​​ترميم القدرات أم استنزاف الوكلاء؟ قراءة نقدية في مقال مركز “ألما” حول نشاط حزب الله في سوريا

تحميل الورقة العربية

Download English PDF

أولاً: نبوءة التدخل الأمني- إصرار ألماعلى نهج الاستقراء

يعيد مركز ”ألما” في مطلع 2026 إنتاج ذات السردية التي طرحها في دراسته الموسعة في 15 أكتوبر 2025، والتي حللها ”مركز سجل” آنذاك. هذا الإصرار ينبع من جذور فكرية وأمنية محدّدة. في الدراسة السابقة أصرّ طال بيري (كاتب المقالة، وهو ضابط سابق في جهاز أمان) على استخدام تعبير ”البنية التحتية الإرهابية المحتملة الكامنة” (Potential/Dormant Infrastructure)، وهي لغة تهدف لترسيخ مفهوم ”العدو الموجود ولو لم يتحرّك”، مما يمنح شرعية دائمة للغارات الإسرائيلية والتوغّلات الحدودية حتى في غياب الأدلة الميدانية.

يمارس مركز ألما، كما تحدّث مركز سجل في تحليله السابق، انتقائية عالية، فهو يركّز على المواقع العسكرية الخامدة ويتجاهل الشبكات الاقتصادية والاجتماعية (مثل تجارة الكبتاغون في السويداء) التي كانت تشكل جوهر النفوذ السابق. كما إن إصرار ”ألما” على سردية ”الخطر المتجدّد” يهدف لإبقاء الجنوب السوري منطقة عازلة بلا سيادة واضحة، حيث يصبح تدخّل الاحتلال الإسرائيلي (عبر الحواجز والتوغلات) هو المسبّب الفعلي لعدم الاستقرار، ثم يتم استخدام هذا الاضطراب كذريعة إضافية لاستمرار التدخل.

ثانياً: ملخّص مقال “جهود حزب الله لاستعادة الأسلحة في سوريا”

يتناول المقال الصادر عن مركز ”ألما” في 27 يناير 2026 محاولات حزب الله لإعادة بناء ممراته العسكرية عبر الحدود السورية-اللبنانية، في سياق تصاعد الضغوط الميدانية على شبكات التهريب التقليدية. ويعرض المقال جملة من المعطيات التي تعكس طبيعة هذا الصراع المفتوح على خطوط الإمداد، حيث يشير إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي نفّذت في 21 يناير غارات جوية استهدفت أربعة معابر برية في منطقة حوش السيد علي، وهي معابر تُعد نقطة ارتكاز أساسية في مسار تهريب الأسلحة بين البلدين. وفي مقابل ذلك، يذكر المقال ذكراً هامشياً دور القوى الأمنية التابعة لما يطلق عليه”نظام الشرع”، مع نجاح النظام في إحباط عمليات تهريب لأسلحة، كان إحداها قبل نشر المقالة بيوم بتاريخ 26 يناير بالقرب من بلدة جريجير الحدودية مع لبنان، شملت صواريخ موجهة من طراز “كونكورس” ومضادات دروع وقذائف صاروخية. كما يوضّح المقال أن حزب الله، في سعيه لتجاوز آثار القصف الجوي، يعتمد على حلول هندسية بدائية نسبياً، من خلال استخدام جرارات زراعية ومعدات بسيطة لإعادة تمهيد الطرق الجبلية الوعرة وإصلاحها خلال وقت قياسي، بما يسمح بإعادة فتح مسارات التهريب بسرعة. وفي الإطار الأوسع، يلفت المركز إلى التحديات البنيوية المرتبطة بطبيعة الحدود نفسها، إذ إن امتدادها لمسافة تقارب 400 كيلومتر، إلى جانب الانتشار الكثيف للمعابر غير القانونية بمعدل معبر كل ثلاثة إلى أربع كيلومترات، يجعل من فرض سيطرة مطلقة عليها مسألة شديدة التعقيد من الناحيتين التقنية والجغرافية.

ثالثاً: تحليل خطاب مقال 27 يناير (الأبعاد الاستراتيجية)

يقدّم تحليل خطاب المقال الصادر عن مركز “ألما” قراءة تتجاوز المعطيات الميدانية المباشرة لتلامس الأبعاد الاستراتيجية الكامنة خلف طريقة السرد والاختيار اللغوي، إذ يكشف هذا الخطاب عن سعي واضح من قبل المؤسسة الأمنية للاحتلال إلى تأطير المشهد السوري ضمن مفهوم “التهديد المستدام”. ففي هذا الإطار، لا يُعرض النشاط العسكري لحزب الله أو التحركات على الحدود بوصفها وقائع ظرفية أو قابلة للاحتواء، بل يجري تقديمها كحالة دائمة ومتجددة تفرض استجابة عسكرية مستمرة من جانب الاحتلال.

ويبرز ذلك بشكل خاص في شرعنة ما يُعرف بعقيدة “المعركة بين الحروب”، حيث يركّز الخطاب على فكرة “سرعة الترميم” وإعادة فتح ممرات التهريب، ليس فقط لوصف الواقع، بل لتوجيه رسالة مباشرة إلى صانع القرار في تل أبيب مفادها أن الضربات المحدودة أو المتقطّعة غير كافية، وأن المطلوب هو استمرار القصف المنهجي والدائم. وضمن هذا السياق، يُعاد تصوير حزب الله كـ”فاعل هجين” يمتلك قدرة استثنائية على التكيف مع الضغط العسكري، بما يبرّر من وجهة النظر الإسرائيلية توسيع نطاق العمل العسكري وتحويله إلى سياسة طويلة الأمد لا تخضع لاعتبارات التهدئة أو التسويات المرحلية.

في المقابل، يعتمد الخطاب تكتيكاً موازياً يمكن توصيفه بـ”التهوين من السيادة”، إذ يسعى إلى تقديم الحدود السورية على أنها ساحة مفتوحة ومباحة أمام الميليشيات والشبكات غير النظامية، مع التقليل المتعمد من أهمية أي مؤشّرات على استعادة دمشق لمركزية قرارها الأمني أو قدرتها على ضبط بعض مفاصل الحدود. هذا التوصيف لا يخدم فقط السرد التحليلي، بل يؤدي وظيفة سياسية وأمنية واضحة، تتمثل في الإبقاء على سوريا ضمن دائرة “الاستهداف الوقائي”، بوصفها فضاءً غير مستقر وغير مكتمل السيادة، ما يسهّل تبرير استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ويحدّ من أي اعتراف ضمني بتحولات محتملة في بنية السيطرة أو القرار الأمني السوري.

رابعاً: تهافت السردية – نسف افتراضات مركز “ألما”

عند إخضاع السردية التي يعتمدها مركز “ألما” للمراجعة ضمن إطار استراتيجي يستند إلى واقع “سوريا الجديدة”، يتبيّن أن هذه السردية تعاني من اختلالات بنيوية عميقة، ناتجة عن قراءة جامدة للمشهد السوري وتجاهل التحولات السياسية والأمنية التي طرأت عليه. فالمركز ينطلق من افتراضات لم تعد منسجمة مع الوقائع الجيوسياسية الراهنة، ويعيد إنتاج مقاربات تعود إلى مرحلة ما قبل انهيار نظام الأسد، من دون إدراك لطبيعة التغيير الذي أصاب بنية القرار والسيادة في دمشق.

أولى هذه الإشكاليات تتجلى في تجاهل مفهوم “السيادة الوطنية” بوصفه عنصراً فاعلاً ومتحركاً. إذ يفترض “ألما” أن الحدود السورية ما تزال تشكّل “ثقبا أسود” على غرار ما كانت عليه خلال عهد الأسد، حين كانت السلطة المركزية إما عاجزة أو متواطئة مع شبكات التهريب. غير أن هذا الافتراض يتجاهل دلالات التحوّل النوعي الذي عبّرت عنه عملية “جريجير”، والتي لم تكن حدثاً أمنياً معزولاً أو استعراضاً ظرفياً، بل مؤشراً على تشكّل ما يمكن تسميته بـ”عقيدة الشرع”، القائمة على احتكار العنف تحت سلطة الدولة المركزية وإعادة تعريف السلاح غير الشرعي بوصفه تهديداً مباشراً للسيادة وللمكانة الدولية للدولة السورية. إن إحباط شحنة صواريخ متطورة في هذا التوقيت ينسف عملياً فرضية العجز أو التواطؤ، ويؤكّد أن دمشق لم تعد تنظر إلى سلاح الميليشيات كأداة وظيفية، بل كعبء استراتيجي يتناقض مع مشروعها السياسي الجديد.

ومن هذا الخلل الأول، ينتقل خطاب “ألما” إلى مبالغة لافتة في التركيز على ما يسميه “التحايل الهندسي” واستخدام الجرارات الزراعية لفتح طرق التهريب، في محاولة واضحة للهروب من الاعتراف بالفشل الاستراتيجي. فالتضخيم المتعمد لقدرة أدوات بدائية على تجاوز التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي لا يعكس قراءة واقعية للميدان، بقدر ما يمثّل محاولة لإعادة تبرير استمرار الضربات من دون تحقيق نتائج حاسمة. استراتيجياً، لا يمكن لتكتيكات محدودة وبسيطة أن تعوّض انهيار “المصد الوظيفي” الذي كان حزب الله يؤديه في السابق داخل الجغرافيا السورية. فالإمداد العسكري لا يقوم على فتح الطرق وحدها، بل يتطلب غطاءً سياسياً وبيئة حاضنة وشبكة علاقات داخل الدولة، وهي عناصر فقدها الحزب مع صعود نظام مركزي يرفض بشكل صريح تحويل سوريا إلى مستودع أسلحة أو ساحة خلفية لفاعلين ما دون الدولة.

ويستكمل المركز بناء سرديته بالحديث عن “مرحلة ترميم” يمرّ بها حزب الله، في حين أن القراءة الجيوسياسية الأوسع تشير إلى العكس تماماً، أي إلى مرحلة انكماش بنيوي. ففقدان الحزب لعمقه الاستراتيجي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وتزامن ذلك مع انفتاح دمشق على حوار أمني مع واشنطن، يجعلان من فكرة الترميم مجرد وهم تحليلي لا يستند إلى معطيات واقعية. فالساحة السورية لم تعد مفتوحة أمام ما كان يُعرف بـ”اقتصاد المقاومة”، بل تتجه تدريجياً نحو مسار تعافٍ اقتصادي دولي، تسعى فيه الدولة السورية إلى إعادة الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي. وضمن هذا السياق، يصبح وجود مخازن أسلحة إيرانية أو شبكات تهريب عابرة للحدود عبئاً سياسياً وأمنياً على دمشق، لا ورقة تفاوضية أو رصيد قوة.

وتقود هذه الملاحظات مجتمعة إلى خلاصة أوسع تتعلق بطبيعة المنهج الذي يعتمده مركز “ألما” نفسه. فخطابه يقع في أسر “الماضي الأمني”، ويعاني من جمود استراتيجي يجعله نظرته إلى سوريا عام 2026 محكومة بأدوات ومفاهيم عام 2012. إن افتراض “الحدود المستباحة” لم يعد قابلاً للصمود أمام واقع أن دمشق باتت تسعى لأن تكون شريكاً ضمنياً في منظومات مكافحة الإرهاب والتهريب، بوصف ذلك مدخلاً ضرورياً لانتزاع اعتراف دولي كامل وإعادة تثبيت الدولة على كامل جغرافيتها. وعليه، فإن إصرار الاحتلال الإسرائيلي على الترويج لسردية “خطر الترميم” لا يعكس تقييماً دقيقاً للتهديدات، بقدر ما يشكّل محاولة للهروب من حقيقة أكثر إرباكاً، مفادها أن التحدي الحقيقي لم يعد متمثّلاً في ميليشيا تعيد فتح ممرات تهريب، بل في دولة ناشئة تعمل على إنهاء عصر الوكلاء وبناء شرعيتها على توحيد الجغرافيا واحتكار السلاح.