منذ سقوط نظام الأسد، حرص الاحتلال الإسرائيلي على تعزيز نفوذه داخل المجتمع الدرزي في جنوب سوريا وهضبة الجولان، من خلال إطلاق تصريحات داعمة للطائفة الدرزية وطمأنتها بعدم السماح بأي تهديد لأمنها، في مسعى لتقديم نفسها كحامي الأقليات في المنطقة. ولم يقتصر هذا التوجه على الخطاب السياسي وحده، بل امتد ليشمل أدوات إنسانية ومجتمعية شكّلت مدخلاً لتعزيز حضورها وبناء قنوات تأثير داخل المجتمع الدرزي.
وكان آخر الخطوات البارزة في هذا السياق استحداث جيش الاحتلال لمنصب جديد هو منسق تواصل مع الدروز، ضمن هيكلية القيادة الشمالية.
من هو غسان عليان منسّق التواصل مع شؤون الدروز
يهدف هذا المنصب إلى إنشاء قنوات تواصل عابرة للحدود مع الطائفة الدرزية في دول الجوار، متجاوزاَ الأدوار العسكرية التقليدية إلى مجالات أخرى، منها على الأرجح استخباراتية واجتماعية. فسيعمل المنسّق، في هذا الإطار، بالتعاون مع قائد القيادة الشمالية وبالتنسيق مع أجهزة أمنية مركزية، لمواكبة التحولات الميدانية ولا سيما في جنوب سوريا.
أوكلت مهام هذا المنصب إلى اللواء غسان عليان (من 1972 مدينة شفا عمرو شمالي الأراضي المحتلة) أحد أبرز الضباط الدروز في جيش الاحتلال الإسرائيلي، صعوده داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حالة استثنائية، كونه أول ضابط غير يهودي يتولى قيادة لواء ” جولاني ” النخبوي، أحد أكثر ألوية المشاة تأثيراً في تاريخ الجيش الإسرائيلي.
التحق عليان بالجيش الإسرائيلي عام 1990، وتدرّج سريعاً في الرتب والمناصب. شغل خلال سنوات خدمته سلسلة من المواقع القيادية الميدانية، من بينها قائد كتيبة ” دوخيفات “، ونائب قائد لواء غزة الجنوبي، ثم قائد لواء ” مناشيه ” المسؤول عن منطقة جنين.
في 2021، مُنح رتبة “ألوف” (لواء)، ليصبح أحد كبار ضباط الجيش الإسرائيلي، وعضواً فعليًا في دوائر صنع القرار الأمني، قبل أن يتولّى لاحقاً رئاسة وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT) وهو منصب يُعدّ من أخطر المواقع في منظومة الاحتلال، لما يحمله من صلاحيات شاملة تمسّ تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. حيث يُنظر إلى ” المنسق ” في الوعي الفلسطيني باعتباره الحاكم الفعلي للأراضي المحتلة، إذ تتحكم وحدته في إصدار تصاريح العمل والعلاج والسفر، ولمّ الشمل، وتسجيل المواليد والوفيات، فضلاً عن السيطرة على موارد المياه والكهرباء والمعابر.
برز اسم عليان بقوة خلال الحرب على قطاع غزة التي بدأت في أكتوبر 2023، حيث لعبت وحدة “المنسق” دورًا محورياَ في إدارة المعابر والتحكم في دخول المساعدات الإنسانية. واتُّهمت الوحدة، من قبل جهات حقوقية، باستخدام سياسة “التجويع كسلاح”، عبر عرقلة الإغاثة ومنع إدخال المواد الأساسية، ما فاقم الكارثة الإنسانية في القطاع.
في يناير 2025، واجه عليان ضغوطاً قانونية على الساحة الدولية بعد أن تقدّمت مؤسسة هند رجب بطلب رسمي إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإلى السلطات الإيطالية، لاعتقاله خلال زيارة له إلى روما، بتهم تتعلّق بالإشراف على الحصار الكامل لقطاع غزة، وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وصولًا إلى شبهة الإبادة الجماعية.
أدوات الاحتلال لاستمالة الدروز وبناء النفوذ الإقليمي
تشكّل هذه الخطوة واحدةً من بين عدةٍ من الخطوات قامت بها دولة الاحتلال الإسرائيلي لاستمالة الطائفة الدرزية في سوريا، بدءً بالخطاب السياسي والداعم، مروراً بالأدوات الإنسانية والمجتمعية، وصولًا إلى الدمج العسكري المباشر. فقد شملت المبادرات تقديم مساعدات غذائية وطبية ومادة السولار بشكل مستمر إلى قرى جبل الشيخ وبصورة أقل إلى محافظة السويداء، وتنظيم زيارات للطائفة الدينية إلى المراقد الدينية في الجولان والأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عقود من المنع
على الأرض، ظهر النفوذ الإسرائيلي من خلال مشاريع ميدانية استراتيجية، مثل تدريب شبان دروز من محافظة السويداء لإنشاء محطة إطفاء فيها في شهر نوفمبر الماضي، وبناء مشفى في ريف القنيطرة الشمالي في قرية حضر في شهر ديسمبر حينما حيث دخلت مواد البناء والتجهيزات حصريا عبر بوابة مجدل شمس، دون أي دور للحكومة السورية، وتبع بناء المشفى تقديم خمس سيارات إسعاف إلى ذات القرية في يناير 2026. ما يحوّل المشروع من أداة إنسانية ظاهرية إلى عنصر ضمن استراتيجية سياسية وأمنية أوسع للحفاظ على المصالح الإسرائيلية.
على صعيد آخر، بدأ الجيش الإسرائيلي في دمج شبان الدروز في البنية العسكرية المباشرة في يناير 2026، من خلال برنامج من القول إلى الفعل، الذي يستهدف تأهيل شبان من هضبة الجولان للانخراط في منظومات الحماية والأمن التابعة للجيش، ودمجهم في منظومات الاحتياط، مع دراسة فتح مسارات خدمة إضافية، ما يعزّز ولاءهم وتوطيد شبكات التأثير داخل المجتمع الدرزي وجاء هذا البرنامج بعد ارتفاع نسبة الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية في الجولان من 12% تاريخياً إلى 33% مؤخراً بحسب المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان.
يأتي استحداث منصب منسق شؤون الدروز ليكمل هذا المسار، ويكون ذراعاً استخباراتياً واجتماعياً يربط بين الخطاب السياسي، المبادرات الإنسانية، والدمج العسكري المباشر، لضمان استدامة النفوذ وبناء شبكات ولاء قابلة للتوظيف سياسياً وأمنياً على مستوى إقليمي، يمتد تأثيرها إلى سوريا ولبنان ودول الجوار بما يضمن استمرار حضورها الاستراتيجي على المدى الطويل.
استشراف: من التقارب الأمني إلى الوصاية الخدمية
في ضوء المعطيات الميدانية والتحوّلات الهيكلية التي شهدها الجنوب السوري خلال العامين الأخيرين، يمكن استشراف ملامح النفوذ الإسرائيلي داخل الوسط الدرزي بوصفه مساراً تراكمياً لا يقوم على الاختراق المباشر بقدر ما يعتمد على إعادة تشكيل بيئة الاعتماد والولاءات. هذا النفوذ لا يبدو عارضاً أو ظرفياً، بل يتجه، وفق المؤشّرات المتاحة، نحو أنماط أكثر رسوخاً واستدامة، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع الحاجات الخدمية والاقتصادية، ومع التحولات الداخلية داخل الطائفة نفسها.
في هذا السياق، يبرز أولاً اتجاه واضح نحو مأسسة ما يمكن وصفه بـ”الوصاية الأمنية” في جنوب سوريا. فالتقارب المتزايد بين تيار الشيخ حكمت الهجري والاحتلال لا يتوقّف عند حدود التنسيق غير المعلن، بل يتجه تدريجياً نحو تحويل خطاب “الحماية الدولية” إلى قبول عملي، بل صريح، بفكرة الوصاية الإسرائيلية بوصفها خياراً براغماتياً لمواجهة حالة الانفلات الأمني وضعف حضور الدولة المركزية. ويتوقع أن يسهم استحداث أدوار رسمية مثل “منسّق شؤون الدروز” في نقل هذا التقارب من مستوى العلاقات الشخصية أو الظرفية إلى مستوى مؤسّسي منظم، يتيح لإسرائيل بناء منطقة نفوذ هادئة في السويداء وريف القنيطرة، تدار عبر بوابات خدمية وطبية وإغاثية، وتُفصل فعلياً عن سلطة دمشق دون الحاجة إلى إعلان قطيعة سياسية مباشرة.
بالتوازي مع ذلك، تشير التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل الجيل الشاب إلى مسار أعمق يتمثّل في الانتقال التدريجي من الهوية القومية التقليدية إلى أنماط اندماج نفعي عابر للحدود. فالارتفاع الكبير في معدلات التجنيد داخل الجولان المحتل، إلى جانب الزيادة اللافتة في طلبات الحصول على الجنسية الإسرائيلية، يعكس تحول “الاندماج العسكري” من حالة استثنائية إلى مسار اقتصادي واجتماعي جاذب، خصوصاً في ظل انسداد الأفق داخل الجنوب السوري. وعلى المدى المتوسط، قد تنجح إسرائيل في إنتاج نخبة درزية جديدة ترى في النموذج الإسرائيلي مرجعية للاستقرار والفرص، بما يؤدي إلى تآكل تدريجي في الولاء التقليدي للدولة السورية، واستبداله بشبكات ولاء مرنة تشرف عليها شخصيات عسكرية وأمنية عابرة للجغرافيا السياسية التقليدية.
غير أن هذا المسار لا يخلو من عوامل كبح داخلية، أبرزها توظيف ملف “الملاحقة القانونية” كأداة في الصراع داخل الوسط الدرزي نفسه. فعلى الرغم من ميل تيار حكمت الهجري نحو التقارب، إلا أن الملاحقات القانونية ضد غسان عليان بتهم “جرائم حرب” في غزة ستظل تمثل “ثغرة أخلاقية وسياسية” تستثمرها القيادات المعارضة لهذا التقارب (مثل وليد جنبلاط) لتشويه صورة المشروع الإسرائيلي. هذه الملاحقات لا يتوقع أن تحدث قطيعة واسعة مع إسرائيل، لكنها ستستخدم كأداة ضغط لإبطاء وتيرة الاندماج العلني، إذ قد يواجه أنصار التقارب صعوبة متزايدة في تبرير العلاقة أمام شرائح من الطائفة ما تزال متمسكة بخطابها العربي والإسلامي وترفض الارتباط العلني بمسؤولين ملاحقين دولياً.
وفي المحصلة، تشير القراءة الاستشرافية إلى احتمال تبلور نموذج جديد من السيطرة غير المباشرة، يتمثّل في نشوء ما يمكن تسميته “كانتونات خدمية” في قرى جبل الشيخ ومحيط السويداء، تعتمد بشكل شبه كامل على البوابة الإسرائيلية في تأمين المواد الأساسية والخدمات الحيوية، من المحروقات إلى الطبابة والإغاثة. هذا الاعتماد المتنامي سيمنح “المنسق الإسرائيلي” دور الحاكم الفعلي غير المعلن، القادر على إدارة الملفات الأمنية والاجتماعية عبر أدوات القوة الناعمة، بما قد يضمن لإسرائيل حضوراً استراتيجياً طويل الأمد في العمق السوري، دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر أو إعلان سياسي صريح.





