منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، تحوّل الجنوب السوري إلى بؤرة توتر بالغة الحساسية. استثمر الاحتلال الإسرائيلي حالة الفراغ الأمني الناجمة عن هذا التحول، فنفّذ سلسلة من التحركات العسكرية البرية والجوية في محافظتَي القنيطرة ودرعا، امتدت في بعض الأحيان حتى تخوم ريف دمشق.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل الواقع في الجنوب السوري من المنظور العسكري المباشر وما يتجاوزه كالدوافع الاستراتيجية الأعمق المرتبطة بالمياه والطاقة، وكيفية تعاطي الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع مع هذه المتغيرات، فضلاً عن تقييم مسارات التطور الممكنة وما قد يترتب عليها من انعكاسات على السيادة السورية وموازين الأمن الإقليمي.
أقام الاحتلال الإسرائيلي نحو تسع قواعد عسكرية رئيسية في الجنوب السوري، وأنشأ ثلاثة نطاقات عملياتية: منطقة انتشار مباشر على طول الشريط المنزوع السلاح، ومنطقة توغلات دورية في ريف درعا وريف دمشق، وسيطرة جوية غير مباشرة على مناطق جنوب العاصمة. وتشير بيانات مركز سجل إلى تصاعد حاد في وتيرة الانتهاكات، إذ ارتفع عدد الانتهاكات الإجمالية في مارس 2026 بنسبة 136% مقارنة بفبراير من العام نفسه، كما وصل عدد المحتجزين السوريين إلى 181 شخصاً، لا يزال 45 منهم رهن الاحتجاز حتى تاريخ 18 أبريل، فضلاً عن مقتل 36 مدنياً سورياً في سوريا.
يُضفي التوغل العسكري الإسرائيلي أبعاداً اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية. فالسيطرة على جبل الشيخ وعدد من المنشآت المائية في درعا والقنيطرة تمنح إسرائيل نفوذاً على إدارة الموارد المائية التي تغذي نهر الأردن ووادي بردى. وفي ملف الطاقة، يؤثر الحضور العسكري في توجيه مشاريع الغاز الإقليمية، ويعرقل طموح سوريا في أن تكون ممراً للطاقة باتجاه أوروبا، ولا سيما في ظل إغلاق مضيق هرمز الأخير.
في يناير 2026، أُعلن في باريس عن آلية تنسيق ثلاثية بإشراف أمريكي بين واشنطن ودمشق وتل أبيب. تهدف الآلية إلى تبادل المعلومات وخفض التصعيد وبحث التعاون الاقتصادي المحتمل. غير أن المسار يواجه عقبات جوهرية؛ إذ يصف الرئيس الشرع ووزير الخارجية الشيباني المفاوضات بأنها “تسير بصعوبة شديدة”، في حين يواصل الاحتلال ترسيخ وجوده الميداني بمعزل عن أي مسار تفاوضي.
تتبنى الحكومة السورية مقاربة براغماتية تقوم على رفض التصعيد العسكري المباشر والمطالبة بانسحاب إسرائيلي إلى خطوط 1974 عبر الوساطة الأمريكية، مع التركيز على إعادة بناء مؤسسات الدولة. في المقابل، يواصل الاحتلال الإسرائيلي ترسيخ وجوده، مستنداً إلى هدف إنشاء حزام أمني يمتد من الحدود اللبنانية حتى اليرموك. أما الولايات المتحدة، فتوازن بين دعم إسرائيل والحرص على تجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع، وقد سحبت آخر قواتها من سوريا في خطوة تعكس تقليص حضورها المباشر.
رصدت الورقة ثلاثة سيناريوهات: الأول استمرار ترسيخ الأمر الواقع العسكري مع إدارة التوتر دبلوماسياً، والثاني انهيار المسار الدبلوماسي وتوسع المواجهة العسكرية، والثالث تسوية إقليمية شاملة تُفضي إلى ترتيبات أمنية جديدة.
السيناريو الأول هو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، إذ تتضافر عوامل عدة في دعمه: استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، ومحدودية القدرة العسكرية السورية على تغيير الواقع الميداني، وحرص دمشق على تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية جديدة. والجدير بالتأكيد أن استمرار المسارات الدبلوماسية لا يعني تجميد الوقائع الميدانية، بل إن الترسيخ العسكري يتقدم بالتوازي مع التفاوض. ويبقى السيناريو الثاني منخفض الاحتمال في الأمد القريب، فيما يظل السيناريو الثالث مشروطاً بتحولات إقليمية كبرى لم تنضج بعد.
لتحميل الورقة كاملة
المنطقة الأمنية في جنوب سوريا: السياق والدوافع والتطوّرات
ما هو مركز سجل؟
سجل هو مركز يُعنى برصد العمليات الإسرائيلية في سوريا، وتحديداً جنوب سوريا، بالإضافة إلى دراسة الشأن الإسرائيلي. أُسّس المركز ليوفّر بيانات موثّقة ومُرتّبة للباحثين والأكاديميين وصناع القرار، ولإعلاء وعي الشعب السوري بخطر التجاوزات الإسرائيلية في سوريا.
يُتيح موقع سجل خدمة لعرض الإحصاءات بشكل تفاعلي عبر صفحته الرئيسية، بحيث يمكن للمستخدم عرض الانتهاكات التي وثّقها مركز سجل وتصنيفها بحسب الفترة الزمنية، ونوع الانتهاك، والمحافظة.





