العازلة موجودة إلا على الخرائط، بينما على الأرض تتحرّك دوريات جيش الاحتلال الإسرائيلي بحرية تامة داخل ما كان منطقة الفصل، مع نشر تسعة مواقع عسكرية جديدة تابعة للاحتلال الإسرائيلي في مواقع استراتيجية داخلها أو على تخومها. وهذا الواقع المستجد يُفسر إلى حد كبير الجرأة التي حدت بالمستوطنين لتكرار محاولاتهم الاستفزازية، معتقدين أن الفرصة سانحة لفرض أمر واقع استيطاني تحت حماية الأمر الواقع العسكري.
خيارات الحكومة السورية الحالية في مواجهة الموقف
أمام هذا التصعيد الميداني الخطير تجد الحكومة السورية الحالية نفسها معنية بوضع إستراتيجية واضحة للتعامل مع محاولات الاستيطان الإسرائيلي على أراضيها. حتى الآن اكتفت دمشق بضبط النفس عسكرياً مراعاةً لميزان القوى وظروفها الداخلية حيث صرّح الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بأن سوريا ليست في وارد الدخول في “مغامرة عسكرية غير محسوبة” في الوقت الراهن، وهو تصريحٌ أدلى به بعد فترةٍ وجيزة من سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. ومنذ ذلك الحين تبنّت الحكومة الحالية نهجاً دبلوماسياً، طالبت من خلاله رسمياً عبر القنوات الدولية بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي استولت عليها بعد انهيار اتفاقية فض الاشتباك مؤكّدة أن الجولان بأكمله أرض سورية محتلة، كان آخرها مثلاً في مقابلة الرئيس الشرع مع برنامج “60 دقيقة” على شبكة CBS الأمريكية. كما انخرطت دمشق في محادثات برعاية دولية بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين بوساطة أميركية بهدف احتواء الوضع الراهن وخفض التصعيد جنوباً.
رغم هذه الجهود الدبلوماسية المهمة فإن التطورات الأخيرة ولا سيما محاولات “رواد الباشان”، وما تلاها من تصعيدٍ بارز، تفرض على الحكومة خيارات إضافية عاجلة. أبرز هذه الخيارات وأقلّها كلفة هو اتخاذ موقف رسمي علني واضح يدين هذه المحاولات ويُحذّر من تبعاتها. إن إصدار بيان حكومي قوي أو حتى تعليق رسمي من وزارة الخارجية السورية على ما جرى يحمل في طياته عدة مكاسب استراتيجية في هذه المرحلة الحرجة.
- رمي الكرة في ملعب الاحتلال الإسرائيلي: إن مجرد اعتراف دمشق العلني بوقوع هذه الانتهاكات واحتجاجها الرسمي عليها سيحرج الاحتلال الإسرائيلي دولياً ويضعه في موقف دفاعي. فعلى الرغم من أن الاحتلال الإسرائيلي عموماً لا تعترف بسيادة سوريا على الجولان المحتل، إلا أنها أيضاً لا ترغب في إظهار نفسها كمن يفتعل مواجهة جديدة في ظل أوضاع إقليمية متوترة. وقد بدا واضحاً أن مؤسّسات الاحتلال الإسرائيلي نفسها غير مرتاحة لتصرفات المستوطنين المتطرفين، بدليل وصف جيشها لمحاولة أغسطس بأنها “حادث خطير” واتخاذه إجراءات قانونية ضد المشاركين، كما كشفت صحيفة هارتز. بالتالي، فإن أي احتجاج سوري رسمي سيلقي الكرة في الملعب الإسرائيلي ويدفع حكومة تل أبيب إلى اتخاذ خطوات أكثر حزماً لكبح جماح هذه الجماعة الاستيطانية حتى لا تتكرّر الحوادث. بمعنى آخر، سيجد الاحتلال الإسرائيلي نفسه مضطراً إما لطمأنة دمشق والتعهّد بمنع تلك الانتهاكات مستقبلاً، أو تحمل مخاطر التصعيد وما قد يستتبعه من ضغوط دولية. فتشير بعض التحليلات إلى أن قيادة الاحتلال الإسرائيلي لا ترغب حالياً في فتح جبهة توتّر جديدة في الجولان فيما لا تزال منشغلة بملفات أمنية أخرى مثل تهديدات حزب الله على الحدود اللبنانية والوضع في غزة. لهذا فإن احتجاجاً سورياً مدروساً قد يضع الاحتلال الإسرائيلي في زاوية حرجة ويدفعها لكبح المستوطنين ذاتياً.
- منع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة: إنّ التحرك السياسي السوري الاستباقي من شأنه أن يوأد فتيل أزمة أكبر قبل اندلاعها. فاستمرار صمت دمشق الرسمي إزاء هذه الاستفزازات قد يُفسّر خطأ على أنه عجز أو عدم اكتراث، مما قد يشجع المستوطنين على تكرار محاولاتهم بشكل أوسع وربما مدعوم بحماية مسلّحة هذه المرة. والأسوأ أنه قد يدفع بعض الأهالي أو المجموعات المحلية الغاضبة إلى ردود فعل تلقائية لحماية أراضيهم، ما ينذر باشتباكات مباشرة بين المدنيين الإسرائيليين المتسللين والسوريين الموجودين في المنطقة. حدوث أي صدام ميداني مباشر مهما كان محدوداً سيجعل مسألة خفض التصعيد أكثر تعقيداً وخطورة، إذ ستكون قوات الاحتلال الإسرائيلي حينها أمام ذريعة للرد العسكري بحجة حماية مواطنيها، وسيتدهور الوضع الأمني الهش أساساً بشكل يصعب احتواؤه. لذلك فإن الموقف الرسمي السوري العلني الرافض لمثل هذه الانتهاكات يرسل إشارة مبكرة بأن سوريا لن تسمح بتحويل الجنوب إلى ساحة فوضى تقوّض الاتفاقات قيد البحث. هذا التحذير العلني قد يردع حركة “رواد الباشان” عن المضي أبعد، كما قد يدفع الأطراف الدولية المعنية، مثل الولايات المتحدة، الأمم المتحدة وغيرها، إلى اتخاذ إجراءات وقائية أو على الأقل ممارسة ضغط على الاحتلال الإسرائيلي لضبط المستوطنين. وباختصار، فإن الكلمة الرسمية في الوقت المناسب يمكن أن تحقن الدماء وتمنع شرارة مواجهة إقليمية لا تصب في مصلحة أي طرف.
- تعزيز الموقف التفاوضي السوري: إن إظهار دمشق قدراً من الصلابة السياسية في الدفاع عن حقوقها يوجّه رسالة واضحة بأنها جادة في استعادة سيادتها ولا تتهاون في كل ما يمسّ أرضها وشعبها. ففي ظل المفاوضات الجارية لإحياء اتفاقية فض الاشتباك أو صياغة ترتيبات جديدة للأمن الحدودي، ستكون سوريا في موقف أقوى عندما تكون قد وثّقت واحتجت رسمياً على خروق قوات الاحتلال الإسرائيلي المستجدة. هذا الموقف يمنحها ورقة ضغط يمكن أن تستند إليها للمطالبة بضمانات واضحة تتعلق بمنع الاستيطان ووقف انتهاكات الوضع القائم، بوصفها جزءً من أي تفاهم مستقبلي محتمل. أما تجاهل هذه الأحداث فقد يستغله الطرف الآخر كمؤشر ضعف، وربما يغريه بفرض أمر واقع تفاوضي يبقي تلك المناطق تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي بحجة عدم اعتراض الجانب السوري في حينه. لذلك فإن الموقف العلني الآن يمثل استثماراً في مسار التفاوض لصون الحقوق ومنع شرعنة التغييرات الأحادية التي حدثت بعد عام 2024. بطبيعة الحال يبقى الخيار العسكري المباشر مستبعداً في الوقت الراهن من حسابات الحكومة السورية الحالية، وهو أمر مفهوم نظراً لاختلال ميزان القوى وظروف المرحلة الحالية التي تمر بها البلاد. لكن ما من شيء يمنع دمشق من اللجوء إلى الأدوات غير العسكرية المتاحة، بدءً من إصدار البيانات الرسمية وعقد المؤتمرات الصحفية، مروراً بمخاطبة مجلس الأمن والأمم المتحدة عبر بعثتها الدائمة، ووصولاً إلى التنسيق مع قوات الأمم المتحدة العاملة في الجولان لتسجيل هذه الخروق بشكل موثق. لذا فإن مثل هذه التحركات ستظهر للعالم أن سوريا لم تفوّض الاحتلال الإسرائيلي أمر تلك المنطقة رغم أوضاعها الداخلية، بل لا تزال متمسّكة بسيادتها الكاملة وتراقب ما يجري عن قرب. كما أن هذا الموقف الحازم والمسؤول سيخدم في تعزيز فرص إحياء اتفاق فصل القوات أو صياغة اتفاق جديد، لأنه يضع حدوداً واضحة منذ البداية لما هو مقبول وما هو مرفوض سورياً، ويؤكد أن دمشق مصمّمة على حماية أرضها وحقوقها بوسائل دبلوماسية وقانونية فعالة.
بادرة لصالح أهالي القنيطرة وإثبات للنية الصادقة
إلى جانب اعتبارات السياسة العليا، فإن أي تحرك ولو رمزي من قبل الحكومة السورية الحالية في هذا التوقيت سيكون له وقع إيجابي مباشر على أهالي محافظة القنيطرة وسكان الجنوب السوري عموماً. فهذه المنطقة تحمل إرثاً تاريخياً ومعاناة طويلة جراء الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، ويشعر أهلها بحساسية بالغة تجاه أي محاولات جديدة لسلب أراضيهم أو تغيير هويتها. لقد عاش سكان القنيطرة لعقود في ظل قيود أمنية صارمة خلال حكم نظام الأسد، الذي منع حتى دخول غير أبناء المنطقة إليها دون موافقات خاصة، وذلك حفاظاً على الهدوء على الجبهة. ومع تغيّر الأوضاع اليوم، يتطلّع الأهالي إلى أن يروا حكومة بلادهم إلى جانبهم في التصدي لأي خطر يهدد أرضهم ومستقبلهم.
من هذا المنطلق، سيعد أي تصريح رسمي أو إجراء احتجاجي تتخذه دمشق بمثابة بادرة حسن نية تجاه أبناء القنيطرة، ورسالة بأن الدولة لن تتخلى عنهم مهما كانت الظروف. فقد عبّر العديد من الأهالي عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن رفضهم السكوت على استفزازات المستوطنين، مشدّدين على ضرورة أن تضبط كل جهة حدودها وتمنع تكرار الانتهاكات. ويجسّد هذا الموقف الشعبي شعوراً عاماً بأن على السلطات السورية التحرك بجدية لضمان حماية الأراضي والسيادة الوطنية.
وعندما تستجيب الحكومة لهذا النداء الشعبي بموقف واضح، فإنها بذلك تعزز ثقة المواطنين بها وتبرهن أن ما ترفعه من شعارات حول استعادة الجولان والدفاع عن السيادة ليس مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي، بل التزام يترجم إلى أفعال. ولا شك أن استعادة الثقة بين الدولة وأهالي الجنوب تشكل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأكملها. فمن خلال هذا التواصل، يطمئن المدنيون إلى أن حقوقهم لن تضيع وسط التوازنات السياسية، وأن دماء شهدائهم وأرضهم المحتلة لا تزال تحظى باهتمام حقيقي من صناع القرار. علاوة على ذلك، فإن التحرك السوري، ولو على المستوى الدبلوماسي، يوجّه رسالة طمأنة إلى المقاتلين والمعارضين السابقين في تلك المنطقة ممن قد يشعرون بالقلق من أي تمدّد جديد لقوات الاحتلال الإسرائيلي. إذ قد يرى بعضهم في غياب رد رسمي حازم ضوءاً أخضر للتحرك الفردي دفاعاً عن الأرض، مما يهدد بانهيار اتفاقات التهدئة المحلية.
أما الموقف الرسمي الحازم، فإنه يضبط إيقاع الجميع تحت مظلة الدولة ويحول دون أن يتحوّل الجنوب إلى ساحة مبادرات فردية أو ردود فعل غير محسوبة. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار الرد الحكومي المطلوب اليوم اختباراً حقيقياً لجدية النوايا تجاه ملف الجولان برمّته. فإذا أثبتت الحكومة التزامها قولاً وفعلاً في حماية ما تبقى من الأرض ومنع المزيد من التغوّل الاستيطاني، فإنها بذلك تبعث رسالة قوية بأن النهج الجديد في دمشق مختلف عن سابقه وأكثر حرصاً على الكرامة الوطنية وصون السيادة.
خاتمة
في المحصلة، ليست محاولات “رواد الباشان” مجرد حوادث منعزلة يقوم بها متطرّفون هامشيون، بل هي مؤشّر من عدة مؤشّرات على تغيّر محتمل على المشهد الحدودي بعد نصف قرن من الهدوء النسبي. فالفراغ الأمني على الجانب السوري أغرى بعض القوى في إسرائيل بتحدي الخطوط الحمراء ودفع حدود الأطماع القديمة إلى مدى غير مسبوق. هذا الواقع يضع الحكومة السورية الحالية أمام لحظة حقيقة تتطلب موازنة دقيقة بين ضبط النفس واليقظة الحازمة.
لقد نجحت دمشق حتى الآن في تجنب الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة، لكنها اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى رفع الصوت عالمياً بأن ما يجري على أرض القنيطرة مرفوض جملةً وتفصيلاً. خطوة كهذه لن تكلّفها كثيراً، لكنها ستجني ثماراً مهمة على صعيد كبح جماح المستوطنين، وحماية ما تبقى من فرص السلام، والأهم من ذلك كسب قلوب أبناء الجولان الذين ينتظرون بادرة تثبت أن تضحياتهم لم تكن هباءً. لذا فإن توقيت التحرك الرسمي السوري لا ينبغي أن يُؤجل، فكل تأخير قد يُفسر ضعفاً ويجر مزيداً من الوقائع على الأرض. أما المبادرة العاجلة فبوسعها أن تحفظ ما يمكن حفظه، وتفتح نافذة أمل نحو استعادة الاستقرار واحترام الالتزامات الدولية، ريثما تستعيد سوريا عافيتها الكاملة وتستكمل معركتها السياسية لعودة أرضها المحتلة.





