تقديم
نشر معهد دراسات الأمن القومي، ومقره تل أبيب، تحليلاً بتاريخ 15 يناير 2026 يتناول الخطاب الديني في سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الأسد تحديداً في سياق الحديث عن إسرائيل.
تبدأ الورقة بتقديم ملخّص سريعٍ للخطاب الإسلامي، أي الخطاب الذي صدّره ما يُعرف بالتيار الإسلامي وما ينضوي تحته من حركاتٍ وتيارات، عن إسرائيل، واصفةً إياه بأنه يرى حرمة عقد السلام مع إسرائيل، ويعاديها عداءً لا لبس فيه بناءً على سلسلةٍ من المحاججات. إلا أنّ هذه الحركات لا تغلق الباب كاملاً على عقد هدنٍ مؤقّتة، مستندةً في ذلك على حادثة صلح الحديبية (وهي حادثةٌ تستشهد بها مقالة المعهد عدة مرات في معترض التحليل).
ثم تنظر المقالة في موقف هيئة تحرير الشام من إسرائيل، بقصد محاولة فهم موقف النخبة الحاكمة من إسرائيل قبل سقوط نظام الأسد، وتركّز في ذلك على خطاب مظهر الويس وعبد الرحيم عطون، اللذين يشغلان حالياً منصبي وزير العدل ورئيس المكتب الاستشاري للشؤون الدينية، وكلاهما كانا من أبرز شرعيي هيئة تحرير الشام قبل معركة ردع العدوان، بالإضافة إلى مفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ أسامة الرفاعي.
بعدها تدرس المقالة العلاقة بين المواقف السياسية والدينية ضمن بنية النظام الحالي في سوريا، وتبيّن أن المؤسّسة الدينية حافظت أحياناً على عدائها لإسرائيل، مثل استمرار عطون بنشر رسائل تضامن مع غزة تحوي أدعيةً على إسرائيل، وتارةً أخرى دعمت الاتجاه السياسي الحالي في سوريا.
تخلص المقالة إلى أنّ 1. الخطاب الديني يصعّد لهجته ضد إسرائيل عادةً بعد العمليات العسكرية في سوريا كحادثة مدينة نوى بمحافظة درعا في أبريل 2025، 2. يُوجد شيءٌ من التباين بين الخطاب الديني والاتجاه السياسي للنظام السوري في بعض السياقات، 3. لكن تُظهر المؤسّسة الدينية شيئاً من الانفتاح والتليين في الخطاب بما يُوجد هامشاً لعقد ترتيباتٍ أمنية مؤقّتة (هدنة) بين إسرائيل وسوريا، 4. على إسرائيل المزاوجة بين الخيار العسكري والدبلوماسي في تعاملها مع سوريا بهدف السعي للوصول إلى سلامٍ دائم 5. في ظلّ الخطاب الديني الحالي، تجد إسرائيل نفسها، في سياق التعامل مع النظام الحالي في سوريا، أمام خيارين: سلامٌ دائم أو هدنةٌ مؤقّتة، مع ذكرها لبعض الإيجابيات والسلبيات التي يتمخّض عنها العودة إلى إطارٍ شبيه باتفاقية 1974.
ويخلص التحليل أن الخيار الأفضل هو صيغةٌ بين هذا وذاك تعبّر عنه بأنه «ترتيبٌ أمني يرسم آفاقاً سياسية»، منها مثلاً التعهّد بحلّ أي نزاعاتٍ مستقبلية سلمياً، والسعي نحو اتفاقٍ دائم. وتعلّل هذا الخيار بأنه يسمح لإسرائيل باختبار نوايا الشرع على المدى الطويل، والتبيّن من صدق تغيّره الأيديولوجي.
يبرز في هذا التحليل وتوصياته عدة نقاط، منها تقديم توصيةٌ للجانب الإسرائيلي بأنّ تخفيف سلوكها العدواني قد يحفّز النظام الحالي في سوريا على قطع خطواتٍ أكثر على طريق الانخراط الإيجابي مع إسرائيل. تذكر الورقة أيضاً أنّ العمل مع النظام الحالي قد يساعد إسرائيل على توجيه «هذا النظام الناشئ» باتجاهاتٍ إيجابية ومقبولة لإسرائيل. وفي المقابل، تحذّر الورقة من أنّ قبول العمل مع نظامٍ لا يتقبّل الاعتراف بإسرائيل قد يكون سابقةً تقبل بها أنظمة المنطقة بعقد اتفاقياتٍ مع إسرائيل دون الاعتراف بها. ويبرز أيضاً تحذير المقالة من حاجة النظام السوري الحالي إلى مكاسب سياسية واقتصادية قد تجعله في المستقبل أكثر تقبّلاً لتنازلات أكثر، منها تأجير هضبة الجولان لفتراتٍ طويلة، وهو ما وصفه بأنه فرصةٌ قد تُهدر إذا عاد النظام الإسرائيلي إلى إطار عمل شبيه باتفاقية 1974.
نصّ المقالة
ما يأتي تحليلٌ للخطاب الإسلامي الغالب على المؤسّسات والعلماء المحسوبين على النظام الجديد في سوريا. يتجلّى في الخطاب موقفٌ عدوانيُّ في جوهره يرفض السلام مع إسرائيل. ولكنه، مع ذلك، ليس خطاباً متسقاً منظّماً ولا هو جامدٌ لا يتغيّر. فصحيحٌ بروز آراء يمكن وصفها بأنها آراء أيديولوجية إسلامية على مدار العام الفائت، استثار معظمها من النشاط العسكري الذي تقوم به إسرائيل في سوريا، إلا أن الناظر يلاحظ شيئاً من التليين في نبرة الخطاب وانخفاضاً في تواتره. ولا يعني ذلك حدوث نقلة أيديولوجية كبيرة أو قيام أرضية لازمة لمصالحةً كاملة، وإنما قد يسمح بشرعنة اتفاقياتٍ محدودةٍ محدّدة للنظام الجديد في سوريا أن يسمّيها هدنة على وجه التبرير. وفي ظلّ ذلك وما كان من تواصل دبلوماسي بين الدولتين، نوصي بأن لا تعتمد إسرائيل فقط على الترتيبات العسكرية، وأن تسعى بجانب ذلك إلى خلق إطار عمل يشمل مكوّناً سياسياً ذو رسائل واضحة – التزامٌ متبادل للتوصّل إلى حلٍّ سلمي لما قد يطرأ من نزاعات والسعي إلى إرساء سلامٍ دائم. فلإطارٍ من هذا النوع أن يخلق أفقاً لتسوية سياسية نهائية في المستقبل، وأنّ يمنحنا إدراكاً لنوايا النظام السياسي بالتزامن مع صياغة مقترحٍ يستطيع كلا الطرفين التكيّف معه في ظلّ الظروف السياسية الحالية.
أصدر النظام السوري1 سلسلةً من الطوابع احتفاءً بالذكرى الأولى لانتصار الثورة السورية الموافق 8 ديسمبر 2025. يُرى على إحدى هذه الطوابع صورة أحد مقاتلي النخبة في هيئة تحرير الشام، من يُعرفون بارتداء العصب الحمراء على جباههم، وهو يصلّي في باحة المسجد الأموي في دمشق في تمام الساعة 06:18، أي الوقت الذي بدأت فيه وسائل الإعلام تتداول أخبار تحرير مدينة دمشق. وقد اختصّ المسجد الأموي، الذي يعدّه البعض رابع مقدّسات المسلمين (بعد الحرمين في مكة والمدينة والمسجد الأقصى)، بشيءٍ من الرمزية في سياق الثورة السورية. فقد شهد المسجد في بدايات الربيع العربي انطلاق مظاهراتٍ مناهضةٍ للرئيس بشار الأسد، ومن ثم اختار الرئيس أحمد الشرع، الذي قاد الثورة السورية للنصر، أن يُلقي منه خطاب النصر.

استخدم النظام الجديد في سوريا المصطلحات الدينية لصياغة روح «سوريا الجديدة»، دون أن يبلور ذلك في سياسةٍ تبيّن اتجاه البلاد، ومن ذلك سياسة النظام الجديد بخصوص إسرائيل. فيرى البعض أن الشرع كان إسلامياً راديكالياً وما زال على ذلك يرى في تحرير دمشق «محطةً إلى القدس»، ويرى آخرون أن الشرع براغماتي لا يهمّه سوى بناء السلام والازدهار والاستقرار لمستقبل بلده، ومن ذلك يسعى إلى إنجاز ترتيبٍ مع إسرائيل.
توطئة: التيار الإسلامي وإسرائيل
تتبنّى الأيديولوجية الإسلامية، التي ينضوي تحتها أفرادٌ من النظام السوري أو كانوا على ذلك في الماضي على الأقل، موقفاً متسقاً لا لبس فيه من المسألة الفلسطينية/الإسرائيلية. فقد عارض المسلمون، منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 حتى اليوم، إقامة دولةٍ يهوديةٍ في «أرض إسرائيل»، أو الاعتراف بها، أو إبرام اتفاقيات سلامٍ أو تطبيعٍ معها.
ويقوم موقف الإسلاميين في ذلك على عددٍ من المحاججات: 1. فلسطين هي جزءٌ من الأمة الإسلامية، 2. فلسطين، وفي قلبها القدس، هي أرضٌ مقدّسةٌ وهي من حقّ المسلمين حتى قيام الساعة ولا يحقّ على هذا الأساس التنازل عن أي جزءٍ منها، 3. الجهاد، بالسلاح وغيره، لتحرير فلسطين واجبٌ على كلّ مسلمٍ قادر، 4. تمثّل إسرائيل قاعدةً متقدّمة للغرب وهي تهديدٌ على جيرانها والأمة المسلمة بعمومها عسكرياً وثقافياً واقتصادياً، 5. اليهود أعداء أزليون للمسلمين منذ زمن النبي محمد حتى اليوم، بالاستناد على مجموعةٍ منتقاةٍ من الآيات والآثار.
يُفضي هذا الموقف، الذي لاقى اتفاقاً واسعاً بين المفكّرين المسلمين بمختلف الأجيال والمشارب، إلى أن اليهود وإسرائيل ليس لهم أن يكونوا شركاء مشروعين ومستحسنين في اتفاقيات سلامٍ دائم مع جيرانهم من المسلمين.
إلا أن الموقف الإسلامي لا يرفض الهدنة (أي الهدنة المؤقّتة) في الوقت نفسه إذا كان فيها حلٌّ براغماتي محددٌّ يناسب ظروفٍ محدّدة. ويُعدّ صلح الحديبية عام 628م/6ه، الذي عقده النبي محمد مع قريش، الحادثة الأساسية في الإسلام التي تؤسّس لذلك. في صلح الحديبية، اتفق المسلمون وقريش على صلحٍ مدته 10 أعوام، إلا أنّه لم يدم أكثر من عامين. وتنامت قوة المسلمين في هذه الفترة، واستطاعوا الدخول إلى مكة دون قتال في نهاية الأمر.
استشهدت الحركات الإسلامية، ومنها حماس، عبر السنين بحادثة صلح الحديبية لتبرير قرارات اتفاقيات وقف إطلاق النار مع إسرائيل. وكان هناك، بالتوازي مع ذلك، تأويلاتٌ اعتمدت على الحادثة نفسها لتبرير عقد اتفاقيات سلامٍ دائم مع إسرائيل، كان منها، مثلاً، المؤسّسات الدينية في مصر والإمارات العربية المتحدة الذين ذهبوا إلى أن الاتفاقية تدلّل على تقديم النبي محمد للسلام، وقالوا إنّ اليهود، أهل الكتاب الموحّدين، أولى من ناحية كونهم شركاء في اتفاقية من مشركي مكة الذين عُقدت الاتفاقية الأصلية معهم.
المؤسّسة الإسلامية في «سوريا الجديدة»
كان من أول ما فعله الشرع وجماعته بعد استيلائهم على السلطة هو إعادة تشكيل المؤسّسة الدينية الرسمية بهدف إنشاء سلطةٍ دينية موحّدة تحت سيطرة النظام الجديد. وقد أُدمجت هذه المؤسّسة الدينية الجديدة بجهود بناء الدولة التي يقوم بها الشرع. فلم يقتصر دورها على إصدار الفتاوى، وإنما تنسيق الخطاب الديني الرسمي وإضفاء صبغة الشرعية على النظام الحاكم الجديد.
أُعيد تأسيس مجلس الإفتاء الأعلى في مارس 2025م، وقد تألّف من 15 شخصاً يترأسّهم الشيخ أسامة الرفاعي (تولّد 1944م). كان الشيخ أسامة مع الإخوان المسلمين في السبعينات وتصادم مع نظام حافظ الأسد الذي نفاه من سوريا عام 1981م. إلا أن الشيخ أسامة الرفاعي عاد إلى دمشق في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة في فترةٍ من الانفتاح النسبي واستأنف نشاطه الديني. اتخذ الشيخ أسامة موقفاً داعماً للثورة السورية ضد نظام الأسد خلال الربيع العربي، وتعرّض بسبب ذلك لهجومٍ من الموالين لنظام الأسد. وفي عام 2012م، نزح الشيخ أسامة من سوريا مجدّداً إلى تركيا، حيث بنى علاقاتٍ مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعُيّن مفتياً باسم قوى المعارضة السورية.
في أبريل/نيسان 2025م، عقد مجلس الإفتاء الأعلى اجتماعه الأول في المكتبة الوطنية بدمشق. وضمّ أعضاؤها عدداً من العلماء الذين لازموا الشرع خلال سنوات هيئة تحرير الشام وشغلوا مناصب عُليا، وعلى رأسهم كان مظهر الويس، الذي يشغل حالياً منصب وزير العدل، وعبد الرحيم عطون الذي عُيّن في مايو/أيار 2025م مستشاراً في الشؤون الدينية للرئيس الشرع. توازى ذلك مع حلّ المجلس الإسلامي السوري الذي عمل تحت مظلة المعارضة السورية في المنفى. وقد بيّن محمد خير موسى، الخبير في الحركات الإسلامية والمدارس الفكرية الإسلامية، أن المجلس الجديد يضمّ تحته ممثّلين من طيفٍ واسعٍ من التيارات: منها التيارات السلفية العلمية والجهادية والحركية، والصوفية العلمية والطرق الصوفية، وخبراء أكاديميون، وممثّلون من مدارس دمشق. ويرى خير موسى أنّ الغاية من هذه التوليفة المتنوّعة «تجسير الهوة وردم الفجوات وتوحيد الرؤى المشتركة».
عُيّن محمد أبو الخير شكري، الذي كان عضواً في مجلس هيئة تحرير الشام وأحد أبرز شخصياتها، وزيراً للأوقاف الدينية. وفي تعميمٍ رسمي للخطباء نُشر في مايو/أيار 2025م، عرّفت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة بأنها أداةٌ لها وظيفةٌ عامة. وطالب التعميم الخطباء بالالتزام بالـ«ـوسطية الإسلامية»، و«الفكر المعتدل»، مع تجنّب مهاجمة المؤسّسات والأفراد والحرص على التأكّد من المعلومات والحقائق. ترافق ذلك مع تحديد سقف مدة الخطبة بـ30 دقيقة، والتغيير الأهم هو إنشاء آليةٍ عُليا تحدّد مضمون الخطب، وهو ما يقيّد ميول الخطيب نفسه لصالح اعتباراتٍ أكثر وطنية، وربما أكثر برغماتية.
الخطاب الإسلامي عن إسرائيل قبل سقوط نظام الأسد2
حظي قادة سوريا الدينيون الجدد بمساحةٍ أكبر للحديث بحرية قبل تقلّدهم مناصبهم في الدولة الجديدة، بعيداً عما تفرضه مسؤوليات المناصب الحكومية من قيود. وعلى الرغم من أنّ تركيزهم كان على الصراع مع نظام الأسد، لم يمنعهم ذلك من الحديث، في مناسباتٍ متكرّرة، عن إسرائيل، معبّرين عن مواقف تتلاءم مع الحركات الإسلامية التي ترفض اتفاقيات السلام وتدعم الجهاد.
من ذلك مثلاً إصدار الرفاعي فتوى مع عددٍ من العلماء باسم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومقره قطر، عشية توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية في سبتمبر/أيلول 2020م. وقد نصّت الفتوى على أن السلام والتطبيع مع إسرائيل محرّمةٌ في الإسلام. التقى الرفاعي في يوليو/تموز 2022م، أي بعد عامين تقريباً، بزعيم حركة حماس إسماعيل هنية في محاولةٍ لثني الحركة عن إحياء علاقتها بنظام دمشق في ذاك الوقت. وأصدر الرفاعي بعد اللقاء بياناً قال فيه إنّ حماس «تجربة ألهمت الأمة»، وأنّ «قضية فلسطين هي قضية المسلمين جميعاً».
كما أقامت هيئة تحرير الشام مؤتمر تضامن مع حماس، بعد أسبوعين من هجمات السابع من أكتوبر، بعنوان «من إدلب إلى غزة – الجرح واحد». وكان من المتحدّثين فيه مظهر الويس، الذي كان وقتئذٍ أحد كبار شرعيي الحركة. وقد وجّه الويس «تحية التقدير والإكرام والتبجيل لأهلنا المرابطين وإخواننا المجاهدين في قطاع غزة في أرض فلسطين الحبيبة»، كما وصف «الكيان الصهيوني» بأنه «كتلة سرطانية زُرِعَت في قلب العالم الإسلامي»، فعل ذلك الغرب تجزئة الأمة والحول دون نهضتها.
كما دعا الويس الشعوب العربية والإسلامية بالوقوف مع حماس ضد إسرائيل «عدوة الأمة الإسلامية» ، وعدم الاكتفاء بالتضامن، ونشر الجهاد في سبيل الله، وتعزيز حق المقاومة. بيّن الويس أيضاً أن الجهاد لا يلزم أن يكون جهاداً عسكرياً مباشراً، وإنما يمكن أن يكون بالمال أو الكلمة أو النفس. وختم الويس كلمته بالدعاء لله بالنصر العزيز لشعب غزة وأن يخذل عدوهم.
تحدّث عطون، من كان وقتها أعلى سلطة شرعية/قانونية في هيئة تحرير الشام، أيضاً في المؤتمر. وأعلن أن أرض فلسطين جزءٌ من أرض الشام، وهي مكوّن مهمٌّ من الخلافة الإسلامية. وبحسبما قاله، لا فرق بين سوريا وفلسطين، منوّهاً إلى مشاركة أفراد حركة الإخوان المسلمين السورية في حرب 1948م. وقال كذلك إنّ الجهاد الحالي في فلسطين هو فرض عين على جميع المسلمين، كلٌّ بحسب قدرته.
وأضاف عطون في كلمةٍ أخرى في الأشهر التالية أن الكيان الصهيوني هو «عدو أمة الإسلام اللدود»، وليس فقط فلسطين وغزة. وقال إنّ مدنيي غزة ومجاهديها هم «رأس حربة» المسلمين في المعركة الجارية. وتناقلت قناة على تيلجرام تحمل اسمه، ويظهر أنه هو من يُديرها، دعواتٍ إلى الله «برد كيد اليهود في نحرهم»، و«لعنهم»، و«دمّرهم» و«اجعلهم وما جمعوا غنيمة للمجاهدين». كما نشرت القناة رسالة تعزية بعد وفاة قائد حماس يحيى السنوار، ودعا لـ«إخواننا في حركة حماس»، وأن يكبت اليهود ومن والاهم.

الويس وعطون في مؤتمر التضامن: «من إدلب إلى غزة – الجرح واحد» أكتوبر 2023، يوتيوب.
نحا خطاب هيئة تحرير الشام بعد انتصار الثورة نحواً أقل عدوانية ببثّ رسائل تركّز على الاستقرار، والحاكمية (Governance)، وإعادة الإعمار داخلياً، وهو ما أثار تساؤلات عن طبيعة هذا التغيّر، أهو نقلةٌ أيديولوجية صادقة أم براغماتية تكتيكية الهدف منها ضمان ترسيخ أسس المشروع الإسلامي السوري وإدامته.
من ذلك مثلاً تركيز وزير العدل الويس على التمييز بين «الأيديولوجيا» و«إدارة الدولة»، كما أنّه قدّم تفسيرات فقهية إسلامية للتعاون مع التحالف الدولي ضد داعش على أساس المصلحة، وصون سيادة الدولة، وواجب قتال الخوارج.
إلا أن مسألة إسرائيل معقّدةٌ أكثر. فإذا كانت الشخصيات السياسية من النظام الجديد قد قدّمت رسائل تصالحية تُعلي الحوار والتفاهمات، لم تقم المؤسّسة الدينية بالاصطفاف إلى جانب المؤسّسة السياسية، وكان أكثر ما قاموا به هو تقليل حدّة الخطاب العدائي ضد إسرائيل وتواتره. كما أن العام الماضي شهد بياناتٍ تكرّر مفاهيم إسلامية.
يأتي التصعيد في الخطاب الديني غالباً بعد عملياتٍ عسكريةٍ إسرائيلية في سوريا. حدث ذلك مثلاً في أبريل/نيسان 2025م، عندما تحدّث الرفاعي، في ما كان أحد أولى خطاباته بصفته مفتياً رسمياً، عن الهجوم الذي نفذّته القوات الإسرائيلية نهاية شهر مارس/آذار 2025م في محافظة درعا جنوبي سوريا، والذي أودى بحياة ستة أشخاص وجرح آخرين. ففي زيارة لتعزية أهالي الضحايا، قال الرفاعي إنّ «هؤلاء الشهداء قُتلوا على يد أعدى أعداء الله، أعدى أعداء الله وأحقر أعداء الله».
وبعد ثلاثة أشهر تقريباً في يوليو/تموز 2025م، أصدر مجلس الإفتاء الأعلى، الذي يرأسه الرفاعي، فتوى رسمية بخصوص تدخّل إسرائيل في الاشتباكات الدامية التي اندلعت في السوداء بين الميليشيات الدرزية المحلية والعشائر البدوية مع مشاركة قوى الشرع فيها. وأدانت الفتوى ما قامت به القوى الدرزية من طلبها لمساعدة إسرائيل: «: من المسلّمات البديهيات حرمة الخيانة والاستعانة على الدولة بالعدو الصهيوني المحتل الغادر الذي يؤكد كل مرة أنه أهل للعداوة، لا للعهود والمواثيق».
واستمرت قناة التيلجرام التي تحمل اسم عطون بنشر رسائل على مدار عام 2025م تعبّر عن التضامن مع نضال الفلسطينيين في غزة والدعاء لله بأن يرزقهم النصر على أعدائهم. وفي الذكرى الثانية لأحداث السابع من أكتوبر، تمنّى عطون على الله أنّ يُجري العدل وينتقم من الصهيونيين ويُنزل عليهم عقابه لما ارتكبوه من ظلم بحق المستضعفين في فلسطين، وأن يرحم «أهل الإسلام في غزة» الذين قدّموا «التضحيات الجسام».
وهناك أيضاً دعاة سوريون مؤيّدون للنظام في دمشق دون تقلّد مناصب رسمية ممن ألقوا خطباً مناهضةً لإسرائيل واليهود في المساجد على الرغم من قيام الدولة بتكثيف رقابتها. وكان منهم إمامٌ في حلب نادى بالإعداد للجهاد ضد إسرائيل، ووصف اليهود بأنهم «أعداء الله»، وأنهم «قتلة، فجرة، كفرة».
لا يؤسّس الخطاب الديني الحالي في سوريا الأرضية لسلامٍ تامٍّ، ولكنه لا يرفض لزوماً المزيد من التفاهمات المحدودة، مثل العودة إلى اتفاقية 1974 لفضّ النزاع بين إسرائيل وسوريا. وهذه الصيغة هي أقرب إلى الهدنة التي قد تكون، من المنظور الإسلامي، خياراً مشروعاً يعكس إدراك النظام لموازين القوة الحالية، ويسمح له بالتركيز على إعادة الإعمار في سوريا وترسيخ حكمه، دون أن يعترف بأن إسرائيل واقعٌ دائمٌ أو أن يخون مبادئه.
بل كان هناك عددٌ من العلماء والناشطون المؤيّدون للنظام السوري ولكن دون شغلهم لمناصب رسمية ممن استشهدوا بصلح الحديبية في الحديث عن اتفاقيةٍ مع إسرائيل، وهو ما أثار نقاشاتٍ حادةً على شبكات التواصل. ولكن يصعبُ معرفة أكان القصد هنا هدنةً مؤقّتة أم سلام دائم، وربما يكون هذا متعمّداً تجنّباً للإدلاء بكلامٍ ملزمٍ، بما يسمح للجمهور بتأويل الرسالة كلٌّ كما يرغب.
من هؤلاء مثلاً مأمون همة (أبو وائل)، ناشطٌ سوري في الخارج ومؤيّد للشرع، الذي يملك صفحة فيسبوك بلغ عدد متابعيها 200 ألف متابع. فتداول أبو وائل عدة فيديوهات مشهورة عام 2025، حصدت ملايين المشاهدات، ذكر فيها صلح الحديبية من السوابق التي يمكن البناء عليها لإنجاز سلامٍ مع إسرائيل واليهود. وقد شرح في فيديو نشره أوائل عام 2025م أن إسرائيل ليست العدو الأول للشعب السوري، بل هم نظام الأسد وإيران وأذرعهم. ووفقاً لأبي وائل، أمر الله المسلمين بقتال من يقاتلهم، وإسرائيل حافظت على موقف المحايد طوال فترة الحرب الأهلية السورية.
وخلص أبو وائل إلى أن السوريين عليهم عدم التعامل مع إسرائيل بالعاطفة كما فعلت حماس بتاريخ السابع من أكتوبر، وإنما التحلّي بالعقل والحكمة. واستشهد أبو وائل، في هذا السياق، بأن النبي محمد فضّل صلح الحديبية لأنه سمح للناس بالدخول في الإسلام دون حرب. وكما يقول: «سنعمل صلح الحديبية [مع إسرائيل]… نحن في حالة سلم حتى يجعل الله عز وجلّ لنا مخرجاً أو يجعل نصراً دون قتال».
خلاصة واستنتاجات
يأخذنا تحليل الخطاب الإسلامي في سوريا الجديدة إلى أنّ المؤسّسة الدينية لا تعمل على إرساء أسس اتفاقية سلام دائم مع إسرائيل في هذه المرحلة، وقد تقوم حتى بمعارضة النخبة السياسية إذا اختارت هذا المسار. نجدُ، في الوقت نفسه، انفتاح ديني وسياسي أكبر لتفاهمات أمنية محدودة، مثل اتفاقيات فض نزاع يمكن اعتبارها أحد أشكال الهدنة المؤقّتة. يصل بنا ذلك إلى سؤال جوهري: هل الأفضل لإسرائيل أن تسعى إلى تفاهم مع نظام له جذور أيديولوجية إسلامية؟ الجواب عن هذا السؤال فيه شيء من التعقيد.
تنطوي العودة، من ناحية، إلى إطار عمل شبيه باتفاقية فض الاشتباك 1974 على عدد من الإيجابيات المهمة، فلذلك أنّ يحسّن الوضع الأمني في المنطقة الحدودية بين سوريا وإسرائيل ويُرسي أسس الاستقرار، ويضمن الحماية للدروز في الجانب السوري، ولا يستلزمَ تنازلات باهظة عن الأراضي في هضبة الجولان، وأن يسهّل على كلا الدولتين تعزيز شرعيتها محلياً، على أمل أن يساعد ذلك في بناء الثقة نحو اتفاقيةٍ أوسع في المستقبل إذا وُجدت الظروف المواتية. كما قد تحثّ اتفاقيةٌ من هذا النوع النظام في سوريا على تبنّي خطابٍ أكثر اعتدالاً وضبط السلوك العدواني إزاء إسرائيل، وأن يمنح إسرائيل شيئاً من القدرة على توجيه نظامٍ لا يزال في مرحلة النشوء نحو اتجاهاتٍ أفضل وأكثر إيجابية.
ومن ناحيةٍ أخرى يشوب اتفاقيةٌ من هذا النوع عددٌ من العيوب، فهي قد تسمح لنظامٍ إسلامي عدائي بترسيخ سلطته في سوريا مما يعرّض إسرائيل وشركائها الإقليميين للخطر على المدى المتوسّط والطويل، وقد يمثّل ذلك سابقةً تسمح للدول في الإقليم بأن ترضى باتفاقياتٍ لا تشتمل على اعترافٍ متبادلٍ دائم وتطبيعٍ عامٍ مع إسرائيل، وأخيراً قد يُهدر ذلك فرصةً للوصول إلى اتفاقيةٍ مجديةٍ أكثر مع نظامٍ هشٍّ بأمسّ الحاجة لمكاسب سياسيةٍ واقتصاديةٍ وهو ما قد يجعله متقبّلاً لتقديم تنازلاتٍ أكثر للوصول إلى تفاهمٍ مع إسرائيل كتأجير هضبة الجولان لفتراتٍ طويلة.
يمكن استحداث طريقٍ ثالث بين هذين المسارين، بين «الهدنة» و«السلام». فيمكن مثلاً الوصول إلى ترتيبٍ أمني يشمل أفقاً سياسياً، كاتفاق كلا الطرفين على حلّ أي نزاعاتٍ مستقبلية سلمياً، والامتناع عن استخدام القوة، والسعي إلى اتفاقية سلامٍ دائم. وهذه المقاربة، وهي شبيهةٌ للاتفاقية المؤقّتة بين إسرائيل وإيران عام 1975 التي رتّبتها الولايات المتحدة، تحقّق حاجة تحسين الوضع الأمني على المدى القصير مع خلق أفقٍ لتسوية سياسية نهائية على المدى المتوسّط أو الطويل.
تسمح هذه الصياغة، التي تسعى للربط بين المسارين، أيضاً باختبار نوايا الشرع الاستراتيجية على المدى الطويل. فإن كان النظام السوري قادراً وراغباً بالإعلان عن استعداده لإبرام صفقة سلامٍ دائم، وليس مجرد هدنةٍ مؤقّتة، فهو إذاً نظام يمكن تصديقه في زعمه بتخلّيه عن أيديولوجيته الإسلامية الراديكالية. ولعل انتهاج إسرائيل لسلوكٍ أكثر وديةً وأقل مواجهةٍ يسهّل على رئيس سوريا أن يذهب إلى ما هو أبعد.
- تستخدم هذه المقالة مصطلح «النظام السوري» للإشارة إلى النظام الحالي في سوريا الذي يرأسه الرئيس السوري أحمد الشرع. وجب التنبيه لأن هذا المصطلح اقترن طويلاً بنظام الأسد البائد. [المترجم] ↩︎
- تستخدم المقالة لفظ Syrian revolution للإشارة لسقوط نظام الأسد (2024-2025)، وليس بداية الثورة السورية (2011). [المترجم] ↩︎





