لتحميل المقالة بصيغة PDF من هنا
تختزل تجربة الدروز في الأراضي المحتلة إحدى أكثر نماذج العلاقة بين الأقلية والدولة تعقيداً في المنطقة؛ فهي تجمع بين اندماج عميق في المنظومة الأمنية والسياسية، وبين شعور متزايد بالتهميش والتمييز البنيوي في آنٍ معاً.عُرفت الطائفة الدرزية تاريخياً بوصف “الأقلية النموذجية” أو “المفضّلة” في دولة الاحتلال الإسرائيلي، نظراً لمستوى مشاركتها في الجيش ومؤسسات الدولة مقارنة ببقية العرب، لكنّ سياسات الأرض والإسكان والموارد، وصولاً إلى “قانون الدولة القومية” عام 2018، كشفت حدود هذا النموذج، وأعادت إلى الواجهة أسئلة الهوية والحقوق والولاء. وبين سردية “التحالف التاريخي” مع الدولة العبرية وسردية “استغلال أقلية وظيفية” لحساب مشروع قومي يهودي، تتشكّل اليوم ملامح صراعٍ مفتوح داخل الطائفة نفسها حول موقعها ومستقبلها بين فلسطين وكيان دولة الاحتلال وسوريا.
من النكبة إلى التجنيد الإجباري
عقب قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 وانتصار الميليشيات المسلحة التابعة للحركة الصهيونية، وجد المجتمع الدرزي نفسه داخل حدود دولة أمر واقع، نتيجة التحولات العسكرية والسياسية التي أعقبت النكبة العربية. في هذه المرحلة، لم يكن التجنيد العسكري مفروضاً بعد على الدروز، بل ركّز الاحتلال بعد هزيمة العرب، بما فيهم الدروز، على بناء قنوات اتصال مع القيادات المحلية الدرزية، في إطار سياسة هدفت إلى فصل الطائفة تدريجياً عن محيطها العربي ضمن عقيدة فصل المحيط (Periphery Doctrine). جاءت هذه السياسة ضمن رؤية أمنية أوسع، سعت إلى صناعة أقليات دينية وقومية بالمعنى السياسي، عبر تحويل المجتمع الدرزي من جزء من المجتمع العربي (الأكثرية العرقية) إلى أقلية عرقية داخل الأراضي المحتلة، بما فرض إعادة تعريف الدروز كأقلية سياسية وقومية وساعد الاحتلال على بناء تحالفات مع أقليات غير يهودية تُعتبر أقل تهديداً من الأغلبية العربية الفلسطينية.
هذه النقطة تقوّض السردية الإسرائيلية التي تُقدّم الدروز كحلفاء لتل أبيب منذ تشكّل دولة الاحتلال.فقد كانت المشاركة الدرزية تاريخياً في مجملها أقرب إلى السردية التاريخية العربية، لا سيما إذا ما نُظر إلى توزّع الطائفة بين المنخرطين في مؤسسات الدولة الجديدة وبين الرافضين لها والمنحازين إلى عمقهم العربي. كان الاحتلال أمراً واقعاً فُرض بالقوة والعنف، وتمّ التعامل مع المجتمع الدرزي كجماعة محايدة بعد خسارة المعركة العربية، لا قبلها، في إطار سياسة ما بعد الحرب التي أعادت تشكيل هوية قسرية هي هوية المنتصر في حرب، تعكس واقعاً أمنياً وسياسياً شديد التعقيد، أكثر مما تعبّر عن انتماء طوعي أو قناعة راسخة.
بدأت التوافقات الأمنية بين إسرائيل وبعض المرجعيات الدرزية خلال النكبة عام 1948 بإنشاء وحدة الأقليات ضمّت مقاتلين من الدروز والبدو والشركس وغيرهم. وقد بلغ تعداد المنضوين تحت لواء هذه الوحدة 850 مجنّداً (منهم 400 درزياً و200 بدوياً و100 شركسي و150 يهودي) بحلول أبريل 1949، بحسب ما أورده قيس فرو في كتابه دروز في زمن الغفلة. عُرفت هذه الوحدة باسم “كتيبة السيف»“التي استمر وجودها حتى قرر رئيس الأركان غادي إيزنكوت حلّها عام 2015، بعدما قدّمت المؤسسة العسكرية حوافز للجنود للانخراط في الوحدات النظامية الأساسية، ما فنّد ضرورة الكتيبة من منظور الجيش.
مثّل عام 1956 نقطة التحول الأهم، والتجسيد العملي لمقولة “من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية”. ففي هذا العام فرضت دولة الاحتلال التجنيد الإجباري على الذكور الدروز، لتصبح الطائفة العربية الوحيدة الخاضعة رسمياً لهذه السياسة. لم يكن هذا القرار إجراءً إدارياً تقنياً فحسب، بل خطوة استراتيجية هدفت إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والطائفة، وتحويلها من جماعة عربية إلى مكوّن أمني داخل بنية الدولة، بحيث تصبح الخدمة العسكرية مدخلاً إلزامياً إلى أي اندماج أو مكسب سياسي.
“العقد الخاص” والدمج الأمني الانتقائي
لم تُبنَ علاقة إسرائيل مع الطائفة الدرزية على أساس المواطنة المتساوية، بل على أساس دمج أمني–عسكري انتقائي، مع تقديم هذا الدمج بوصفه حماية للطائفة مقابل الولاء. تعمّقت سياسة الفصل عن العمق العربي عبر زجّ الدروز في الحرب ضد العرب، وتفكيك الهوية الأصلية لـ”دروز فلسطين وسورية” ضمن ما عُرف بـ”العقد الخاص”، حيث تُقدَّم الطائفة كأقلية دينية وعرقية تحصل على تمثيل محدود مقابل الولاء السياسي والخدمة الأمنية والعسكرية.
لم يغب البعد الأمني-الهوياتي عن مقاربة الملف الدرزي. ومن ذلك التجنيد الانتقائي الذي استهدف الدروز تحديداً دون غيرهم من العرب السنة أو المسيحيين، كتطبيق عملي لعقيدة “التفكيك والفصل”؛ أي تفكيك الكتلة العربية الكبرى وفصل مكوّنات منها في مسارات مختلفة من الاندماج. ركّزت إسرائيل على دمج الدروز عبر الجيش والأجهزة الأمنية بوصفه مبدأ حماية، عبر تكريس معادلة «الأمن مقابل الحماية، وليس الأمن مقابل الحقوق»، وجرى ذلك من خلال صناعة شعور بالخوف من المحيط العربي والفوضى، ثم تقديم الاحتلال نفسه كراعٍ وحامٍ للطائفة.
هكذا تشكّلت ملامح هوية جديدة للطائفة داخل الأراضي المحتلة: هوية ذات تمييز بنيوي وهوياتي واضح، تُحوَّل فيها الطائفة إلى جماعة تؤدّي وظيفة أمنية لخدمة مشروع الدولة الإسرائيلية، وتُستخدم لتقديم صورة شكلية عن “التنوع” داخل الدولة، بينما تبقى الهوية اليهودية الأحادية هي المركز الناظم للقانون والسياسة. خلال الستينات ترسّخ حضور الدروز في الجيش أكثر، ولاحقاً بعد حربَي 1967 و1973 توسّع دورهم الأمني في المناطق ذات الطابع العربي، خصوصاً في الضفة الغربية، حيث استفادت إسرائيل من الخصائص اللغوية والثقافية للدروز واستخدمتهم في وحدات أمنية تحتاج معرفة دقيقة بديناميات المجتمع العربي.
في هذه المرحلة بدأت تتشكل نواة نخب عسكرية درزية، ما عزّز حضور الطائفة في المنظومة الأمنية، مع تنامٍ مستمرٍ لعدد الضباط الدروز في الجيش وأجهزة الأمن العامة، بما فيها الشاباك، خلال السبعينات والثمانينات. فقد أدّى الضباط الدروز أدواراً استخباراتية في عمليات المراقبة وجمع المعلومات داخل المجتمع العربي. وتزامن ذلك مع حرب لبنان 1982 التي شارك فيها عدد كبير من الجنود والضباط الدروز، وعززت صورة الطائفة في المخيال الإسرائيلي كجزء من بنية الدولة الأمنية، بالتوازي مع تصاعد التوتر الهوياتي داخل الطائفة نفسها، خاصة في سياق الجولان حيث بقيت نسبة كبيرة من الدروز في موقع معادٍ للاحتلال.
قانون القومية واتساع فجوة الحقوق
لم يحقّق هذا الاندماج الأمني الاستقرار أو المساواة بالنسبة للمجتمع الدرزي، بل توسّعت الفجوات التنموية بين البلدات الدرزية والبلدات اليهودية، على مستوى البنى التحتية والميزانيات والتخطيط والبناء والفرص الاقتصادية؛ وهي فجوات توثّقها تقارير إسرائيلية عديدة حول التمييز البنيوي ضد المجتمعات العربية بما فيها الدرزية. مع مرور الوقت، تحوّل هذا التفاوت إلى خلاف اجتماعي–سياسي ذي آثار أمنية، حيث بدأ سؤال “جدوى التحالف” يطفو داخل الطائفة نفسها.
جاء «قانون الدولة القومية» عام 2018 ليكرّس هذه الفجوة، من خلال حصر حق تقرير المصير باليهود وحدهم، وتخفيض مكانة اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة ذات «مكانة خاصة»، وتكريس الاستيطان كقيمة وطنية يهودية. استُقبل القانون برفض واسع داخل المجتمع الدرزي؛ إذ رأى كثيرون أنه يختزلهم في خانة “اليهود في الواجبات، والعرب في الحقوق”، أي أنهم مطالبون بالخدمة والولاء دون أن يحصلوا على مساواة في المكانة والموارد والتمثيل.
تزامن ذلك مع ارتفاع منسوب العنف والجريمة ضد أبناء الطائفة دون تدخل فعّال من الأجهزة الأمنية، ما عزز شعوراً بأن الدولة تستخدم الإهمال الأمني كأداة إدارة غير مباشرة للمجتمع، لا كخلل عارض في تطبيق القانون. تشير دراسة لـ”معهد دراسات الأمن القومي” إلى مقتل نحو 29 شخصاً من أبناء الطائفة الدرزية بين 2021 و2024، من بينهم أربع نساء، وهو رقم مرتفع نسبياً بالنظر إلى الحجم الديموغرافي المحدود للطائفة الذي تقدّره بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي لعام 2024 بنحو 152 ألف نسمة تقريباً. كما شهد عام 2025 أعلى معدل لجرائم القتل في المجتمع العربي داخل إسرائيل، بما في ذلك المجتمع الدرزي، إذ قُتل 252 شخصاً في 218 حادثة عنف وجريمة مقارنة بالعام 2024.
التجنيد الإجباري وتآكل شرعيته
على الرغم من استمرار السردية الرسمية التي تتحدث عن نسب تجنيد مرتفعة بين الذكور الدروز، غالباً ما تُقدَّر في الخطاب العسكري الإسرائيلي بأكثر من 80٪، فإن هذه الأرقام تعكس في جزء كبير منها رواية المؤسسة أكثر مما تعكس قياساً مستقلاً لسلوك كل الأجيال. بالمقابل، تشير معطيات بحثية منذ منتصف العقد الماضي إلى تصاعد مواقف الرفض والاحتجاج داخل الطائفة، خاصة بين الشباب.
أظهرت دراسة أجرتها جامعة حيفا عام 2014، ونُقل جزء منها عبر تقرير خبري موسع، أن نسبة الذين يرون “ضرورة” التجنيد الإجباري بين الشباب الدروز لا تتجاوز 36٪، في مؤشر مبكر على تآكل شرعية “العقد الخاص”. كما شهدت السنوات الأخيرة تزايداً في أعداد المحاكمات بحق دروز يرفضون الخدمة ويفضّلون السجن على التجنيد، بحسب تقارير عدة تناولت أزمة التجنيد والخلافات حول الإعفاءات. ترافقت هذه الديناميات مع تحوّل حالات الرفض الفردية إلى حركات شعبية منظمة ترفع شعار «لا نخدم في جيش الاحتلال» وتستخدم لغة الهوية العربية–الفلسطينية بوصفها مرتكزاً للرفض.
إلى جانب ذلك، تشير دراسات إسرائيلية حديثة حول تجنيد العرب والدروز في المنظومة الأمنية والمدنية إلى تحوّل في نمط العلاقة؛ إذ تحاول الدولة في السنوات الأخيرة تعويض تراجع الحماسة للتجنيد عبر توسيع القنوات المدنية والأمنية البديلة (الشرطة، حرس الحدود، الخدمة الوطنية)، بما يعكس محاولة إعادة تشكيل “العقد الخاص” بصيغ جديدة، لا الخروج منه.
دروز الجولان ومقاومة “الأسرلة”
تشكّل حالة دروز الجولان نموذجاً مغايراً داخل الطائفة، حيث يميل معظمهم منذ عقود إلى مقاومة مشاريع “الأسرلة”، من خلال رفض توسيع الاستيطان والتغيير الديموغرافي، ورفض محاولات فرض الهوية الإسرائيلية بالقوة أو عبر سياسة الاحتواء الاقتصادي. تعزّز هذا الموقف عام 1981 عبر «وثيقة العهد الوطني» التي كرّست التمسك بالهوية العربية السورية ومقاومة الأسرلة، ورفض التجنيس والاندماج القانوني في دولة الاحتلال. مع مرور الوقت، أسهمت سياسات التمييز الإسرائيلية، وتراجع الخطاب عن فكرة “دولة المواطنة”، وتعزيز الطابع الحصري اليهودي للدولة، في تثبيت هذا الموقف لدى جزء واسع من دروز الجولان، الذين ربطوا مصيرهم بسورية رغم الثورة وانهيار الدولة المركزية.
يواجه الاحتلال في الجولان مقاومة مجتمعية تعيق قدرتها على فرض الهوية الإسرائيلية بالقوة، ويعزّز هذا الموقف أيضاً استمرار الاعتراف الدولي بالسيادة السورية على الجولان ورفض ضمّه، إضافة إلى الاتصال الجغرافي والاجتماعي مع الداخل السوري، ما يمنح أهالي الجولان خيارات هوياتية وقانونية أوسع من أبناء الطائفة داخل «الخط الأخضر».
على الرغم من الدعاية الإسرائيلية المتكررة عن تزايد طلبات الجنسية بين دروز الجولان، ولا سيما بعد اندلاع الثورة السورية ومن ثم تطورات السويداء، فإن هذه الأرقام لا تعكس تحولاً جذرياً في الموقف التقليدي للطائفة. تقارير سابقة أشارت إلى حصول أكثر من 2000 من أبناء الجولان على الجنسية الإسرائيلية حتى عام 2014، فيما قدّرت تقارير أحدث، مثل تحقيق «نهاية المحرَّمات: واحد من كل خمسة دروز في الجولان يحمل الجنسية الإسرائيلية»، أن حوالي 20٪ من دروز الجولان باتوا يحملون الجنسية بحلول 2024، أي نحو 6000 من أصل ما يقارب 29–30 ألف نسمة تقريباً. تبقى هذه النسبة، رغم ارتفاعها مقارنة بالماضي، أقلية داخل المجتمع، في ظل استمرار تمسّك عدد من وجهاء الجولان بموقفهم التاريخي الرافض للتجنيس كما يظهر في بياناتهم وبيانات الهيئات المحلية.
في عام 2025، صدرت «وثيقة العهد الوطني الثانية» بوصفها امتداداً للوثيقة الأولى، حيث نبّهت عشائر الجولان الحكومة السورية إلى ضرورة عدم التفريط بسورية الجولان خلال أي تفاوض أمني أو سياسي مع الاحتلال. أعادت هذه الوثيقة التأكيد على ربط مصير الجولان بسورية، وعلى رفض تحويل الطائفة إلى ورقة تفاوض وظيفية في سياق صفقات الأمن والحدود.
السويداء والتدخل الإسرائيلي في سوريا
لا يمكن فصل مقاربة الاحتلال لدروز الجولان عن تدخلها الأوسع في الملف السوري، ولا سيما في محافظة السويداء، حيث تتعامل تل أبيب مع المكوّن الدرزي بوصفه “أقلية وظيفية” محتملة، يمكن أن تؤدي أدواراً أمنية مقابل وعود بالحماية، دون أن يقترن ذلك بضمان حقوق متساوية أو أفق سياسي واضح. يأتي هذا التدخّل امتداداً لسياسة تقليدية أوسع تقوم على توظيف هشاشة المكونات في المنطقة واستثمار تفكك الدولة المركزية، سواء عبر خطاب “الحماية” أو عبر دعم تشكيلات محلية محسوبة على “توازنات الحد الأدنى” في الجنوب السوري.
يتجلّى ذلك في استخدام «النمذجة» الذي بُني سابقاً في فلسطين، أي تقديم تجربة الدروز في الداخل كحالة يمكن تعميمها في أماكن أخرى، مع وعود بدور خاص وحماية من محيط مهدَّد، مقابل الانخراط في ترتيبات أمنية تخدم ميزان القوى الإسرائيلي. لكن الوقائع العملية منذ 2011 وحتى اليوم يظهر أن الاحتلال لم يقدّم نموذجاً واضحاً أو ثابتاً، بقدر ما استخدمت الطائفة كورقة في سياق صراع أوسع على الحدود والأمن والمجال الجوي السوري.
فشل العقد الخاص وسؤال المستقبل
إذا كان الاحتلال يستند إلى نموذج “العقد الخاص” وتسعى إلى تعميمه، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أنها تعاملت مع الطائفة على أساس وظيفي وأداتي، ضمن إطار يفتقر إلى اليقين والاستقرار، ويميل مع بدء الألفية إلى مزيد من الاشتباك والاعتراض والتمرد. ولو كانت سوريا مستقرة خلال تلك الحقبة، لبدت السردية الإسرائيلية أكثر هشاشة وانكشافاً أمام نموذج بديل للمواطنة العربية الجامعة، وهو ما يفسّر الإصرار على تقديم الاحتلال كبديل عن الدولة القومية العربية في سوريا وفلسطين بالنسبة للدروز، لا كشريك في بناء دولة مواطنة متساوية.
في ضوء هذا الفشل التاريخي والبنيوي لما عُرف بـ«العقد الخاص» أو «تحالف الدم»، يُعاد فتح سؤال المستقبل حول موقع الطائفة وخياراتها الممكنة. تتوزّع هذه الخيارات نظرياً بين مسار يسعى إلى معالجة الاختلالات ضمن إطار دولة سورية قابلة لإعادة البناء على أساس المواطنة الجامعة، ومسار آخر يقوم على القبول باستمرار علاقة خاصة مع الاحتلال تختزل الطائفة في دور أمني وظيفي دون أفق سياسي مستقر أو مساواة في الحقوق.
بين هذين المسارين تتشكّل اليوم تيارات متعددة داخل الطائفة: بعضها يرى في استمرار العلاقة الخاصة مع الاحتلال “أقل الشرور” في ظل انهيار النماذج العربية والسورية، وبعضها يدعو إلى إعادة وصل ما انقطع مع المحيط العربي–السوري على قاعدة جديدة للمواطنة، فيما تنشأ تيارات ثالثة تبحث عن مسار يرفض كلّاً من “الاندماج الأمني” في إسرائيل و”الاستتباع” لأنظمة استبدادية في المنطقة.
يبقى سؤال الدروز في الأراضي المحتلة والجولان وسوريا مفتوحاً على صراع طويل حول الهوية والحقوق والأمن، في منطقة تتغيّر خرائطها وحدودها وتحالفاتها، بينما تسعى الطائفة إلى الخروج من موقع “الأقلية الوظيفية” نحو مكان أوسع في أي مشروع سياسي قادم، أكان مشروع دولة مواطنة في سورية، أو إعادة تعريف موقعها داخل دولة تزداد يهوديتها القانونية في إسرائيل.





