الأسئلة الكبرى كما يعيشها دروز الجولان اليوم

منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ثم أحداث السويداء في يوليو 2025، لم تعد بلدات الجولان المحتل الأربع – مجدل شمس ومسعدة وبقعاثا وعين قنية – على الحال نفسها، فالمجتمع الذي حافظ لعقود على إجماع شبه كامل حول رفض الاحتلال الإسرائيلي والجنسية والتمسك بالهوية السورية، يشهد اليوم أوسع نقاش داخلي منذ عقود، هل ما زال هذا الإجماع ممكناً؟ وهل تغيرت شروط الحماية والانتماء إلى درجة تجعل الفصل القديم بين “البقاء سورياً” و”القبول بالأمر الواقع” غير قابل للاستمرار؟

يحاول هذا المقال أن يقرأ هذا النقاش من الداخل، مع التركيز على الجولان تحديداً، لا بوصفه ملحقاً بقضية السويداء، بل بوصفه ساحة لها منطقها الخاص وأسئلتها الخاصة، وإن كانت مرتبطة عضوياً بما يجري جنوب سوريا.

يُقدّر حجم الطائفة الدرزية الموجودة في سوريا بـ700-750 ألف نسمة، وهي التقديرات التي تذهب إليها مثلاً وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء وتقرير لوزارة الداخلية البريطانية، وهو ما يعادل حوالي 3% من سكان البلاد قبل اندلاع الثورة السورية بحسب وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء. وتحتضن محافظة السويداء النسبة الأكبر من الكتلة الدرزية، مع وجود تجمّعات في ريف دمشق (جرمانا وصحنايا) والقنيطرة.

ولا يشمل ذلك الدروز الذين يقنطون الجولان المحتل، وهم من بقي من سكان الجولان الأصليين بعد احتلاله عام 1967 وتهجير أغلب سكانه. فيتركّز هؤلاء في أربع بلدات  ويقدّر عددهم بحوالي 25-26 ألف نسمة بحسب تقرير لصحيفة هارتس الإسرائيلية نُشر في أغسطس 2026.

وبخلاف دروز السويداء الذين يعيشون داخل الدولة السورية، يعيش دروز الجولان منذ نحو ستة عقود تحت سيطرة دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يجعل علاقتهم بدولة الاحتلال مختلفة جوهرياً، ومعها منطق التعامل والتصوّر للاحتلال، فهي لا تُعتبر علاقة مع قوة خارجية يمكن الاستعانة بها أو رفضها، بل علاقة مع سلطة تحكم حياتهم اليومية فعلياً منذ الاحتلال.

الأسئلة الكبرى 

بات النقاش الداخلي في الجولان بعد سقوط نظام الأسد يدور حول ثلاثة أسئلة متشابكة، يعيد كل منها إنتاج الآخر.

السؤال الأول يتعلق بالموقف من الحكومة السورية الجديدة في دمشق، وهنا يظهر فارق جوهري عن السويداء، فدروز الجولان لا يعيشون تحت سلطة دمشق، ولا ينتظرون منها حماية مباشرة، لكنهم يراقبون قدرتها على حماية أقاربهم في السويداء والقنيطرة كمقياس عملي لمصداقيتها، فمع كل حادثة عنف أو فشل أمني في الداخل السوري تنعكس مباشرة على النقاش الجولاني، إذا لم تستطع دمشق حماية الدروز داخل حدودها، فما الذي يمنح أي وعد سوري مستقبلي بشأن الجولان مصداقية؟

رجال دين دروز يستقبلون حافلات تقل أبناء الطائفة الدرزية السورية على الحدود مع سوريا، أثناء دخولهم إلى قرية مجدل شمس – 14 مارس 2025 | مصدر الصورة: أسوشيتد برس

السؤال الثاني هو الموقف من دولة الاحتلال، لكنه في الجولان أكثر تعقيداً من السويداء كونه لا يمثل الاستعانة بقوة خارجية، بل سؤال عن العلاقة مع سلطة أمر واقع، وهنا ينقسم الجولانيون بين من يرى أن التعامل العملي مع دولة الاحتلال، في العمل والصحة والتنقّل والخدمات، لا يعني قبولاً سياسياً بالضم، وبين من يرى أن أي تطبيع عملي يمهد تدريجياً للتطبيع السياسي.

السؤال الثالث هو موقف الفرد من التجنيس في دولة الاحتلال بوصفه التجلّي العملي الأوضح لهذا الصراع كله، فبينما ظل هذا السؤال نظرياً لعقود بالنسبة لغالبية السكان، أصبح اليوم خياراً يومياً يواجهه آلاف الشبان والعائلات.

من هذه الأسئلة الثلاثة تتفرّع أسئلة أخرى يطرحها دروز الجولان على أنفسهم عملياً، هل يمكن قبول المساعدة الطبية أو الإنسانية الإسرائيلية الموجّهة إلى الأقارب في السويداء من دون أن يُفهم ذلك كتأييد سياسي؟ وهل التضامن الإنساني مع السويداء يعني بالضرورة اصطفافاً إلى جانب رواية الاحتلال عن “حماية الأقليات”؟ وهل يمكن لهوية درزية سورية عابرة للحدود أن تستمر في وقت تتباعد فيه الشروط القانونية والسياسية لكل جزء من الطائفة؟

أما على مستوى التكتلات، فلا يوجد في الجولان تنظيم سياسي موحّد يعبّر عن موقف واحد، كما هو الحال جزئياً مع الحرس الوطني التابعة للزعيم الروحي للطائفة الدرزية حكمت الهجري أو رجال الكرامة في السويداء بقيادة أبو ذياب مزيد خداج. وإنما نجد في الجولان تيارات اجتماعية متداخلة، يبرز من بينها تيار يتمسّك بالرفض التقليدي للتجنيس والاحتلال يدعم أقاربه في السويداء إنسانياً، وينتقد الحكومة السورية بشدة، لكنه لا يترجم ذلك بالضرورة إلى قبول دولة الاحتلال الإسرائيلية، وتيار آخر يرى في الاندماج القانوني مع دولة الاحتلال مخرجاً عملياً من حالة انعدام اليقين إزاء مستقبل سوريا والجولان معاً، ويربط هذا التيار قبول الاندماج مع دولة الاحتلال بسبب ما حدث في يوليو مع أقاربهم في السويداء، إذ يرى هذا التيار أن دولة الاحتلال من الممكن أن تحميهم.

وقد حاول مركز سجل أن يرصد جانباً من هذا النقاش الجاري بالحديث مع شخصيات محلية في بلدات الجولان الأربعة.

تحدّث أنصار التيار الأول عن رفض التجنيس، لكن ليس بالضرورة بسبب التزام سياسي قوي بالموقف السوري، وفي الوقت نفسه، قد لا يرى في دولة الاحتلال عدواً سياسياً بالمعنى التقليدي، لأنه يتعامل يومياً مع مؤسساتها ويعتمد عليها اقتصادياً وخدماتياً. بالنسبة إلى هذا التيار، المشكلة الأساسية هي غياب البديل الواضح، إذ يرى أن سوريا ليست في وضع يسمح للسكان ببناء توقعات مستقرة بشأن المستقبل، بينما يمثّل الاحتلال الواقع الفعلي الذي يعيشون داخله، لذلك قد يفضل هؤلاء المحافظة على الوضع القائم بدلاً من اتخاذ خطوة يصعب التراجع عنها.

وقد يظهر هذا الموقف خصوصاً في العلاقة مع السويداء، فمن الممكن أن يكون الشخص مهتماً بأوضاع أقاربه هناك، وأن يقدم لهم دعماً مالياً أو إنسانياً، وأن ينتقد الحكومة السورية، من دون أن يستنتج من ذلك أن الحل هو الانضمام السياسي إلى دولة الاحتلال، بمعنى آخر، التعاطف مع السويداء لا يتحول تلقائياً إلى موقف سياسي لتأييد دولة الاحتلال.

وينطوي هذا الرفض أيضاً على عاملين آخر هما الخوف من التجنيد الإجباري والرفض بالانضمام الكامل لدولة الاحتلال، مرةً أخرى دون أن يتحوّل ذلك إلى تأييد للحكومة السورية.

وهذا التيار ربما يكون الأكثر حساسية للتطورات الإقليمية، فإذا أصبحت سوريا أكثر استقراراً، فقد يميل بعض أفراده إلى التشبّث أكثر بالهوية السورية؛ وإذا استمر عدم الاستقرار لسنوات طويلة، فقد يصبح التجنيس خياراً أكثر جاذبية للأجيال الشابة.

ويتلقى هذا التيار انتقادات واسعة داخل الجولان وفي السويداء، إذ يتهم مناصري الزعيم الروحي للطائفة في السويداء حكمت الهجري، أن هذا التيار يدعم الحكومة السورية وينكر ما حصل في يوليو الماضي.

الزعيم الروحي لطائفة الدروز في السويداء، حكمت الهجري  | مصدر الصورة: غيتي

أولوية الاستقرار والمصلحة الفردية

ينظر التيار الثاني ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة يتقاطع معها سؤالان. الأول هو: “ما الموقف التاريخي من قضية الجولان”، والسؤال الثاني هو سؤال المعيشة والاستقرار والحقوق الفرص. 

يرى هذا التيار أن الواقع السياسي لسوريا يجعل من الصعب بناء قرار شخصي على افتراضات مستقبلية غير مؤكّدة، فالسكان يعيشون فعلياً ضمن النظام القانوني والاقتصادي لدولة الاحتلال منذ عقود، وأبناؤهم يتعلّمون ويعملون ضمن مؤسساتها.

ومن هذا المنطلق، قد تصبح الجنسية بالنسبة إلى بعضهم وسيلة لتثبيت وضع قانوني قائم بالفعل، وليس بالضرورة تعبيراً عن تحول أيديولوجي.

كما أن هذا الاتجاه قد يركّز على قضايا عملية مثل فرص العمل، والتعليم الجامعي، وحرية الحركة، والوصول إلى المؤسسات الحكومية، والحقوق السياسية، ومستقبل الأبناء، وفي هذه القراءة، يصبح رفض الجنسية لأسباب سياسية تاريخية أقل إقناعاً بالنسبة إلى جيل لم يعش مثلاً أحداث 1982 بصورة مباشرة.

لكن البراغماتية هنا لا تعني بالضرورة تبنّي موقف سياسي كامل، فقد يكون الشخص مؤيداً للحصول على الجنسية لأنه يراها مفيدة قانونياً، مع احتفاظه بهوية درزية وعربية وسورية، أو حتى مع استمرار اعتقاده بأن وضع الجولان السياسي محل نزاع. والبراغماتية، كما تقدّم، حاضرةٌ أيضاً في تفكير التيار الأول، فالتجنيس يرافقه تجنيدٌ إلزامي.

كيف تطور الموقف عبر ثلاث محطات؟

قبل سقوط الأسد، لم يكن الجولان قادراً على إنتاج حراك مشابه لاحتجاجات السويداء التي انطلقت في أغسطس 2023، بسبب وجوده تحت سيطرة الاحتلال، لكن قطاعات واسعة من سكانه تابعت هذا الحراك بتعاطف واضح، فيما ظل الهاجس الأمني الأكبر آنذاك هو تمدّد النفوذ الإيراني والميليشيات المرتبطة به في القنيطرة المجاورة، لا نظام دمشق نفسه بالضرورة.

كان الموقف السائد أقرب إلى معارضة سياسية للأسد، مقرونة بخشية من أن يؤدّي سقوطه الفوضوي إلى فراغ يستغله فاعلون أكثر خطورة على الجولان تحديداً.

أهالي قرية مجدل شمس في الجولان السوري المحتل بمظاهرة لدعم الحراك الثوري لمدينة السويداء السورية والمطالبة بإسقاط نظام الأسد – 13 يونيو 2020 

ومع سقوط الأسد، تغير السؤال من “كيف نساند إسقاط النظام؟” إلى “من الذي سيحكم الجنوب السوري، وهل يمكن الوثوق به؟”.

هنا بدأ جزء من سكان الجولان يعيد النظر في علاقته بالسلطة الجديدة في دمشق، ليس من موقع الخضوع له، فهم أصلاً خارج سيطرتها، بل من موقع المراقب الذي يقيّم مدى قدرتها على حماية بقية الدروز في سوريا، وهو ما يمسّه مباشرة عبر شبكة القرابة الممتدة بين الجولان والسويداء.

أما أحداث يوليو 2025 في السويداء، فكانت المحطة الأكثر حسماً، ففي 16 يوليو، عبر عشرات من سكان الجولان السياج الحدودي باتجاه سوريا بعد دعوات من ناشطين ومحليين لمساندة دروز السويداء، ووثّقت وكالات، منها الأسوسيتد برس، مشاهد لسكان دروز من الجولان وفدوا إلى الشريط الحدودي للتعبير عن دعمهم لدروز السويداء.

بعد هذه اللحظة، توسّع الانخراط الجولاني في قضية السويداء عبر قنوات إنسانية، مساعدات طبية وغذائية أرسلها المجتمع المحلي في الجولان إلى السويداء، مع تقارير عن نقل بعضها عبر سلاح جو الاحتلال الإسرائيلي بسبب صعوبة الوصول البري، لكن هذا الانخراط الإنساني لم يُترجم بصورة موحدة إلى موقف سياسي واحد، فبعض من ساند السويداء ميدانياً وإنسانياً بقي في الوقت نفسه رافضاً للتجنيس والاحتلال، بينما وجد آخرون في تدخل الاحتلال لصالح السويداء تعزيزاً لمنطق أن “الحماية الفعلية” تأتي اليوم من دولة الاحتلال لا من دمشق.

يمكن القول إذاً إن أحداث يوليو مثّلت نقلة نوعية وليست مجرد استمرار تدريجي، لكنها نقلة لم تسر في اتجاه واحد، عمّقت لدى البعض الشعور بأن التقارب مع دولة الاحتلال بات ضرورة عملية، وعمّقت لدى آخرين القناعة بأن التجنيس تحديداً، بخلاف التضامن الإنساني، خط لا يجوز تجاوزه، لأنه يحوّل الحماية المؤقتة إلى انتماء دائم.

التجنيس الاختبار العملي للانقسام

لا توجد قضية تكشف هذا الانقسام بوضوح مثل التجنيس الإسرائيلي، فبحسب البيانات الواردة في المصدر، تقدم 5,766 درزياً من الجولان بطلبات للحصول على الجنسية الإسرائيلية بين عام 2024 والنصف الأول من عام 2026؛ إذ شملت 572 طلباً في عام 2024، و3,750 طلباً في عام 2025، و1,444 طلباً في النصف الأول من عام 2026، مقارنة بأعداد كانت تتزايد تدريجياً من أرقام أحادية إلى مئات سنوياً في السنوات السابقة.

ومع عام 2026، ارتفعت نسبة التجنيس الإجمالية لتصل إلى 44% من سكان الجولان الدروز بعد أن كانت 20% فقط حتى عام 2023، فيما تشير شهادات السكان إلى أن نحو نصف أهالي مجدل شمس (50%) – أكبر البلدات الأربع وتاريخياً معقل الرفض – قد حصلوا على الجنسية الإسرائيلية.

مجدل شمس على سفح جبل الشيخ بإقليم البلان في الجولان السوري المحتل | مصدر الصورة: غيتي

وتُفشي هذه الأرقام مؤشّراً على تحوّل في تعريف الجنسية نفسها بالنسبة لجزء من المجتمع، فبالنسبة إلى من اختار التجنّس، يمكن النظر إلى الجنسية باعتبارها أداة حماية وحقوق عملية لا موقفاً سياسياً، إذا كانت دولة الاحتلال هي السلطة الفعلية على الأرض، وإذا كانت هي التي تدخلت لحماية الأقارب في السويداء، فإن الحصول على جنسيتها يبدو لبعض الشباب خطوة عملية تحسّن شروط عملهم وتنقلهم وحقوقهم، لا تنازلاً عن الهوية.

في المقابل، يرى التيار الرافض أن التجنيس ليس إجراءً إدارياً بل قبولاً رمزياً وسياسياً بسيادة الاحتلال على أرضه، ويرتبط بهذا الرفض ملفان حساسان، أولهما التجنيد الإجباري، إذ يوجد فرق تاريخي بين غالبية الدروز داخل دولة الاحتلال في الكرمل والجليل الذين اندمجوا في منظومة الخدمة العسكرية منذ عقود، وبين دروز الجولان الذين حافظوا على رفض التجنيد كموقف هوياتي؛ وثانيهما التوسع الاستيطاني، حيث يخشى قسم من السكان أن يتحوّل التجنّس التدريجي إلى تمهيد لتوسع المشاريع الاستيطانية على حساب أراضي القرى الدرزية ومحيطها الزراعي، خصوصاً مع الخطوات البارزة التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي في هذا الملف، أي التوسّع الاستيطاني في الجولان، خلال عام 2026. فكان من ذلك مثلاً اعتماد خطة في الكنيست لبناء مستوطنة قسرين، وتصريحات وزير المالية في دولة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش (בצלאל סמוטריץ’)  بأن عام 2026 سيشهد ثورة استيطانية على مستوى الضفة الغربية والجولان.

ومن هنا يظهر موقف قد يبدو متناقضاً للوهلة الأولى لكنه في الواقع منطقي داخلياً، جولاني يؤيد تدخل الاحتلال لحماية أقاربه في السويداء، لكنه يرفض في الوقت نفسه الجنسية والتجنيد والاستيطان، فهو يميّز بوضوح بين الاحتلال كقوة حماية ظرفية لأقاربه في سوريا، وكدولة يريد أن ينتمي إليها قانونياً وسياسياً هو شخصياً على أرضه.

نظرة سكان الجولان إلى ملف الجولان في عهد الحكومة السورية الجديدة

يتقاطع هذا كله مع سؤال رابع، كيف ينظر سكان الجولان، ومن بينهم الدروز، إلى تعامل الحكومة الجديدة مع ملف الجولان نفسه؟ وهنا تكمن مفارقة مهمة، فالذين ينتقدون الحكومة السورية الجديدة بشدة بسبب اعتقادهم أنها فشلت في حماية السويداء أو بسبب خلفيتها السياسية، لا ينتقلون تلقائياً إلى تبنّي رواية الاحتلال القائلة إن الجولان أصبح أرضاً تتبع له بحكم الأمر الواقع، كثيرون منهم يفصلون بوضوح بين نقد أداء دمشق ورفض شرعية الاحتلال.

جزء من هذا التيار يرى أن الحكومة السورية الجديدة مطالبة أولاً بأن تثبت أنها تمثل كل السوريين بمن فيهم الدروز، قبل أن يكون لخطابها عن استعادة الجولان أي مصداقية شعبية، أما التيار الآخر فيرى أن الواقع تغيّر بصورة جذرية، فسوريا الجديدة لا تستطيع حتى الآن فرض سيادتها الكاملة على جنوب البلاد، بينما جيش الاحتلال الإسرائيلي موجود ميدانياً داخل المنطقة العازلة ومحيطها، وهو ما يقوّي عملياً حجة المؤيدين للتجنس القائلة: “إذا كانت دمشق عاجزة، فلماذا نرفض الاستفادة من الدولة التي تحكمنا فعلياً؟”.

ويرد الرافضون بأن هذا المنطق يحوّل الاحتلال المؤقت إلى قدر دائم، وأن ضعف الدولة السورية الحالي ظرف عابر، بينما قرار التجنّس يصعب التراجع عنه سياسياً ورمزياً بعد اتخاذه.

هذا التقاطع بين الموقف من دمشق والموقف من التجنيس هو ما يجعل النقاش الجولاني اليوم أكثر تركيباً من ثنائية “مع سوريا أو مع إسرائيل”، فمعارضة الحكومة السورية لا تعني تلقائياً تأييد الضم، وتأييد التدخل الإسرائيلي في السويداء لا يعني تلقائياً القبول بالتجنس في الجولان.

المفارقة الأساسية التي يعيشها الجولان اليوم هي أن كل ضعف تُظهره دمشق في حماية الدروز يزيد من جاذبية الخيار الإسرائيلي بالنسبة لبعض السكان، بينما كل توسّع في الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري يعزز مخاوف آخرين من أن تتحول “الحماية” إلى “نفوذ دائم” ثم إلى “ضم واقعي”، وبين هذين القطبين تقف الغالبية الجولانية في منطقة رمادية، تساند أقاربها في السويداء إنسانياً، تنتقد حكومة الحكومة السورية بلا مواربة، وتؤجّل حسم موقفها من التجنيس بانتظار ما ستؤول إليه معادلة الجنوب السوري بأكملها.

وبالنسبة لأهالي الجولان السؤال الذي سيحدد مستقبل الجولان ليس ببساطة “من يحكم دمشق؟”، بل، هل يمكن لدرزي الجولان أن يظل سورياً بالهوية، مستفيداً من حماية “إسرائيلية ظرفية”، من دون أن ينزلق تدريجياً، بفعل الوقت لا بفعل قرار واحد، إلى أن يصبح إسرائيلياً بالجنسية والانتماء؟ أم أن فشل الدولة السورية مستقبلا وتغيّر البيئة الإقليمية سيجعلان هذا الفصل بين “الحماية” و”الانتماء” أصعب فأصعب مع كل عام يمر؟