انحصر التركيز خلال العام الأول الذي تلا إسقاط نظام الأسد، في سياق معالجة ملف الاحتلال الإسرائيلي في سوريا، بصورة شبه كاملة ضمن البعدين الأمني العسكري، دون تطرّق لدور المجتمع المدني داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي ودينامياته، التي شهدت خلال العام الأول من المرحلة الانتقالية السورية، أي عام 2025، تطوّراً ملفتاً. فالمجتمع المدني، بما يضمّه من منظّمات وأفراد ومؤسسات فاعلة، يشكّل عنصراً لا يمكن تجاهله في فهم آليات تشكّل الحياة السياسية والمدنية، وانعكاس ذلك على السياسات الإسرائيلية تجاه الجوار الإقليمي وطبيعة النظام السياسي القائم هناك. ومع ذلك، ظلّ هذا القطاع مجهولاً في غالبية المعالجات السياسية والأمنية حول سوريا. وتأتي فكرة هذه الورقة لسدّ هذا النقص بتقديم صورةٍ عن واقع المجتمع المدني في دولة الاحتلال، من حيث تطوّره، ومقاربته تجاه سوريا والمنطقة، بغية الكشف عن إمكاناته وحدوده في التأثير على صناعة القرار، وعلاقة المجتمع المدني في دولة الاحتلال الإسرائيلي بسوريا. وفي كل ذلك تقديم قراءة أكثر شمولية تتجاوز الرؤية الأمنية التقليدية، وتتيح فهماً أعمق للتفاعلات الداخلية والخارجية التي تشكّل السياسة الإسرائيلية.
زاد التهديد والنشاط الإسرائيلي تجاه سوريا، عقب سقوط نظام الأسد، بصورة غير مسبوقة منذ عقود،فالاحتلال الإسرائيلي لم يتعامل مع هذا التحوّل بوصفه فرصة لإعادة ضبط العلاقة مع دولة مجاورة خرجت من حقبة استبدادية طويلة، بل بوصفه انعطافة استراتيجية، ناجماً عن انتصار الثورة السورية وما يحمله من ديناميات سياسية وعسكرية جديدة. وقد تزامن هذا التحول مع البيئة الإقليمية المضطربة التي خلقتها الحرب الإسرائيلية على غزة، ثم توسّع دائرة المواجهة عبر اغتيال حسن نصر الله في بيروت، ما انعكس بصورة غير مباشرة على الملف السوري.
السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا تصعّد إسرائيل ضد سوريا جديدة، رغم زوال الخطر الإيراني المباشر وانتهاء وجود الميليشيات التي طالما بررت بها تدخلاتها؟ ومن هنا ينطلق تساؤل إمكانية وجود تغيير على المستوى المدني والشعبي داخل دولة الاحتلال. مع أنّ الجواب لا يكمن في التهديدات العسكرية التقليدية أو، بقدر ما يرتبط بتحول نوعي في طبيعة المخاطر الإسرائيلية، والقدرة المستمرة على إنتاج روايات تتناسب مع الضرورات الأمنية.
فمع سقوط نظام الأسد، انتقلت إسرائيل من منطق “إدارة الخطر الإيراني” إلى الخوف الاستراتيجي من نشوء جيش وطني سوري جديد، ودولة تسعى لاستعادة السيادة وبناء عقد اجتماعي جامع، وتدرجت هذه الحجج من الخوف من التطرف إلى الحق في حماية الحدود، حيث يتطوّر الخطاب الإسرائيلي بالتزامن مع قدرة الحكومة السورية على تلافي حجج الإرهاب. وينطلق التخوف الأول من هذا التحول في سوريا، بكونه يضرب أحد الأسس التاريخية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، القائمة على التعامل مع كيانات ضعيفة أو مفككة في محيطها المباشر، على عكس الحكومة السورية الجديدة، التي رأت في سقوط نظام الأسد فرصة مناسبة من أجل إعادة صياغة علاقات مناسبة، قائمة على تفكيك المعادلة الأمنية وتقديم التنوع المدني والاجتماعي والاعتراف بالمجتمعات السورية المتعدّدة، منها اليهودي داخل سوريا.
لكن خلال العام الأول من المرحلة الانتقالية السورية، لم تتوقّف إسرائيل عن توسيع نطاق عملياتها العسكرية، أو عن استخدام أدوات الضغط المتعددة، سواء عبر القصف المتكرر، أو عبر الاستثمار السياسي في هشاشة المرحلة الانتقالية، بما في ذلك محاولة تسييس ملف العقد الاجتماعي السوري بوصفه أداة لإعادة إنتاج الانقسام وعدم الاستقرار. وهو ما يعكس بوضوح مقاربة إسرائيلية أمنية، تنطلق من فرض الوقائع بالقوة، بدل اختبار مسارات التفاوض وبناء علاقات مستقرة مع دولة سوريا جديدة.
تُظهر هذه المقاربة أن دولة الاحتلال الأسرائيلي لا تزال أسيرة عقيدتها الأمنية التقليدية، التي تفضّل العنف القسري كوسيلة استباقية لفرض وقائع جديدة، ثم التفاوض عليها لاحقاً، بدلاً من التفاوض على الواقع القائم، ويزداد هذا المنطق تعقيداً في ظل ملفات عالقة شديدة الحساسية، وفي مقدّمتها مرتفعات الجولان، التي تجعل أي انتقال نحو علاقات طبيعية مشروطاً بإعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه، لا بتكريسه، وعملت دولة الاحتلال الإسرائيلي بشكل واضح على جعل “الأمن” هو العنصر الوحيد والثابت في العلاقة مع سوريا، وذلك في تخوّف واضح من تشكيل علاقات عابرة للأمن عبر المجتمعات المدنية.
وفي هذا السياق، شهد العام الذي أعقب سقوط نظام الأسد محاولات من الجانب السوري لإعادة تخيّل العلاقة مع إسرائيل من خارج المنطق الأمني التقليدي، وقد تجلّى ذلك في إشارات رمزية وسياسية، من بينها إعادة افتتاح بعض المواقع الدينية اليهودية في سوريا، ثم ترخيص وزارة الشؤون الاجتماعية لأول منظمة يهودية سورية تعنى بالحفاظ على التراث اليهودي منذ عقود، لا يمكن فصل هذه الخطوات عن سعي الحكومة السورية الجديدة إلى تفكيك إرث القطيعة المطلقة، وإرسال رسائل سياسية مفادها أن سوريا الجديدة لا ترى في اليهود مكوّناً عدائياً، بل جزءً من تاريخها الاجتماعي والذي يمكن أن يتعايش معه السوريون، في ظل محاولة حكومة اليمين المتطرف تقديم سوريا كدولة معادية لليهودية كدين وطائفة ومكون، وهذا جزء من تبرير الأمن كعقيدة للقتال.
وفي ظل التوجهات السورية الجديدة لتفكيك الإرث الماضي، تحوّل المجتمع المدني السوري إلى إحدى أهم المساحات التي تعتمد عليها الدولة الناشئة في إنتاج خطاب جديد تجاه اليهود، بوصفه أداة من أدوات القوة الناعمة، فقد قدّم يهود سوريون في الخارج، ولا سيما في الولايات المتحدة، دوراً في دعم مقاربة الحكومة السورية الجديدة عبر مجموعات ضغط، سعت إلى تغيير الصورة النمطية عن سوريا، وإيصال رسالة مباشرة إلى المجتمع اليهودي في دولة الاحتلال الإسرائيلي، مفادها أن سياسات حكومة نتنياهو لا تعبّر بالضرورة عن مصالح اليهود، ولا عن مستقبل العلاقة مع سوريا، وجزء من هذا النشاط كان مع اللوبي الإسرائيلي داخل الكونغرس تجاه رفع العقوبات عن سوريا.
المجتمع المدني الإسرائيلي
وقبل الخوض في ديناميات التفاعل الإسرائيلي، يمكن تقسيم المجتمع المدني الإسرائيلي إلى ثلاث فئات رئيسية، تعكس تبايناً كبيراً في الدور والنفوذ تجاه السياسة الإسرائيلية، بالأخص في ما يتعلّق بسوريا والمنطقة، الفئة الأولى هي المجتمع المدني التابع للسلطة، الذي يشكّل الغالبية العظمى، حيث تعمل مؤسّساته ومنظّماته كامتداد للأجهزة الأمنية والسياسية، وتساهم في تعزيز العقيدة الأمنية السائدة بدلاً من تحديها أو تقديم بدائل، أمّا في الفئة الثانية تضم المجتمع المدني الصامت، الذي يلتزم بالحياد أو يمتنع عن أي موقف علني، وتشكّل هذه الفئة الأقلية مقارنة بالفئة الأولى، ويعكس صمتها محدودية القدرة على التأثير أو التغيير، سواء داخلياً أو تجاه السياسات الإسرائيلية الخارجية. أما الفئة الثالثة، فهي المجتمع المدني الناقد، والذي يتميز بقدرة محدودة على طرح بدائل مدنية أو نقد السياسات الحكومية، لكنه الأضعف من حيث الحجم والنفوذ، بحيث يبقى تأثيره الهامشي محدوداً، وغالباً ما يواجه قيوداً تنظيمية وتشريعية وسياسية تحدّ من فعاليته.
وبالأخذ بهذا التصنيف للمجتمع المدني داخل إسرائيل، لم تمرّ التحولات السورية، والرسائل المتزايدة، دون نقاش داخلي، كجزء من استقطاب من الأساس موجود وانقسام واضح، لا سيما في ظل وجود تيار معارضة ضد حكومة نتنياهو، إذ بدأت بعض منظّمات المجتمع المدني الإسرائيلي، ومراكز التفكير، ووسائل الإعلام والتي تعتبر ناقدة وناقمة على اليمين، وفي مقدمتها صحيفة هآرتس، بطرح تساؤلات نقدية حول جدوى سياسات اليمين المتطرف تجاه سوريا. وقد ذهب معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) إلى اقتراح مقاربة تدريجية لحل الملفات السورية-الإسرائيلية، معتبراً أن وجود حكومة جديدة في دمشق قد يشكّل فرصة لإعادة بناء علاقة مختلفة، قائمة على إدارة المصالح بدل تكريس العداء.
وساهمت الصحافة الإسرائيلية المعارضة، خصوصاً هآرتس، في دور هام في تفكيك خطاب نتنياهو حول سوريا، من خلال إفساح المجال لآراء سوريين، وتحليل التحوّلات الاجتماعية والسياسية داخل سوريا الجديدة، بما يسهم في إعادة تعريف “التهديد السوري” داخل النقاش العام الإسرائيلي. هذا التفاعل لا يعكس فقط انقساماً سياسياً داخلياً، بل يشير إلى وجود مقاربات مدنية بديلة ترى أن الأمن الإسرائيلي لا يتحقق عبر العسكرة الدائمة، بل عبر استقرار الجوار. يبقى مستوى الحراك المدني في إسرائيل تجاه الملف السوري محدوداً للغاية، وذلك لأسباب بنيوية وسياسية متشابكة. فإلى جانب انشغال المنظمات الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان بملف غزة باعتباره أولوية ضاغطة، تبرز عوامل أعمق تتصل بطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمجتمع المدني داخل إسرائيل نفسها.
ومقابل معهد الدراسات وهآرتس، تبرز منظمات ومنصات إسرائيلية عديدة، تعتبر داعماً لأدوات وتوجهات حكومة نتنياهو في سوريا وهي ذات التأثير الأكبر، فتعتبر منظمة “تغطية صادقة” إحدى أهم المنظمات التي تمارس التضليل الإعلامي، بكونها منظمة معنية بمراقبة النشاط الإعلامي الرصدي، لكن في المجمل سياساتها، تقوم على ربط أحداث غير منطقية ببعضها البعض، وجعلها تبدو منطقية وتقديمها للمجتمع داخل دولة الاحتلال، هذا حدث خلال الحرب على غزة، وحدث مرّة أخرى خلال ملف السويداء في سوريا، حيث اتهمت المنظمة الوكالات العالمية والأجنبية بالانحياز للحكومة السورية، ويعمل في الصيفة إسرائيليون يتمتعون بعلاقات جيدة مع القادة الإسرائيليين.
أول هذه العوامل يتمثّل في تحوّل المجتمع المدني الإسرائيلي تدريجياً إلى مجال خاضع لهيمنة السلطة السياسية، بحيث أنهّ ليس فضاءً مستقلاً للرقابة والمساءلة، بل محكوماً بمنطق “الترهيب القسري” الذي تمارسه حكومة اليمين المتطرّف، وعلى رأسها حكومة بنيامين نتنياهو. يقوم هذا الترهيب على إنتاج سردية أمنية ثابتة مفادها أن أي بديل سياسي داخلي أو أي انفتاح إقليمي، بما في ذلك تجاه سوريا، سيؤدي إلى تهديد وجودي مباشر للمجتمع الإسرائيلي من قبل “العرب” وهي سردية كلاسيكية- متجدّدة، يعتمد عليها نتنياهو لتكريس الصراع، وإعادة إنتاج الخوف، وتحويله إلى رأس مال سياسي يستخدم في مواجهة الاحتجاجات الشعبية والاضطرابات الداخلية.
التغوّل الحكومي على المجتمع المدني في دولة الاحتلال
ومن خلال هذه المقاربة، نجحت التيارات الشعبوية اليمينية في تفكيك البنية الوظيفية للمجتمع المدني، ليس عبر القمع المباشر فحسب، بل من خلال إعادة تعريف دوره وحدوده، ففي السياق الإسرائيلي الراهن، يمكن ملاحظة انتقال عدد متزايد من المنظمات المحلية من موقع الفاعل المستقل إلى موقع “المنظمة الحكومية الشكل (GONGO)” وهو مفهوم راسخ في علم السياسة يشير إلى الحالة التي يصبح فيها المجتمع المدني جزءً من المجتمع السياسي ويخدم مصالحه، لا مراقباً له. ويسهم هذا التحول في تفسير التناقض البنيوي بين الادعاء الديمقراطي للاحتلال الإسرائيلي، وبين واقع إخضاع المنظمات المدنية للأطر المصلحية التي تضعها الحكومة لذاتها خلال إنتاج المقاربة الأمنية، حتى أنّ منظمة حقوق الإنسان الدولية، نشرت نداءً لإيقاف الهجوم على المنظمات المدنية داخل إسرائيل.
في موازاة الحرب التي تخوضها حكومة اليمين المتطرف على غزة، شنّت حكومة الاحتلال حرباً داخلية موازية استهدفت المؤسسات الأكاديمية والقضائية والمجتمع المدني، فقد جرى استبدال “حراس المؤسسات” التقليديين بحراس للنظام السياسي الجديد، بما يخدم مشروع تقويض استقلال القضاء، وتقييد النشاط المدني، ولا سيما بعد الدور الذي أدّته بعض المنظمات والطلاب والجامعات في انتقاد الحرب على غزة، وفي مساءلة السياسات الأمنية الإسرائيلية. وقد انعكس هذا المناخ القمعي أيضاً على أي محاولة لطرح نقاش عقلاني أو مدني حول مستقبل العلاقة مع سوريا، حيث جرى إدراج هذا الملف ضمن دائرة “الأمننة الصلبة” التي لا تحتمل النقاش العام.
دأبت التيارات الشعبوية اليمينية، وعلى رأسها حزب الليكود، على شيطنة منظمات المجتمع المدني ذات الطابع الديمقراطي، والسعي إلى تقويض أدوارها عبر فرض أطر تنظيمية وتشريعية مقيدة. وعلى نحو أكثر تحديداً، عمل مشرّعو الليكود مراراً على الدفع باتجاه تشريعات تهدف إلى تقييد أو منع التمويل الأجنبي الحكومي والمؤسساتي لمنظمات المجتمع المدني، ولا سيما تلك التي توثّق انتهاكات حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو التي تنخرط في الاحتجاج على سياسات الحكومة، مثل مسار “الإصلاح القضائي”، أو تسعى إلى تعزيز أشكال من التعاون مع الفلسطينيين، وترفض منطق العنف والأمننة، وهو ما ينطبق أيضاً على أي مقاربات مدنية بديلة تجاه الملف السوري.
وعبر السياسة ذاتها، استغل اليمين المتطرف الصراع مع الحكومة السورية الجديدة لتعميق المواجهة مع المجتمع المدني الإسرائيلي داخلياً، فقد امتد النقاش حول “تقويض المجتمع المدني” إلى حد فرض قيود مباشرة على حجم التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية، بما يهدد فعاليتها واستقلاليتها. ويأتي ذلك في أعقاب مناقشة لجنة العدل في الكنيست وإقراره في البرلمان لاحقاً، خلال عام 2025، لمشروع قانون جديد بعنوان “قانون الضرائب على الجمعيات والمنظمات غير الحكومية”، والذي يستهدف بشكل واضح التيار المدني المعارض لسياسات نتنياهو في فلسطين وسوريا على حد سواء، تحت ذرائع السيادة والشفافية المالية.
بينما كانت النقابات المهنية الإسرائيلية شبه غائبة أو صامتة إزاء الانتهاكات في غزة، وكذلك تجاه السياسات الإسرائيلية في سوريا، وهو ما يعكس عجزها عن التفاعل مع واقع أمني شديد الكثافة نجحت حكومة اليمين في إنتاجه، فالمجتمع الذي يفترض أنه ديمقراطي خلال فترات الحرب، يبتعد عن الفعل المدني، ويتحول في الغالب إما إلى مجتمع صامت خاضع لمنطق الخوف، أو إلى مجتمع معسكر تهيمن عليه الأولويات الأمنية، وهو ما يفسر محدودية انخراط المجتمع المدني الإسرائيلي في تقديم مقاربات بديلة أو نقدية تجاه الملف السوري، ولا سيما في ظل حراك منظماتي تقوم به منظمات مختصة بمراقبة الحراك الطلابي في إسرائيل والإبلاغ عن الطلاب المعارضين كما حال منظمة “Canari Mission” والتي تأسست لأجل هذا الهدف خلال العام 2014 لملاحقة الطلاب داخل وخارج إسرائيل. والإشكالية الأكبر في المجتمع المدني هناك، أنّ المنظمات التي تحمل راية الديمقراطية، تتسر بالشعارات والمنطلقات العامة، لكنها لا تلقي بالاً لها، من الناحية العملية، وبل تمتلك هذه النوعية من المنظمات قدرة واسعة في التأثير على صناعة القرار الإسرائيلي وذلك مقارنة مع المنظمات الأخرى التي تعاني من قانون المنظمات الجديد ومن التشديد الأمني، ما يعني أن المجتمع المدني الإسرائيلي تحول كامتداد للأجهزة الأمنية.
في الخلاصة، يمكن القول إن المجتمع المدني الإسرائيلي يشهد ضعفاً شديداً، وغالبيته يعتبر امتداداً للسلطة الأمنية والسياسية لحكومة اليمين المتطرف، فاقداً قدرته على ممارسة أي دور مستقل في مواجهة العقيدة الأمنية المتشددة لحكومة نتنياهو تجاه سوريا، ولا سيما في سياق أتى بعد اختبار الحرب على غزة وانتهاكات حقوق الإنسان هناك، ومع أن بعض المنظمات والأفراد حاولوا تقديم مقاربات بديلة وتصالحية، إلا أن تأثيرهم ظل محدوداً، وغير قادر على إحداث تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية، ويعكس هذا الواقع استمرار الهيمنة الأمنية على المجتمع الإسرائيلي، وتحويل أي نقاش حول سوريا أو فلسطين إلى أداة لتعزيز خطاب العداء والخوف، بدلاً من الفعل المدني المستقل أو الحوار البناء. وبناءً عليه، يمكن فهم التوجه الإسرائيلي تجاه سوريا على نحو مشابه للتوجه تجاه فلسطين من قبل هذه المنظمات، مع بعض الفوارق الطفيفة، إذ يظل الأمن العنصر الثابت والمحرك الرئيسي للسياسات الإسرائيلية، بينما يظل المجتمع المدني في موقع هامشي غير فاعل، يجعل إمكانية التشكيك بديمقراطية إسرائيل حاضراً أكثر من أي وقت مضى.





