يتناول مركز سجل في هذه الورقة حادثة مقتل الشاب محمد أيمن الدبور، مع وضعها في سياق الانتهاكات الأخيرة، وبيان خطورة عدم وجود رد للحكومة السورية حتى الآن. ويقدم في النهاية بعض المقترحات التي يمكن أن تقوم بها الحكومة للتعامل مع هذه الجريمة. ولتحميل الورقة كاملة من هنا
ملخص
بتاريخ 4 أكتوبر أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي النار على الشاب الأعزل محمد أيمن الدبور (22 عاماً) قرب موقع عسكري إسرائيلي على أطراف قرية الحميدية بريف القنيطرة الشمالي، في ما كان أول حادثة قتل يوثّقها مركز سجل منذ 3 أبريل. وجاءت هذه الجريمة متزامنة مع تصعيد ميداني شهد 280 انتهاكاً خلال سبتمبر، وتوغلاً لآليات الاحتلال في أراضي بيت جن بريف دمشق الغربي وإطلاق النار على مزارعين. وتكشف هذه الحوادث كيف تحولت المواقع والتحصينات العسكرية الإسرائيلية المستحدثة داخل الأراضي السورية إلى نقاط احتكاك دائم تحاصر حركة السكان اليومية وتستبيح أراضيهم الزراعية.
وعلى الرغم من خطورة الحدث، لم يصدر عن الحكومة السورية بيان رسمي يوثّق مقتل الدبور بالاسم، أو يطالب بتحقيق مستقل وتسليم تسجيلات الكاميرات، أو يعلن التضامن المباشر مع ذويه. هذا الصمت الرسمي يترك الجريمة مرتهنة للرواية العسكرية الإسرائيلية وحدها، ويوحي بتقبل الواقع المفروض، مما يعمّق شعور التهميش والفجوة المتنامية بين أهالي الجنوب والحكومة، حتى مع وجود مؤشّرات واضحة على محاولات حكومية لزيادة تقديم الخدمات في الجنوب. وفي المقابل، تبرز تحذيرات من داخل الأوساط الاستخباراتية والبحثية الإسرائيلية من أن استمرار هذا الوجود العسكري المفتوح يكرر تجربة “الشريط الأمني” في جنوب لبنان، بحيث يتحول الوجود ذاته إلى محفز لنشوء مقاومة محلية واستنزاف دائم.
ولمواجهة هذا الفراغ الاستراتيجي، تطرح الورقة ستة مسارات عملية للرد الحكومي السوري: أولاً، إصدار بيان رسمي يوثق مقتل الدبور ويطالب بفتح تحقيق مستقل. ثانياً، التواصل العلني مع عائلة الضحية والمجتمع المحلي. ثالثاً، إعداد ملف توثيقي منهجي للانتهاكات يُرفع دورياً للأندوف ومجلس الأمن بموجب القرار 2824 واتفاق فصل القوات لعام 1974. رابعاً، حماية الأهالي وإرشادهم لمناطق الخطر دون قبول السواتر الترابية كحدود واقعية. خامساً، الرفض القاطع لمصطلح “المنطقة الأمنية” وتفكيك المفاهيم التي تثبت التوغل. وسادساً، ربط أي مسار سياسي أو أمني بجدول زمني حاسم ينتهي بالانسحاب الكامل إلى مواقع ما قبل 8 ديسمبر 2024 واستعادة العمل الكامل باتفاق 1974.
لتحميل الملخص من هنا
ولقراءة الورقة كاملة 👇
مقدمة
بتاريخ 4 أكتوبر قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الشاب السوري محمد أيمن الدبور على أطراف قرية الحميدية بريف القنيطرة الشمالي بإطلاق النار عليه بعد تجازوه لساتر ترابي بالقرب من قاعدة عسكرية. وفي صباح اليوم التالي، 5 أكتوبر، توغّلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة بيت جن بريف دمشق وقامت بتفجير مبنىً مهجور. واستمر التصعيد في اليوم التالي بإطلاق قوات الاحتلال النار على سوريين اثنين واحتجازهما. تتوّج العمليات المتسارعة في الأسبوع الأول من أكتوبر التصعيد المستمر منذ أشهر في سوريا، ليكون آخرها أول حادثة قتل في سوريا منذ 3 أبريل.
على الرغم من ذلك، لم يصدر عن الحكومة السورية، حتى إعداد هذه الورقة، موقف خاص بمقتل الدبور: لا إدانة تسمّي الضحية، ولا مطالبة بتحقيق، ولا إعلان عن تواصل مع ذويه،
يرافق ذلك انتقال التواجد العسكري في الجنوب السوري، الذي ترسّخ منذ سقوط النظام البائد وفرض معه واقعاً جديداً على سكان الجنوب، مستوىً آخر، فأصبح الاقتراب من موقع عسكري أو التحرك في أرض زراعية قريبة منه كافياً لحدوث احتكاك قد يصل إلى إطلاق النار. هذه الصورة تضع السياسة الإسرائيلية في الجنوب أمام إشكالية تتجاوز مسألة حماية الحدود، فالوجود العسكري الذي أقيم تحت عنوان منع التهديدات بات يحتاج هو نفسه إلى ترتيبات أمنية ومساحات عازلة لحمايته، ومع اتساع نطاق الحركة الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، اتسعت أيضاً نقاط الاحتكاك مع السكان، وأصبح التوتّر مرتبطاً بالوجود العسكري ذاته بقدر ارتباطه بأي تهديد أمني سابق عليه.
ولم يقتصر القلق من هذا النمط الجديد على مستوى الحكومة السورية أو المجتمعات المحلية التي تواجه وحدها منظومة الاحتلال هذه، فخلال الفترة الماضية ظهرت أصوات إسرائيلية، من بينها مراسلون عسكريون وباحثون، تحذر من أن الانتشار داخل سوريا يتجه من إجراء قُدّم في بدايته بوصفه مؤقّتاً إلى وجود أكثر ثباتاً. وبعض هذه القراءات ذهب أبعد من ذلك، محذره من أن استمرار الجيش داخل الأراضي السورية قد يخلق مع الوقت حالة عداء محلية أو مقاومة مسلحة، ثم تتحوّل هذه الحالة إلى سبب إضافي للإبقاء على القوات.
تسعى هذه الورقة إلى إبراز غياب الموقف السوري الرسمي على هذا التصعيد الأخير، وتحديداً مقتل الشاب السوري محمد الدبور، وبيان خطورة ذلك، مع محاولة فهم ما جرى من منظور الحكومة وصياغة ردودٍ وطرقٍ مقترحة للتعامل مع ذلك.
تجادل هذه الورقة بأن غياب موقف رسمي سوري من مقتل محمد الدبور فجوة خطِرة، فهو يترك الرواية العسكرية الإسرائيلية بلا رواية مقابلة، ويوحي بقبول ما جرى، ويعمّق الفجوة بين الحكومة وأهالي الجنوب. وتقترح الورقة في المقابل عدداً من الردود الممكنة، تشمل موقفاً خاصاً بالحادثة وتحقيقاً مستقلاً ورعاية للأسرة، وتوثيقاً منهجياً يُحال دورياً إلى الأندوف ومجلس الأمن، وضبطاً للخطاب والمصطلحات، وربط أي مسار تفاوضي بمرجعية الانسحاب.
تعرض الورقة في قسمها الأول ما جرى في الحميدية وبيت جن بوصفهما حادثتين في مسار واحد، وتتناول في الثاني الاعتراض الإسرائيلي على سياسة البقاء وحدود الإفادة منه سورياً، وتخصص الثالث لتقييم الموقف الرسمي السوري وتحديد الرد المطلوب.
أولاً: حادثتان في مسار واحد
قرابة الساعة 11:30 من مساء 4 أكتوبر 2026، أطلقت القوات الإسرائيلية المتمركزة قرب الحميدية بريف القنيطرة الشمالي النار على الشاب السوري محمد أيمن الدبور، وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره، فلسطيني الأصل ومن سكان بلدة جبا في ريف القنيطرة. سحبت القوات جثمانه، ثم سلّمته بعد نحو 16 ساعة بواسطة الهلال الأحمر العربي السوري وقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك. وقال جيش الاحتلال إن ما جرى كان إحباطاً لمحاولة تسلل إلى موقع عسكري، فيما أظهرت معلومات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية أن الدبور كان أعزل، ولم يكن بحوزته سوى هاتف ومبلغ من المال، وأن إطلاق النار وقع خارج الموقع.

أبو علي شحادة، خال الشاب محمد أيمن الدبور، يعرض صورة ابن شقيقته على هاتفه المحمول، مؤكداً أنه كان مدنياً أعزل لا صلة له بأي تشكيل مسلح – 8 أكتوبر 2026 | مصدر الصورة: وكالة الأناضول
لا تكشف المعلومات المتاحة سبب اقتراب الدبور من الساتر الترابي أو ما كان ينوي فعله، وفي الوقت نفسه لا تقدّم ما يكفي لاعتباره خطراً استدعى استخدام القوة القاتلة. فهو لم يكن مسلحاً، وإطلاق النار وقع خارج الموقع، ولم يُعلن عن تحقيق مستقل أو يُنشر تسجيل كامل للحادثة، وحتى إذا أثار اقترابه شكوك الجنود، يبقى السؤال حول سبب عدم توقيفه أو استخدام وسائل أقل فتكاً قبل إطلاق النار عليه.
ما يجب ذكره أيضاً هو شحّ الردود الرسمية السورية، أو انعدامها، على مقتل مواطنٍ سوريٍّ على أرضٍ سورية من قبل قوةٍ محتلة، خصوصاً أن حوادث القتل، على الرغم من التواتر الكثيف للعمليات الإسرائيلية في سوريا، ما زالت أمراً نادراً، فهذه أول حادثة قتل يوثّقها مركز سجل منذ مقتل أسامة الفهد بتاريخ 3 أبريل 2026.
وصف الحادثة بأنها “تسلل” يطرح مشكلة أخرى، فالدبور لم يعبر الحدود إلى داخل إسرائيل، وإنما كان في ريف القنيطرة قرب موقع أقامه جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية بعد سقوط النظام السابق، وبهذا يصبح الساتر المحيط بالموقع هو الحد الذي تحدد عنده القوات الإسرائيلية من يحق له الاقتراب، وتتحول حركة السكان داخل أرضهم إلى مسألة تخضع لتقدير قوة عسكرية أجنبية.
في صباح اليوم التالي، توغلت قوة إسرائيلية مؤلفة من عدة آليات في الأراضي الزراعية بين بلدة بيت جن ومزرعتها بريف دمشق الغربي، ودخلت مبنىً مهجوراً وفجرتها، ثم أطلقت النار باتجاه مزارعين ألحقت أضراراً بسيارة أحدهم من دون تسجيل إصابات بشرية. وفي اليوم نفسه، أطلقت قوات الاحتلال النار على شابين قرب القنيطرة واحتجزتهما، قبل أن تفرج عنهما لاحقاً بالتزامن مع استمرار أعمال التجريف والتحصين في القنيطرة ضمن ما يسمى “خط سوفا 53“.
وتظهر أرقام سبتمبر 2026 أن هذه الحوادث تأتي ضمن مسار آخذ في الاتساع، فقد وثق فريق الرصد في مركز “سجل” خلال الشهر 280 انتهاكاً إسرائيلياً، بينها 113 توغلاً برياً و24 حادثة قصف، وهي أعلى حصيلة شهرية للتوغلات والقصف منذ بداية العام. كما شهد محيط قاعدة الحميدية حوادث إطلاق نار متكرّرة قبل أن تسجل ليلة 4 أكتوبر أول حالة قتل يوثقها المركز منذ أبريل، ومن هنا لا ترتبط أهمية الحادثة بمقتل الدبور وحده، بل بالبيئة التي نشأت حول المواقع الإسرائيلية الجديدة، حيث بات مجرد الاقتراب منها يحمل احتمال الاحتجاز أو إطلاق النار.
ثانياً: الاعتراض الإسرائيلي على سياسة البقاء
لا يقتصر الاعتراض على سياسة البقاء العسكري الإسرائيلي في سوريا على أصوات سورية، ولا على أصوات هامشية داخل إسرائيل. ففي 3 يوليو كتب شاي ليفي (שי לוי)، المراسل العسكري في موقع ماكو، أن المراسلين العسكريين تلقوا عند دخول الجيش إلى سوريا شرحاً يفيد بأنه يعمل على إنشاء منطقة عازلة إلى حين إعادة بناء خط دفاعي. ومع مرور الوقت أصبح التمسك بهذا الشريط يُطرح بوصفه ضرورة أمنية، من دون لجنة تحقيق رسمية تراجع كيف تحول الإجراء المؤقت إلى واقع يراد تثبيته. وحذّر ليفي من أن الشريط نفسه بدأ ينتج مشكلات أمنية جديدة تشبه ما حدث في لبنان.
وفي 5 أكتوبر قدّم داني سيترينوفيتش (קורות חיים) نقداً أكثر وضوحاً لاستمرار هذا النهج. وسيترينوفيتش باحث في معهد دراسات الأمن القومي، خدم 25 عاماً في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وترأس فرع إيران في قسم الأبحاث. وبرأيه لا تشكل السيطرة على الأرض استراتيجية أمنية بحد ذاتها، ولا يحقق بقاء القوات تحسناً جوهرياً في أمن إسرائيل، بل يعقّد الوصول إلى ترتيب مع دمشق. وحذّر من أن الدفع باتجاه سوريا ضعيفة ومجزأة قد يفتح المجال مجدداً أمام إيران وحزب الله والجماعات المتطرفة، وهي الأطراف التي تقول إسرائيل إنها تسعى إلى منع عودتها. كما حذّر من مسار يصبح فيه الوجود العسكري سبباً في نشوء مقاومة محلية، تدفع بدورها إلى مزيد من الانتشار والعمليات، ثم تتحول إلى مبرر لاستمرار الوجود نفسه، واستعاد تجربة الشريط الأمني في جنوب لبنان للتنبيه إلى أن محاولة حماية إسرائيل عبر وجود دائم داخل أراضٍ غير إسرائيلية قد تؤدي إلى نتائج معاكسة للهدف المعلن. ووجّه نقده كذلك إلى المعارضة الإسرائيلية، متسائلاً عن بديلها وعن موقفها من بقاء عسكري مفتوح من دون أفق سياسي.
وذهبت كرميت فالنسي (רמית ולנסי) في الاتجاه نفسه، وهي رئيسة مجال سوريا في المعهد ذاته، وعملت سابقاً مستشارة في شعبة الاستخبارات ومحللة في مركز دادو العسكري. ورأت أن استمرار الوجود العسكري والعمليات من دون أفق دبلوماسي قد يدفع باتجاه تشكّل مقاومة محلية، تتطور إلى احتكاكات مسلحة وعداء سياسي وشعبي متزايد، ووصفت هذا المسار بأنه نبوءة قد تحقق ذاتها.

رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من على قمة جبل الشيخ السوري المحتل “لن نسمح لأي جيش بالتمركز على حدودنا ” – 9 سبتمبر 2026
يجمع هذه المواقف التشكيك في أن توسيع الوجود العسكري يحسّن الأمن بالضرورة. فوجود أُقيم تحت عنوان منع التهديدات بات يحتاج هو نفسه إلى ترتيبات أمنية ومساحات عازلة لحمايته، وكلما اتسع نطاق الانتشار والعمليات داخل الأراضي السورية، زادت احتمالات الاحتكاك مع السكان وارتفعت كلفة البقاء. وإذا جرى التعامل مع ردود الفعل المحلية بوصفها دليلاً جديداً على ضرورة بقاء القوات، تحوّل الشريط الأمني من إجراء مؤقت إلى واقع يعيد إنتاج مبررات بقائه. ويكتسب هذا النقاش أهميته من زاوية سورية لأنه يبيّن أن الاعتراض على استمرار الوجود لا يأتي من خارج دولة الاحتلال فقط، بل من داخل نقاشها الأمني نفسه. ولا يعني ذلك تبرير أي عمل مسلح، ولا افتراض أن كل من يقترب من موقع إسرائيلي جزء من تنظيم، وإنما إدخال أثر الوجود العسكري وقيود الحركة والاحتكاك بالسكان ضمن تفسير البيئة الأمنية التي تتشكل في المنطقة.
ما الذي لا يقوله النقاد الإسرائيليون
يبقى النقد الإسرائيلي لسياسة البقاء محكوماً في الأساس بحسابات الأمن والمصلحة الإسرائيلية. فسيترينوفيتش وفالنسي وليفي يعترضون لأن هذه السياسة قد تتحول إلى عبء أمني يضر بإسرائيل على المدى البعيد، لا انطلاقاً من حق السوريين في أرضهم أو من أثر هذا الوجود على حياتهم اليومية، ولا تحتل قضية مقتل محمد الدبور وما يرتبط بها من حق في التحقيق والمساءلة موقعاً أساسياً في نقاشهم. ولذلك يختلف منطلقهم عن الموقف السوري: فالانسحاب بالنسبة إليهم وسيلة للوصول إلى ترتيب أمني أفضل، أما سورياً فهو مرتبط بالسيادة وبالالتزامات القانونية القائمة أصلاً. ويظهر الفارق أيضاً في دعواتهم إلى تقوية حكومة دمشق بوصفها الجهة القادرة على الحد من نفوذ إيران وحزب الله، وهي دعوة تكشف تناقضاً في سياسة تسهم في إضعاف قدرة الدولة على ضبط الجنوب ثم تحذّر من الفراغ الناتج عن ذلك.
أما المقارنة مع تجربة جنوب لبنان فهي مفيدة بقدر ما توضح المخاطر التي قد تنتج عن تحول شريط أمني مؤقت إلى وجود عسكري طويل الأمد وما يرافقه من احتكاك واستنزاف. لكنها لا تعني أن سوريا ستسلك المسار نفسه، فهناك اليوم حكومة سورية جديدة وبعثة أممية واتفاق فصل قوات قائم، إلى جانب قنوات سياسية ودبلوماسية يمكن استخدامها في معالجة الملف والمطالبة بالانسحاب. فالمقارنة تفسّر أحد المسارات المحتملة، ولا تحدد مسبقاً شكل المواجهة أو نهايتها.
وعليه، فالاعتراض السوري على الوجود الإسرائيلي لا يتوقف على إثبات أنه غير مجدٍ أمنياً. فحتى لو رأت إسرائيل أن بعض المواقع المتقدمة تمنحها فائدة عسكرية، لا يمنحها ذلك حقاً دائماً في الأرض ولا في فرض قيود على حركة السكان، فالاعتبارات الأمنية لا تغيّر وضع اتفاق 1974 ولا مسألة السيادة ولا القواعد التي تنظم استخدام القوة. ويمكن الإفادة من النقد الإسرائيلي في فهم آثار هذه السياسة ومشكلاتها، وفي صياغة خطاب موجّه إلى الأطراف الدولية بلغة تسمعها، من دون أن يصبح الأساس الذي تستند إليه الحجة السورية.
ثالثاً: الموقف السوري الرسمي وما ينقصه
قبل مقتل محمد الدبور بساعات، أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين بياناً أدانت فيه استكمال العمل في “خط سوفا 53”، واعتبرته خرقاً لاتفاق فصل القوات لعام 1974 وانتهاكاً للسيادة السورية وقرارات الشرعية الدولية، وطالب البيان بإجراءات دولية رادعة، مع التأكيد على حق سوريا في ممارسة سيادتها الكاملة وضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب السوري. وفي اليوم نفسه، بحثت وزارتا الخارجية والدفاع مع قيادة قوة الأندوف تعزيز التنسيق في رصد الانتهاكات والإبلاغ عنها، ويعكس ذلك تحركاً على مستويين، دبلوماسي وميداني، يمكن البناء عليه. وفي 5 أكتوبر، نشرت وكالة سانا تفاصيل التوغل في بيت جن وإطلاق النار على المزارعين، وربطت الحادثة بسياق أوسع يشمل التوغلات والاعتقالات وتجريف الأراضي وانتهاك اتفاق 1974. كما كررت الموقف الرسمي بأن الإجراءات الإسرائيلية لا تنشئ أي أثر قانوني، وأن المطلوب هو الانسحاب الكامل من الجنوب السوري، وتكمن أهمية هذا الموقف بأنه يرفض التعامل مع ما يسمّيه الاحتلال “منطقة أمنية” باعتباره أمراً واقعاً مشروعاً.
ولكن حتى إعداد هذه الورقة، لم يصدر بيان حكومي خاص بمقتل محمد الدبور، يسمّي الضحية ويطالب بتفسير قواعد الاشتباك، وفتح تحقيق مستقل، وتسليم المواد المصوّرة المرتبطة بإطلاق النار. وفي ذلك لا يبقى للحادثة سوى روايةٌ واحدة، هي الرواية الرواية العسكرية الإسرائيلية من دون رواية رسمية سورية مقابلة تتناول تفاصيل الواقعة.
ولا تقف خطورة ذلك عن ضبط الرواية. فقد يُفهم غياب الرد الحكومي على أنه تقبّل لما جرى (حتى ولو لم يكن ذلك هو الحال)، أو دلالةٌ على عدم استهجان هذه الجريمة الإسرائيلية لأي سببٍ كان، أو عدم حرص الحكومة على سلامة وأرواح مواطنيها. وهذا، مهما أردنا أن نسمّيه، هو أمرٌ لا يمكن القبول به. فإن كان مشروع سوفا 53 يستدعي موقفاً رسمياً مكتوباً، أو تحرّكاً دبلوماسياً، ومثله البيانات الكثيرة التي سبقت ذلك ردّاً على انتهاكاتٍ أو مواقف أو تصريحاتٍ مختلفة، أو تأكيداً للموقف السوري، فلا شكّ أن إزهاق روح شابٍّ سوري بغير وجه حقّ يستدعي تحرّكاً وفعلاً أكبر، وإيلاء اهتمامٍ أكبر بذوي الضحية والمجتمع المحلي، بغض النظر عن الظروف التي رافقت الحادثة.
هامش الحكومة وحدودها: هل تقوم الحكومة السورية بكل ما هو ممكن؟
لا يخفى على أحدٍ بكل تأكيدٍ أيضاً تعقيد الوضع في الجنوب السوري في ظلّ المنطق الذي تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي وما تفرضه من شروطٍ أمنية وعسكرية. ولكن وحتى لو سلّمنا بأن الحكمة الآن تكمن في عدم استفزاز الجانب الإسرائيلي والتزام المسار الدبلوماسي والسياسي، يبقى أمام الحكومة هامشٌ للتحرّك والفعل لا يتجاوز الخطوط الحمراء الحالية. فغياب الردّ الحكومي السريع أو أي دعم حكومي معلن لذوي الضحية محمد الدبور يكرّسان من جديد القصور الحكومي في تقديم العون لمجتمعات الجنوب ودعمها في مواجهة الاحتلال في السياقات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية المختلفة.

اجتماع في محافظة القنيطرة بين ممثلين عن جهات حكومية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في المنطقة الجنوبية، لبحث تعزيز العمل المشترك وتوجيه الدعم نحو المشاريع ذات الأولوية بما يلبي احتياجات المجتمع المحلي ويحسّن الواقع الخدمي في المحافظة – 16 سبتمبر 2026 | مصدر الصورة: محافظة القنيطرة على التلغرام
في المقابل، نجد بعض المؤشّرات التي تدلّ على أن الحكومة بدأت تكثّف حضورها الخدمي والمؤسساتي في الأشهر الأخيرة، بناءً على تحليلٍ كميٍّ لبيانات وكالة سانا التي أظهرت ارتفاعاً بنسبة تتجاوز 65% في أعداد المشاريع والافتتاحات الخدمية المعلنة بالجنوب بين مايو وأكتوبر مقارنة ببداية العام، بالتوازي مع توسيع الإعلام الرسمي هامش التغطية والتوثيق الميداني للانتهاكات والتوغلات الإسرائيلية. ولكن هذا التواجد الخدمي والإعلامي يظل دون المطلوب، فهو لا يوفّر حماية حقيقية أو دعماً مباشراً ملموساً للأهالي في مواجهة الاعتداءات. ويزيد كلُّ ذلك الفجوة بين المجتمع والحكومة، ويعمّق شعور التهميش المتنامي بين أهل الجنوب، وتحديداً محافظة القنيطرة، خصوصاً عند حدوث جرائم كبرى مثل جريمة قتل.
رابعاً: نحو موقف سوري أكثر تماسكاً
تذهب هذه الورقة بناءً على ما سبق إلى أن الحكومة السورية ملزمةٌ بموقف أكثر تماسكاً ووضوحاً يتعامل مع المآلات القريبة والمباشرة لحادثة القتل، وصياغة موقفٍ متسقٍ وواضحٍ في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي. يمكن تلخيص ذلك في مساراتٍ ستة:
1. موقف خاص بالحادثة
بيان رسمي يسمّي محمد الدبور، ويصف ما جرى بوصفه قتلاً لمواطن سوري على أرضه على يد قوة أجنبية، ويطالب بتفسير قواعد الاشتباك، وفتح تحقيق مستقل، وتسليم المواد المصوّرة المرتبطة بإطلاق النار.

صلاة الجنازة على جثمان الشاب محمد أيمن الدبور، الذي قتلته قوات الاحتلال الإسرائيلي مساء الرابع من أكتوبر على أطراف قرية الحميدية في ريف القنيطرة الشمالي – بلدة جبا ريف القنيطرة الأوسط – 5 أكتوبر 2026 | مصدر الصورة: مركز سجل
2. ذوو الضحية والمجتمع المحلي
تواصل رسمي معلن مع ذوي الدبور، وحضور حكومي في القنيطرة يعكس اهتماماً حقيقياً بالمجتمع المحلي في أعقاب جريمةٍ كجريمة القتل، حتى لا تتسع الفجوة بين الحكومة والجنوب.
3. توثيق منهجي وتواصل مستمر مع الجهات الدولية
يبقى تكرار الدعوة إلى تحرك دولي محدود الأثر إذا لم يستند إلى ملف موثّق وقابل للمتابعة. ويمكن للحكومة أن تجمع إحداثيات المواقع الجديدة، وتواريخ إطلاق النار والاعتقال، وبيانات الضحايا، ومساحات الأراضي المتضررة، بالإضافة إلى توثيق حوادث القتل والاحتجاز وغير ذلك من الانتهاكات الإسرائيلية وأرشفتها ورفع تقارير دورية إلى الجهات المعنية، كالأندوف ومجلس الأمن ضمن طلبات محددة للتحقيق والتوثيق. وقد أعاد قرار مجلس الأمن 2824 لعام 2026 التأكيد بالإجماع على اتفاق 1974 وعلى حظر الوجود والنشاط العسكريين في منطقة الفصل، والإفادة من هذا الإطار تحتاج إلى توثيق منظم لكل حادثة، لا الاكتفاء بالإشارة العامة إلى القرار.
4. حماية السكان دون الاعتراف بحدود الاحتلال
يحتاج السكان إلى معرفة مناطق الخطر وتحرّكات القوات، لكن ينبغي ألا تتحوّل إجراءات التحذير والإرشاد إلى قبول بالحدود التي تفرضها قوات الاحتلال حول مواقعها.
5. ضبط الوقائع والمصطلحات
من المهم تثبيت الوقائع كما حدثت: فالدبور لم يعبر حدوداً إلى داخل الأراضي المحتلة، وإنما اقترب من موقع عسكري إسرائيلي داخل الأراضي السورية، وقُتل وهو أعزل وخارج الموقع وفق ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية. وفي بيت جن كانت القوة الإسرائيلية هي التي دخلت الأراضي الزراعية وفجّرت مبنىً مهجوراً وأطلقت النار باتجاه مزارعين. فهذا التوصيف يمنع أن تتحول اللغة العسكرية المستخدمة في وصف الحوادث إلى وسيلة لعكس موقع السكان والقوة الموجودة داخل أراضيهم. وينطبق الأمر نفسه على مصطلح “المنطقة الأمنية”، فهو توصيف إسرائيلي لترتيبات فُرضت بعد التوغل داخل سوريا، وليس وضعاً نص عليه اتفاق فصل القوات لعام 1974، الذي يحدد منطقة فصل خاضعة لرقابة الأمم المتحدة ولا يسمح بوجود قوات عسكرية فيها. واستخدام المصطلح يمنح الوجود القائم توصيفاً يبدو مستقراً ومحايداً، رغم أنه نتج عن تحرك عسكري داخل الأراضي السورية.
6. مرجعية تفاوضية واضحة
يجب ألا تتحوّل التهدئة إلى قبول تدريجي بوجود عسكري إسرائيلي دائم داخل الأراضي السورية، وأن يبقى أي مسار تفاوضي أو أمني مرتبطاً بهدف واضح هو الانسحاب وآلية التحقّق منه، لا تنظيم وجود عسكري مفتوح أو تحسين شروط استمراره. ويحتاج الموقف السوري إلى مرجعية تقوم على انسحاب القوات إلى المواقع التي كانت عليها قبل 8 ديسمبر 2024، واستعادة العمل الكامل باتفاق 1974 تحت رقابة الأندوف، وربط أي ترتيبات مؤقتة بجدول زمني وآلية تحقق. ومن دون ذلك قد تتحول إدارة التوتر إلى إدارة مستمرة لوجود عسكري يفترض أن يبقى مؤقتاً.
الخاتمة
توضح حادثتا الحميدية وبيت جن طبيعة المشكلة التي تتسع في الجنوب السوري، فمع إنشاء مواقع إسرائيلية جديدة داخل الأراضي السورية، أصبحت حركة السكان في محيط هذه المواقع جزءاً من الحسابات الأمنية الإسرائيلية، وازداد معها احتمال الاحتكاك وإطلاق النار والاعتقال، وبعض الانتقادات الإسرائيلية نفسها تحذر من أن استمرار هذا المسار قد يحول الوجود العسكري إلى سبب إضافي للتوتر بدلاً من أن يكون وسيلة لاحتوائه.
هذا النقاش مهم، لكنه لا يشكل أساس الموقف السوري، فالقضية لا تتعلق فقط بما إذا كان هذا الوجود مفيداً أو مكلفاً لإسرائيل، بل بوجود قوات إسرائيلية داخل الأراضي السورية وما يترتب عليه من قيود على حركة السكان واستخدام أراضيهم، ومن هنا لا يكفي الاكتفاء بإدانة عامة للتوغلات، بل تبرز الحاجة إلى توثيق الحوادث والضحايا والمواقع الجديدة، ومتابعتها قانونياً وسياسياً، وربط أي تفاوض بمرجعية واضحة تقوم على الانسحاب والعودة إلى ترتيبات اتفاق 1974 تحت رقابة الأمم المتحدة.
مقتل محمد الدبور قرب موقع أُقيم بعد التقدم الإسرائيلي، وإطلاق النار باتجاه مزارعين في بيت جن خلال توغل داخل أراضيهم، يضعان المسألة في إطارها المباشر، فالمشكلة لا تبدأ من اقتراب السكان من مواقع عسكرية إسرائيلية، وإنما من انتقال هذه المواقع إلى داخل بيئتهم وتحولها إلى مصدر دائم للاحتكاك معهم.





