تستمر معاناة السوريين في الجنوب السوري مع استمرار احتجاز قوات الاحتلال الإسرائيلي لـ 46 شاباً، وفق أحدث بيانات الرصد التي جمعها مركز سجل. وعلى الرغم من الإفراج عن ستة محتجزين خلال الفترة الممتدة بين 23 يوليو و5 أغسطس 2026، لا تزال عشرات العائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها، في ظل غياب معلومات واضحة ومستقرة حول أوضاعهم القانونية والإنسانية.
وتعود أقدم حالات الاحتجاز التي لا تزال قيد المتابعة إلى أواخر عام 2024، فيما استمرت عمليات الاحتجاز حتى أغسطس 2026، ما يؤكّد أن الاعتقال لم يكن مرتبطاً بحملات محددة زمنياً، وإنما تحول إلى مسار مستمر بالتوازي مع التوغلات والانتشار العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري.
يستند هذا التحديث إلى شبكة الرصد التي يعتمدها مركز سجل، وإلى المعلومات جرى جمعها من محتجزين سابقين، إضافة إلى معلومات وفرتها جمعيات وجهات مختصة بالشؤون الحقوقية تتابع ملف المحتجزين السوريين.
إطلاق سراح بعد أشهر من الاحتجاز وحديث عن دفعة قادمة
شهدت الفترة بين 23 يوليو و5 أغسطس 2026 ست عمليات إفراج عن محتجزين سوريين، بينهم أشخاص أمضوا أشهراً طويلة، من بينهم محتجزان أمضيا ما يزيد عن عام في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
وقد أفاد المحتجزون المطلق سراحهم لمركز سجل بوجود ستة محتجزين كان من المتوقع الإفراج عنهم.
بتاريخ 29 يوليو 2026، أفرجت قوات الاحتلال عن محمد المحمد من أبناء قرية جملة بريف درعا الغربي، بعد أن كانت قد احتجزته بتاريخ 24 ديسمبر 2025 إثر مداهمة نفذتها في القرية. وأسفرت المداهمة حينها عن احتجاز شاب آخر برفقة محمد، ولا يزال الأخير قيد الاحتجاز حتى إعداد هذا التقرير.
وفي اليوم ذاته، أفرجت قوات الاحتلال عن ياسين الجاسم، وهو مزارع من أبناء مزرعة عين القاضي المجاورة لقرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي، بعد أن كانت قد احتجزته أثناء عمله في مزرعته.
كما أفرجت في 29 يوليو عن مروان الكريان من أبناء قرية عين الزيتون بريف القنيطرة الجنوبي، وحسام الصفدي من قرية بيت جن بريف دمشق الغربي، بعد أن أمضى كل منهما أكثر من عام في الاحتجاز.
وفي 5 أغسطس 2026، أفرجت قوات الاحتلال عن أحمد الكريان وأحمد الهتيمي، اللذين كانت قد احتجزتهما عقب حملة المداهمات الواسعة التي شنتها في ريف القنيطرة الجنوبي بتاريخ 7 يوليو 2025.
من تهمة الانتماء إلى فصائل مسلحة إلى الاحتجاز المفتوح
في الحالات التي أعلنت فيها قوات الاحتلال أسباباً لعمليات الاحتجاز، تكررت اتهامات الانتماء أو العمل لصالح جهات مسلحة، ولا سيما اتهامات الانتماء أو العمل لصالح فيلق القدس وحزب الله وحركة حماس، إضافة إلى اتهامات أخرى مرتبطة بحيازة أو الاتجار بالأسلحة.
إلا أن هذه الاتهامات لا تنطبق على جميع المحتجزين الذين وثقهم المركز وذلك بحسب شهادات ذويهم وأهالي المنطقة، وبقيت أسباب احتجاز عدد من الأشخاص غير معلنة، ولم يصدر بشأنهم بيان رسمي يوضح التهم الموجهة إليهم.
ظروف احتجاز قاسية وتحقيق مستمر
تكشف الإفادات التي جرى جمعها من المحتجزين الستة الذين أُفرج عنهم مؤخراً عن جانب آخر من القضية، يتعلق بالظروف التي يعيشها السوريون داخل أماكن الاحتجاز.
وبحسب هذه الإفادات، يتعرض المحتجزون لتحقيقات متواصلة تركز على أدق التفاصيل المتعلقة بحياتهم الشخصية والاجتماعية، وأسرهم، وعلاقاتهم، وتحركاتهم، ومعارفهم، وأبسط المعلومات المتعلقة بهم، بما يجعل التحقيق عملية مستمرة لا تقتصر على جلسة أو فترة زمنية محددة.
وتشير الإفادات إلى أن المحتجزين يواجهون أيضاً ظروفاً معيشية صعبة، من بينها، عدم وجود تدفئة خلال فصل الشتاء، قلة الطعام وعدم كفايته، وتعرضهم إلى تفتيش يومي، وبحسب إفادات المفرج عنهم، فقد كان السجانون خلال الحرب مع إيران يقيدون أيادي وأقدام المحتجزين طوال اليوم، باستثناء فترة تناول الطعام، وقال المحتجزون إنهم أُبلغوا بأن الإجراء اتخذ لمنع هروب السجناء في حال سقوط صاروخ على السجن وتضرر أحد جدرانه.
إلى جانب هذه الأوضاع الصعبة يعيش المحتجزون حالة مستمرة من التعب النفسي وعدم اليقين بما يخص مصيرهم والمدة التي سيقضونها في الاحتجاز.
وتزداد صعوبة متابعة أوضاع المحتجزين بسبب القيود المفروضة على وصول المحامين إليهم ولقائهم بهم. وبحسب المعلومات التي جرى جمعها في إطار متابعة الملف، أصبحت إجراءات الوصول إلى المحتجزين والتواصل معهم أكثر تشدداً بعد السابع من أكتوبر 2023، ما حدّ من قدرة المحامين على لقاء المحتجزين بصورة منتظمة ومتابعة أوضاعهم القانونية والإنسانية بشكل مباشر.
ولا تقتصر معاناة المحتجز على الحرمان من الحرية، بل تمتد إلى غياب المعرفة بما ينتظره في اليوم التالي، في ظل عدم وضوح مدة الاحتجاز، وعدم معرفة ما إذا كان التحقيق سينتهي بالإفراج عنه أو باستمرار احتجازه لفترة جديدة.
أين يوجد المحتجزون؟ وما الإطار القانوني للاحتجاز
وبحسب آخر المعلومات التي جمعها مركز سجل من المحتجزين الستة الذين أُفرج عنهم مؤخراً، إلى جانب معلومات من جمعيات وجهات مختصة بالشؤون الحقوقية، فإن المعلومات المتاحة حالياً تشير إلى وجود المحتجزين السوريين في معسكر سديه تيمان وسجن نفحة الواقعين في صحراء النقب، وسجن عوفر الواقع بالقرب من مدينة رام الله.
وظل التصنيف القانوني الذي تستخدمه السلطات الإسرائيلية في عدد من هذه الحالات أحد أبرز جوانب القضية، إذ سبق أن أفاد محامون تابعوا الملف بأن بعض السوريين يُحتجزون ضمن إطار قانون “المقاتلين غير الشرعيين”.
ويمنح هذا الإطار السلطات الإسرائيلية صلاحيات واسعة في استمرار الاحتجاز استناداً إلى تقييمات أمنية، بينما تبقى المعلومات المتعلقة بالملف السري والأدلة المقدمة ضد المحتجز محدودة بالنسبة إلى الدفاع.
وفي ظل استمرار احتجاز عشرات السوريين، فإن القضية القانونية لا تتعلق فقط بقرار الاعتقال الأول، وإنما أيضاً بمدى إمكانية معرفة المحتجز بالتهم الموجهة إليه، وحقه في الدفاع، وإمكانية الطعن في استمرار احتجازه، والمدة التي يمكن أن يبقى خلالها خلف القضبان.
ملف مفتوح يتسع مع استمرار التوغلات
لا يمكن فصل ملف المحتجزين السوريين عن التطورات الميدانية التي يشهدها الجنوب السوري، إذ تزامنت عمليات الاحتجاز مع استمرار التوغلات الإسرائيلية، والمداهمات داخل القرى والبلدات، وإقامة النقاط والمواقع العسكرية، إلى جانب تشديد القيود المفروضة على حركة السكان ووصولهم إلى أراضيهم الزراعية.
وفي مقابل حالات الاحتجاز التي امتدت لأشهر أو أكثر من عام، وثّق مركز سجل 186 حالة احتجاز أُفرج عن أصحابها خلال مدة لم تتجاوز في معظم الحالات نحو 24 ساعة، ما يعكس تعدد أنماط الاحتجاز واختلاف مدده، بين توقيفات قصيرة تنتهي بالإفراج السريع واحتجازات طويلة يتحول فيها الشخص إلى محتجز مجهول المصير.
وتشير إفادات المحتجزين الذين أُفرج عنهم مؤخراً إلى أن ملف الاحتجاز لا يزال يشهد حالات جديدة، كما أفادوا لمركز سجل بوجود ستة محتجزين كان من المتوقع الإفراج عنهم
عائلات تنتظر أبناءها ومصير مجهول
خلف الأرقام والأسماء، توجد عشرات العائلات التي تعيش منذ أشهر أو سنوات في حالة انتظار لمعرفة مصير أبنائها.
وتتضاعف هذه المعاناة في الحالات التي لا تتلقى فيها العائلة معلومات واضحة حول مكان وجود المحتجز أو التهم الموجهة إليه أو موعد انتهاء احتجازه.
ومع استمرار التوغلات والاحتجازات، يبقى تحديث مصير كل محتجز ومكان وجوده ووضعه القانوني والإنساني ضرورة مستمرة لمنع تحول هذه الحالات إلى ملف منسي.





