أولًا: ملخّص الورقة
ترصد الورقة التحليلية الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) بتاريخ 19 يناير 2026 المنعطف الاستراتيجي الذي شهده الشمال الشرقي السوري خلال الأسبوعين الأولين من العام الحالي. وتوضح أن العمليات العسكرية التي بدأتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مدينة حلب، سرعان ما تحوّلت إلى فرصة استراتيجية لصالح الحكومة السورية المركزية في دمشق بقيادة أحمد الشرع.
وتشير الورقة إلى أن القوات التابعة للحكومة السورية نجحت في بسط سيطرتها على مناطق حيوية، شملت حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ومدينة دير حافر، وصولاً إلى فرض سيادة المركز على كامل محافظة دير الزور، إضافة إلى أحياء استراتيجية في مدينة الرقة. ويُعد هذا التحول الأوسع من حيث النطاق الجغرافي منذ سقوط نظام الأسد، إذ خسرت قسد أكثر من 40% من مناطق نفوذها السابقة، بما في ذلك حقول النفط والغاز المركزية التي انتقلت إلى سيطرة دمشق.
وتعزو الورقة هذا الانهيار السريع إلى جملة من العوامل، في مقدمتها تبدّل ولاءات العشائر العربية السنية التي انحازت إلى الحكومة السورية، إلى جانب موقف أمريكي غير معارض للاستراتيجية العسكرية التي اتبعها الرئيس أحمد الشرع، وغياب ردود فعل دولية فاعلة. وقد تُوّجت هذه التطورات بإعلان وقف إطلاق النار بتاريخ 18 يناير 2026، تمهيداً للتوصل إلى اتفاق شامل يقضي بدمج جميع المؤسسات في الشمال الشرقي تحت إدارة دمشق، وتسليم المعابر الحدودية، ودمج عناصر قسد في الجيش السوري بصفة أفراد لا كوحدات تنظيمية، مقابل تمثيل كردي متفق عليه داخل مؤسسات الدولة.
ثانياً: تحليل لأبرز ما أشارت إليه الورقة
يعكس خطاب الورقة اعترافاً ضمنياً بانتهاء صلاحية قسد بوصفها “مصدًا وظيفيًا” (Functional Buffer) استُخدم سابقاً لضبط التوازنات الإقليمية في سوريا. فالعنوان التساؤلي للورقة “نهاية الحكم الذاتي الكردي؟” لا يعبّر عن حالة شك بقدر ما يشكّل إعلاناً عن طيّ صفحة نموذج “الفواعل ما دون الدولة” في العقل الاستراتيجي لدولة الاحتلال الإسرائيلي، والانتقال إلى التعامل مع واقع جديد يتمثّل في صعود دولة مركزية سنية تمتلك السيطرة الجغرافية والشرعية المجتمعية معًا.
تتبنى كاتبة الورقة بخطابها رؤية حذرة تجاه “نظام الشرع”، إذ يقدّمه بوصفه فاعلاً براغماتياً نجح في استعادة وحدة الجغرافيا العسكرية السورية، لكنه في الوقت ذاته يلمّح إليه كتهديد ناشئ يستند إلى شرعية الأغلبية السنية التي افتقدها نظام الأسد السابق. ويعكس هذا التحليل قلقاً إسرائيلياً من أن يفضي ترسّخ هذا النموذج إلى تقويض أي نزعات انفصالية أو لامركزية داخل سوريا، ولا سيما تطلعات بعض الأقليات (مثل تطلعات الدروز)، بما يعيد إنتاج الدولة السورية ككيان مركزي سني متماسك قد يصعب احتواؤه أو التأثير في مساراته مستقبلاً.
تشير الورقة إلى موقف دولة الاحتلال الداعي إلى ضبط النفس إزاء تراجع الدور الكردي، بوصفه خياراً عقلانياً يهدف إلى تجنّب الصدام مع الإدارة الأمريكية الجديدة، والحفاظ في الوقت ذاته على قنوات الاتصال المفتوحة مع دمشق. ولا يقدَّم هذا السلوك باعتباره تخلّياً عن الأكراد، بل إعادة تموضع استراتيجي تسعى من خلالها تل أبيب إلى ضمان مصالحها الأمنية عبر أدوات التفاوض والتأثير السياسي، بدل الانخراط في تدخل عسكري مباشر لم يعد يخدم حساباتها في السياق السوري الجديد.
يركّز خطاب الكاتبة على دور القبائل السنية بوصفها فاعلاً سياسياً منح التقدّم العسكري لقوات دمشق بعداً من الشرعية المجتمعية، لا مجرد عنصر ميداني مساعد. ويهدف هذا التركيز إلى تنبيه صانع القرار في تل أبيب إلى أن المراهنة على الأقليات العرقية كأدوات توازن لم تعد كافية في مواجهة عودة مركزية سنية مدعومة شعبياً، الأمر الذي يفرض مراجعة جوهرية لأدوات التدخل الإسرائيلية في الشأن السوري.
تختتم الورقة بتوصيات تدعو إلى دمج الأكراد في مؤسسات الدولة والجيش السوري، غير أن هذه الدعوة لا تنطلق من اعتبارات إنسانية أو حقوقية، بل تعبّر عن مقاربة استراتيجية تهدف إلى تنويع مراكز القوة داخل بنية النظام الجديد. ويسعى هذا التوجه إلى موازنة الهيمنة السنية المحتملة، وخلق نقاط تأثير داخلية تعوّض إسرائيل عن فقدان السيطرة الجغرافية المباشرة التي كانت توفّرها تجربة الحكم الذاتي الكردي.
ثالثًا: تداعيات “انكسار الأطراف” – السويداء بعد قسد
بالقياس على السلوك الإسرائيلي إزاء انهيار مشروع قسد، يمكن استشراف ملامح التعامل المستقبلي مع ملف محافظة السويداء وتطلّعات الأقلية الدرزية فيها. فقد أظهرت تجربة يناير 2026 في الجزيرة السورية أن دولة الاحتلال مستعدة لإعادة ترتيب علاقتها حتى مع أقرب حلفائها الميدانيين، متى تعارضت هذه العلاقة مع ما يمكن تسميته بـ”المسار الدبلوماسي الكبير” (واشنطن-باريس). ويشير ذلك، استشرافاً، إلى أن بعض الفصائل الدرزية التي راهنت على دعم إسرائيلي قد تواجه سيناريو مشابهاً، في ظل ميل العقل الاستراتيجي الإسرائيلي إلى تجنّب تكرار نموذج الحلفاء المحليين المنهارين، كما في تجربة جيش لبنان الجنوبي عام 2000.
في هذا السياق، تتزايد داخل إسرائيل القناعة بأن مشاريع مثل “الدولة الدرزية” أو الكيان المستقل ليست خيارا واقعياً أو قابلاً للاستدامة. وعليه، يُرجّح أن تنتقل تل أبيب من دعم الطموحات الجغرافية للأقليات إلى السعي لانتزاع “ضمانات سياسية” من دمشق، تقوم على دمج الدروز داخل مؤسسات الدولة السورية، على نحو مشابه لمسار دمج قسد بعد اتفاقات يناير 2026. الهدف من ذلك ليس دعم اللامركزية، بل خلق توازنات قوى داخلية ضمن بنية الدولة، تعوّض فقدان السيطرة على الأطراف.
بالمحصلة، يمكن النظر إلى “الحياد الاضطراري” الذي مارسته إسرائيل تجاه الأكراد بوصفه نموذجاً تمهيدياً لما قد تشهده السويداء مستقبلاً. ففي حال قررت الحكومة السورية المركزية بسط سيادتها الكاملة على الجنوب، يُرجّح أن تكتفي تل أبيب بالمواقف السياسية ومحاولات انتزاع ترتيبات أمنية محدودة في المنطقة العازلة عبر الوساطة الأمريكية، مع التخلي عملياً عن دعم أي مشاريع حكم ذاتي للأقليات السورية. ويؤكّد هذا التحول أن سوريا في عام 2026 دخلت مرحلة “السيادات الوطنية الموحدة”، التي لم تعد تترك هامشاً واسعاً لسياسات “المصدّات الوظيفية” التقليدية.





