- يضع تقرير معهد ألما دور قطر في سوريا ولبنان ضمن استراتيجية موحدة، متجاهلاً الفروق البنيوية؛ فالنشاط في سوريا استثماري تجاري عبر ائتلافات دولية للطاقة والخدمات، بينما في لبنان يركز على دعم مؤسسات الدولة المتعثرة كرواتب الجيش وإعادة إعمار الجنوب.
- يستشهد التقرير بنسبة 43% من التعهّدات الاستثمارية في سوريا كدليل على الهيمنة القطرية، لكنه يتجاهل أن مذكرات التفاهم لا تعني عقوداً منفذة، فضلاً عن كونها ائتلافات مشتركة تضم شركات تركية وأميركية وليست قطرية خالصة.
- : يختزل التقرير الشراكة الإقليمية في صيغة تفترض أن قطر تجلب المال وتركيا تجلب القوة، متغافلاً عن تشابك المصالح الذي يضم أطرافاً أميركية وأذربيجانية وأردنية، ومحاولات دمشق لتنويع شركائها لتقليص الاعتماد التاريخي على إيران وروسيا.
- يربط التقرير بين تمويل إعمار القرى الجنوبية وتقوية نفوذ حزب الله عبر تخفيف العبء الاجتماعي والمالي عنه، دون تقديم أي أدلة أو تتبع مالي يثبت تدفق الأموال مباشرة للحزب أو تجاوزها لرقابة وقنوات الدولة الرسمية.
- يقع الاستنتاج الأمني في خلط بين مستويات متباينة تشمل التمويل المباشر، واستحواذ مؤسسات الحزب على التنفيذ، والاستفادة السياسية غير المباشرة، واستفادة المدنيين في مناطق نفوذه، مفترضاً أن أي تحسين لمعيشة السكان يصب حتماً في خدمة السلاح.
- يكشف التقرير عن قراءة إسرائيلية تُخضع الاستثمار العربي والتركي في البنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء والمطارات والمصارف لعدسة الاشتباه الأمني، بدلاً من النظر إليها كفرص لإعادة تأهيل الدولة والخدمات وتأهيل اندماجها المالي.
- تعكس المادة قلقاً إسرائيلياً أوسع حيال تشكل نظام إقليمي جديد؛ فرغم رغبة تل أبيب في تراجع حضور طهران وموسكو في سوريا، فإن ملء الفراغ برأس مال عربي وتركي يثير مخاوف جديدة لعدم قدرتها على التحكم في هذه الشبكات الاقتصادية الصاعدة.
مقدمة
في ورقته الأخيرة التي نشرها معهد ألما بتاريخ 31 أغسطس، يحاول الباحث ياكوف لابين (יעקב לפין)، الذي يعمل باحثاً في مركز بيجين والسادات للدراسات الاستراتيجية (بيسا) في جامعة بار إيلان (אוניברסיטת בר-אילן) في تل أبيب، أن يؤلّف بين حقائق مختلفة عن الدور القَطَري في سوريا ولبنان، بدءاً من مشروعات الكهرباء والغاز والمطارات، مروراً بدعم رواتب الموظفين السوريين وعناصر الجيش اللبناني، وصولاً إلى إعادة إعمار بلدات الجنوب ومحاولات الوساطة بين لبنان وإسرائيل. تمنح كثافة الأرقام والتواريخ التي يُوردها التقرير مظهراً توثيقياً قوياً، إلا أن النتيجة المركزية التي يصل إليها لا تنشأ مباشرة من هذه المعطيات.
يبدأ التقرير من حقيقة قابلة للإثبات، وهي أن قطر وسّعت حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في البلدين، ثم ينتقل إلى تقدير أكثر تعقيداً يفترض أن هذا الحضور يمنح الدوحة نفوذاً بنيوياً على مؤسسات الدولة، وينتهي إلى التحذير من أن الأموال القطرية قد تساعد حزب الله على تثبيت منظومة قوته، وبين الحضور والنفوذ وتمكين الحزب توجد درجات مختلفة لا يفصّل التقرير بينها بما يكفي.
في سوريا، يستند النص إلى مذكرات تفاهم ومشروعات معلنة تقودها شركات تضم أطرافاً قطرية وتركية وأميركية، ثم يعيد تقديمها بوصفها أدوات تتيح للدوحة السيطرة على البنية الأساسية للدولة الجديدة. وفي لبنان، يبدأ من مساعدات معلنة للجيش والمؤسسات الرسمية وإعادة إعمار مناطق متضررة، قبل أن يفترض أن وصول الخدمات إلى البيئة الجنوبية يخفّف الكلفة الاجتماعية عن حزب الله، ومن ثم يساعده على الاحتفاظ بسلاحه.
هذه العلاقة ممكنة من الناحية النظرية، إلا أن إثباتها يحتاج إلى تتبع مسار الأموال والجهات المنفذة والمستفيدين وآليات الرقابة، وإلى بيان ما إذا كان الحزب قد استحوذ على التمويل أو وجّه توزيعه أو حصل على رصيد سياسي بسببه. ولا يقدّم التقرير حلقة وسيطة تربط بين ما يُورده من حقائق وما يدعيه من نتائج، بل يستعيض عنها باستنتاجات أمنية تجعل احتمال الاستفادة غير المباشرة قريباً من معنى الدعم الفعلي.
تنبع أهمية المادة، لذلك، من مستويين مختلفين، فهي تقدم خريطة أولية لحجم الانخراط القطري، وتكشف في الوقت نفسه الطريقة التي تقرأ بها بعض مراكز الأبحاث الإسرائيلية عودة رأس المال العربي إلى سوريا ولبنان. وبدلاً من النظر إلى الاستثمار وإعادة الإعمار باعتبارهما عمليتين تحملان فرصاً ومخاطر متزامنة، يخضعهما التقرير لعدسة أمنية تبدأ بالسؤال عن النفوذ وتنتهي بالسؤال عن المستفيد المسلح.
أولاً: جمع ساحتين مختلفتين داخل استراتيجية قطرية واحدة
يضع التقرير سوريا ولبنان داخل إطار تحليلي واحد، مع أن طبيعة النشاط القطري في كل منهما مختلفة. ففي سوريا، تدخل الدوحة إلى دولة خارجة من نزاع طويل وتحتاج إلى إعادة بناء قطاعات الكهرباء والنقل والمياه والمصارف، وتتحرّك من خلال اتفاقات رسمية مع الحكومة وائتلافات تضم شركات من دول متعددة. أما في لبنان، فيأتي التدخّل داخل دولة تعاني أزمة مالية مزمنة، وتواجه مؤسساتها العسكرية والأمنية صعوبة في دفع الرواتب والمحافظة على جاهزيتها، بينما يحتاج الجنوب إلى إعادة إعمار واسعة بعد جولات متتالية من المواجهة.
لا يشكّل وجود قطر في الساحتين دليلاً بذاته على أنهما جزء من خطة موحدة، فقد تكون الدوحة مدفوعة في سوريا باعتبارات الاستثمار والنفوذ السياسي والمنافسة الإقليمية، بينما تتحرّك في لبنان للحفاظ على موقعها كوسيط وداعم تقليدي للمؤسسات الرسمية، ويمكن أن تلتقي هذه الاعتبارات ضمن سياسة خارجية واحدة، إلا أن إثبات ذلك يتطلّب وثائق أو تصريحات أو نمطاً من الشروط المتكررة ومحاججة تؤطّر ذلك وتوضّح كيف تربط قطر بين ملفاتها السورية واللبنانية.
لا يقدّم التقرير مثل هذا الرابط، وهو ينتقل من مشروعات الطاقة في دمشق إلى رواتب الجيش اللبناني، ثم إلى إعمار قرى الجنوب، وكأن تعدّد مجالات التدخل يثبت وجود استراتيجية متماسكة ذات نتيجة أمنية محددة، وقد يكون التوسع بحد ذاته مؤشراً على طموح قطري واضح، لكنه لا يحدد تلقائياً اتجاه هذا الطموح أو الجهة التي ستستفيد منه في المدى الطويل.
تظهر المشكلة أيضاً في استخدام مفهوم “النفوذ” بمعنى واسع، فتمويل مشروع والمشاركة في ائتلاف تجاري، وتقديم منحة، ورعاية حوار غير مباشر، كلها تمنح الدولة الممولة قدراً من الحضور والعلاقات، لكنها لا تنتج المستوى نفسه من القدرة على التأثير. يحتاج تقييم النفوذ إلى معرفة الحقوق التعاقدية وملكية الأصول وآليات اتخاذ القرار وشروط التمويل ومدته، وليس إلى جمع القيمة الاسمية للمشروعات في رقم واحد.
ثانياً: مذكرة التفاهم ليست استثماراً منفذاً
يعتمد التقرير على تقدير يفيد بأن الحكومة السورية وقّعت نحو أربعين مذكرة تفاهم مع جهات خليجية وتركية، بقيمة تعهدات معلنة تبلغ نحو 25.9 مليار دولار. ويشير إلى أن ائتلافاً قطرياً-تركياً-أميركياً تقوده شركة “UCC Holding” مسؤول عن مذكرتين بقيمة تقارب 11 مليار دولار، أي نحو 43٪ من مجمل الالتزامات المعلن عنها.
يعطي هذا الرقم انطباعاً بأن قطر أصبحت تهيمن على حصة كبيرة من الاستثمار الخارجي في سوريا، مع أن طبيعة الرقم أكثر تعقيداً. فمذكّرة التفاهم لا تعني بالضرورة إغلاق التمويل أو بدء التنفيذ أو إنفاق القيمة المعلنة.، ومن الممكن أن تبقى المشروعات في مرحلة التفاوض، أو تتغيّر تكلفتها ومكوناتها، أو تتأخر بسبب الظروف القانونية والتمويلية والفنية. كما لا يوضح التقرير مقدار ما جرى تحويله فعلياً، ولا نسبة الإنجاز في كل مشروع، ولا ما إذا كانت المبالغ تمثل منحاً أو قروضاً أو استثمارات مقابل حصص وامتيازات تشغيل. كما لا يحدد حصة الشركة القطرية داخل الائتلافات مقارنة بالشركات التركية والأميركية، ثم ينسب القيمة الكاملة للمذكرتين إلى الحضور القطري.
يظهر هذا الخلط في مشروعات الكهرباء ومطار دمشق. فالاتفاق الخاص ببناء أربع محطات كهرباء ومزرعة للطاقة الشمسية يضم شركة أميركية وشركتين تركيتين إلى جانب الجهة القطرية، كما تشارك شركات تركية كبيرة في مشروع المطار، ومع ذلك ينتقل النص من قيادة “UCC” للائتلاف إلى الحديث عن قدرة قطر على ترسيخ حضور طويل الأمد في الأصول الأساسية للدولة السورية، من دون بيان بنية الملكية أو توزيع المخاطر والعوائد بين الأطراف.
يستفيد التقرير من رقم 43٪ لإظهار حجم التركّز، إلا أن هذا الرقم يقيس نسبة مذكرتين إلى مجموعة محددة من التعهدات المعلنة، ولا يقيس حصة قطر من الاقتصاد السوري أو من مجمل الاستثمارات المنفذة، ولا يشمل الرقم بالضرورة تمويل المؤسسات الدولية أو الاستثمارات السورية الخاصة أو الإنفاق الحكومي أو المشروعات التي لم تعلن قيمتها.
ثالثاً: من تمويل البنية الأساسية إلى افتراض السيطرة عليها
يصف التقرير الاستثمارات في الكهرباء والغاز والطيران والمصارف بأنها محاولة قطرية للتحوّل إلى شريك لا يمكن للحكومة السورية الاستغناء عنه، ويذهب أبعد من ذلك حين يتحدث عن رغبة الدوحة في “السيطرة” على أصول البنية الأساسية أو تثبيت وجود طويل الأمد داخلها. هذا ويمثل الاستثمار في قطاعات حيوية مصدراً محتملاً للنفوذ، إذ يمكن للدولة أو الشركة الممولة أن تؤثّر في شروط التشغيل والتسعير والتوسع، وأن تبني شبكة واسعة من العلاقات مع المؤسسات الحكومية. إلا أن وجود هذا الاحتمال لا يثبت حصول السيطرة، فالنتيجة تتوقف على طبيعة العقود، وملكية الأصول، والمدة الممنوحة للمشغل، ونظام الرقابة، وقدرة الدولة السورية على تغيير الشريك أو تنويع مصادر التمويل. ولا يقدم التقرير معلومات عن هذه الجوانب، كما لا يوضح ما إذا كانت المشروعات ستبقى مملوكة للدولة السورية، أو ستعمل بنظام البناء والتشغيل ثم نقل الملكية، أو ستمنح المستثمرين حقوقاً طويلة الأجل. ومن دون هذه البيانات، تبقى عبارة “السيطرة على البنية الأساسية” وصفاً سياسياً أوسع مما تسمح به المعلومات الاقتصادية المتاحة.
يمكن قراءة الوقائع نفسها بطريقة أخرى. فسوريا التي تعاني نقصاً حاداً في الكهرباء والتمويل تحتاج إلى استثمارات لا تستطيع الموازنة العامة توفيرها، ومن الممكن أن يتيح تعدد الشركات القطرية والتركية والأميركية تقليص الاعتماد الذي نشأ سابقاً على روسيا وإيران. كما أن تمويل رواتب الموظفين لفترة محدودة أو دعم توريد الغاز يساعد الحكومة على استعادة الخدمات، من دون أن يعني بالضرورة نشوء تبعية دائمة.
لا يناقش التقرير هذا الاحتمال بجدية، ولا يقارن بين المخاطر المترتبة على التمويل القطري وبين البدائل المتاحة أمام دمشق. فإذا كان رفض رأس المال القطري يعني بقاء قطاعات الكهرباء والمياه والمطارات معطلة أو العودة إلى التمويل الروسي والإيراني، يصبح تقييم النفوذ مرتبطاً بالسؤال عما إذا كانت الشروط القطرية أكثر تقييداً من شروط المنافسين، وهو سؤال لا تجيب عنه المادة.
ينطبق الأمر نفسه على تعاون صندوق قطر للتنمية في تقييم القطاع المالي والمصرفي السوري، ويعرض التقرير هذه الخطوة ضمن مسار تغلغل قطري في الوظائف الأساسية للدولة، مع أنها قد تندرج أيضاً في إعادة تأهيل قطاع معزول ومتضرر وتحضيره للاندماج في النظام المالي الدولي، ولا يمكن الاختيار بين التفسيرين من دون معرفة مضمون المشروع والجهات الرقابية والمعايير التي سيعتمدها.
رابعاً: “قطر تمول وتركيا تنفذ” اختزال يتجاوز الوقائع
يلخّص التقرير التعاون بين الدوحة وأنقرة بعبارة تقول إن قطر تجلب المال وتركيا تجلب القوة، ولكن هذه العبارة تختزل شبكة أكثر تعقيداً من المصالح والفاعلين، فالمشروعات المذكورة لا تجمع قطر وتركيا وحدهما، بل تشمل شركات أميركية، وغازاً أذربيجانياً، ومؤسسات سورية، ومسارات تمر عبر الأردن وتركيا.
تفترض العبارة وجود تقسيم عمل استراتيجي متفق عليه، تتولى قطر ضمنه التمويل بينما توفر تركيا الحماية والقدرة اللوجستية والتنفيذية، ويملك البلدان بالفعل علاقات سياسية واقتصادية وثيقة، كما أن الحدود التركية والشركات والخبرات المتاحة في تركيا تجعل دورها أساسياً في إعادة الإعمار. إلا أن التقرير لا يقدم وثيقة مشتركة أو آلية تنسيق توضح أن المشاريع جزء من خطة ثنائية متكاملة لإعادة تشكيل سوريا. ويفترض النص أن أحد أهداف التعاون تقليص المساحة المتاحة لروسيا وإيران وربط الاقتصاد السوري بطرق الطاقة والتجارة التركية. يبدو هذا التقدير معقولاً في ضوء التحولات التي أعقبت سقوط نظام الأسد، لكنه يظل استنتاجاً يحتاج إلى التمييز بين النتيجة والقصد، فقد تؤدي المشروعات القطرية والتركية فعلياً إلى تراجع الدورين الروسي والإيراني، من دون أن يكون هذا الهدف الوحيد أو حتى الرئيس لجميع الأطراف المشاركة. كما يغيب عن هذه القراءة دور الحكومة السورية نفسها، فتظهر دمشق في التقرير باعتبارها ساحة تتنافس القوى الخارجية على بنيتها الأساسية، ولا تظهر كفاعل يحاول تنويع الشركاء والحصول على التمويل وإعادة الخدمات. قد تكون قدرة الحكومة التفاوضية محدودة بسبب حاجتها إلى رأس المال، لكن ضعفها لا يعني انعدام إرادتها أو اختزال المشروعات في خطة قطرية-تركية مفروضة عليها.
تكشف صياغة التقرير هنا مفارقة أوسع في الرؤية الإسرائيلية لسوريا الجديدة. فمن جهة، يمثل تراجع النفوذ الإيراني والروسي هدفاً يتوافق مع مصالح إسرائيل المعلنة، ومن جهة أخرى يتحول دخول رأس المال القطري والشركات التركية إلى مصدر قلق جديد، وبذلك لا يؤدي خروج الفاعلين السابقين إلى قبول إعادة بناء الدولة، بل إلى نقل الاشتباه نحو الشركاء القادرين على ملء الفراغ.
خامساً: كيف ينتقل التقرير من إعمار الجنوب إلى تقوية حزب الله؟
يمثل هذا الانتقال الحلقة الأضعف في المادة، حيث يذكر التقرير أن قطر خصصت مئات ملايين الدولارات لإعادة إعمار بلدات في جنوب لبنان، ثم يرى أن وصول الأموال إلى مناطق ذات حضور شيعي يساعد حزب الله على تثبيت قوته، حتى إذا لم يحصل التنظيم على الأموال مباشرة. تقوم هذه النتيجة على سلسلة من الافتراضات، فيفترض التقرير أن الأموال تمر خارج رقابة الدولة، وأن حزب الله وحركة أمل قادران على التأثير في اختيار المستفيدين والمتعهدين، وأن السكان ينسبون الخدمات إلى الحزب، وأن تخفيف آثار الحرب يقلص الضغط الاجتماعي المطالب بالتخلي عن السلاح. كل واحدة من هذه الفرضيات قابلة للبحث، لكن التقرير لا يقدم بيانات تسمح بتثبيتها.
لا يعرض النص وثائق تبين تحويل أموال إلى حزب الله أو إلى مؤسسة “جهاد البناء”، ولا يحدد أسماء متعهدين مرتبطين بالتنظيم، ولا يبين كيف جرى اختيار المستفيدين أو توزيع التمويل بين المجالس المحلية والوزارات والمنظمات. كما يؤكد غياب الرقابة اللبنانية بصيغة قاطعة، من دون أن يشرح نظام التنفيذ أو التدقيق الذي استند إليه في هذا الحكم. ولاحقاً تتغير طبيعة الادعاء خلال التقرير، ففي البداية يقول الكاتب إن الأموال القطرية «قد» تساعد حزب الله، وهو تقدير احتمالي مشروع، ثم يتحدث لاحقاً عن أن التمويل يصل إلى القرى مباشرة ويتجاوز الدولة، وأن الحزب سيكون في الواجهة في جميع الأحوال. وبذلك يتحول الاحتمال إلى نتيجة شبه محسومة من دون تقديم أدلة إضافية.
كما يخلط التقرير بين أربعة مستويات مختلفة: التمويل المباشر للحزب، واستحواذ مؤسساته على تنفيذ المشروعات، واستفادته السياسية غير المباشرة، واستفادة المدنيين الموجودين في مناطق نفوذه. لا تحمل هذه المستويات المعنى نفسه، ولا يكفي إثبات أحدها لإثبات البقية.
يمكن لحزب الله أن يحاول الحصول على رصيد سياسي من إعادة الإعمار، أو أن يستفيد من تخفيف الغضب داخل بيئته، من دون أن يعني ذلك أن المانح يموله أو يدعم استمرار سلاحه. وعلى العكس، يمكن لبرامج إعادة الإعمار التي تنفذها الدولة بشفافية أن تقلل اعتماد السكان على مؤسسات الحزب الموازية، وتستعيد جزءاً من وظائف الخدمات التي استخدمها لتثبيت حضوره الاجتماعي. فيما يتجاهل التقرير هذا الاحتمال، مع أنه حاسم في تقدير النتيجة. فإذا جرى تمويل المنازل والمياه والكهرباء من خلال مؤسسات رسمية وآليات معلنة، يمكن للمساعدات أن توسع حضور الدولة في مناطق ظل الحزب يقدم نفسه فيها بديلاً عنها. أما إذا تولت شبكات مرتبطة بالأحزاب اختيار المستفيدين وتنفيذ العقود، فقد يتحول التمويل بالفعل إلى مورد يعزز منظومتها المدنية. الفارق لا تحدده جغرافيا المساعدة وحدها، بل الجهة التي تديرها.
تثير المادة أيضاً مسألة ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح، فالتقرير يعتبر أن المساعدات غير المشروطة بتفكيك البنية العسكرية قد تخفّف الكلفة الاجتماعية المترتبة على احتفاظ الحزب بسلاحه. غير أن اشتراط حصول المدنيين المتضررين على السكن والمياه والكهرباء بإنجاز مسار سياسي وأمني لا يملكون التحكم فيه يحمّلهم مسؤولية قرارات التنظيم.
سادساً: المصادر لا تحمل الوزن نفسه
يستند تقرير “ألما” إلى مصادر متعددة، تشمل تصريحات رسمية وبيانات صناديق تنمية وتقديرات شركة بحثية سورية، إلى جانب تحليلات صادرة عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومعهد القدس للاستراتيجية والأمن، وتقارير لبنانية من بينها صحيفة “الأخبار”. فيما لا يميز النص دائماً بين ما تثبته المصادر الأولية وما تقدمه مراكز الأبحاث من تقديرات. فتحذير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات من مخاطر تمويل الإرهاب في ظل ضعف الرقابة يثبت وجود قلق يتعلّق بآليات المتابعة، لكنه لا يثبت وقوع تمويل إرهابي. كما أن تحليل معهد إسرائيلي لدوافع قطر في لبنان يظل تقديراً سياسياً يحتاج إلى مصادر مستقلة تؤكد الوقائع التي يقوم عليها.
يستخدم التقرير صحيفة “الأخبار” لإثبات وجود مبادرة وساطة قطرية، ثم يصفها بأنها منبر مركزي لحزب الله. قد تكون الصحيفة مصدراً مهماً لفهم ما يدور داخل البيئة القريبة من الحزب، إلا أن الاستناد إليها يتطلب الفصل بين المعلومات التي تقدمها وبين الرسائل السياسية التي تريد إيصالها. فيما توجد مشكلة أخرى في طريقة تصنيف الأرقام، فالتقرير يضع التعهدات ومذكرات التفاهم والمنح والمخصصات المالية والمشروعات المنفذة داخل سردية كمية واحدة، رغم أن لكل منها درجة مختلفة من اليقين. وكان من الضروري توضيح ما أُعلن فقط، وما جرى توقيعه تعاقدياً، وما حصل على التمويل، وما بدأ تنفيذه، وما اكتمل بالفعل.
ينطبق ذلك خصوصاً على المبالغ المخصصة لإعمار الجنوب اللبناني، فالإعلان عن تخصيص مئات الملايين لا يعني أن الأموال حُولت أو أن المشروعات بدأت، كما أن ذكر مجموعة من البلدات لا يكشف آلية توزيع المبلغ بينها. ويحتاج إثبات الأثر على حزب الله إلى تتبع التنفيذ الفعلي، لا القيمة المعلنة وحدها.
وعلى الرغم من استخدام كلمة Mapping في العنوان، التي تُوحي بأننا سنرى خريطةً مرسومة لهذه الاستثمارات ومراميها وتوزّعها، لا يقدّم التقرير منهجاً واضحاً للرصد أو معياراً لتصنيف الأنشطة الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية. كما لا يقارن الحضور القطري بأدوار السعودية والإمارات وتركيا والولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت الدوحة فاعلاً استثنائياً أم واحداً من عدة مانحين يتنافسون على النفوذ.
التقرير جمع للمعلومات دون ربط واضح
يُبرز تقرير ألما أن قطر أصبحت فاعلاً مهماً في سوريا ولبنان، ففي سوريا تشارك جهات قطرية في بعض أكبر المشروعات المقترحة في الطاقة والطيران والبنية الأساسية، وتقدم الدوحة مساعدات مالية وفنية للحكومة الجديدة. وفي لبنان، حافظت على دعم الجيش، ووسعت نشاطها الإنساني، وحاولت اكتساب موقع في قنوات الوساطة الإقليمية. ما لا يثبته التقرير هو أن هذه الأنشطة تشكل استراتيجية موحدة هدفها التحكم في الدولتين أو تقوية حزب الله، فالقيمة المعلنة لمذكرات التفاهم لا تساوي استثمارات منفذة، وقيادة شركة قطرية لائتلاف متعدد الجنسيات لا تعني ملكية قطرية كاملة للمشروعات، وتمويل إعمار مناطق يوجد فيها حزب الله لا يثبت وصول الأموال إلى الحزب. فيما تعتمد النتيجة المتعلقة بلبنان على افتراض أن أي تخفيف لمعاناة السكان يقلص الضغط على حزب الله، ومن ثم يساعده على الاحتفاظ بسلاحه. ويمكن قبول هذا الاحتمال كفرضية تحتاج إلى الاختبار، لا كنتيجة مكتملة. فالأثر النهائي للمساعدة يتحدد عبر الجهة التي تدير التمويل، ومن يختار المستفيدين، ومن ينفذ العقود، وما إذا كانت مؤسسات الدولة أو شبكات الأحزاب هي التي تحصل على الرصيد السياسي.
يخلط التقرير بين الحضور والنفوذ والسيطرة، كما يخلط بين خطر تحويل الأموال ووقوع التحويل فعلاً، ويستخدم التحذيرات المتعلقة بضعف الرقابة لتأسيس اتهام لا يوفر له تتبعاً مالياً أو وثائق أو حالات موثقة.
تكشف المادة، في المقابل، عن قلق إسرائيلي أوسع من شكل النظام الإقليمي الذي يتكون بعد تراجع إيران وروسيا في سورية. فالفراغ لا يبقى فارغاً، ودخول قطر وتركيا إلى قطاعات الطاقة والنقل والتمويل يعني ظهور شبكات جديدة من المصالح لا تملك إسرائيل التحكم الكامل فيها. وفي لبنان، يثير النشاط القطري القلق لأنه يجمع بين الوصول إلى الدولة والقدرة على التواصل مع حزب الله والمشاركة في إعادة إعمار الجنوب. هذا القلق لا يكفي لإدانة النشاط القطري.
لا تحسم هوية المانح هذه النتائج، ولا تحسمها الجغرافيا الطائفية للمستفيدين، وإنما تحسمها بنية العقود ومؤسسات التنفيذ والشفافية وقدرة الدولة على فرض سلطتها. ومن هذه الزاوية، يقدم تقرير “ألما” مادة لفهم اتساع الحضور القطري، لكنه يحوّل مخاطر تستوجب الفحص إلى استنتاجات أمنية، ويرسم خريطة للمال من دون أن يقدم الأدلة الكافية لتحديد وجهته النهائية.





