لتحميل التقرير كاملاً من هنا
لتحميل الملخص التنفيذي من هنا
مقدمة
تكشف تطورات الأشهر الأخيرة في الجنوب السوري، وتحديداً في ملف الاستيطان في الجنوب، عن تقاطع متصاعد بين مسارين ظاهرهما منفصل: وتيرة متسارعة من محاولات التسلل التي تقوم بها حركة رواد الباشان، ومجموعة من القرارات التي انتهجتها حكومة الاحتلال لترسيخ الاستيطان، عبر خطط تنموية وهجرة منظمة، وحتى مشاريع عسكرية مموّهة بغطاء مدني مثل “سرية الأبقار”. ورغم أن الحركة لا تحظى، من الناحية الرسمية، بغطاء حكومي مباشر، فإن الحدود الفاصلة بين مبادراتها العفوية والسياسة الاستيطانية الرسمية باتت تتلاشى تدريجياً، مع امتلاكها لهامش أكبر من الدعم في الوسط السياسي الإسرائيلي.
تتناول هذه الإحاطة أنشطة حركة رواد الباشان خلال شهري يونيو ويوليو 2026، وتقاطعها المتنامي مع آخر تطورات ملف الاستيطان الإسرائيلي الرسمي، في ظل مؤشرات متزايدة على أن الخط الفاصل بين المبادرة الفردية والسياسة الرسمية أصبح رفيعاً وخطيراً في آن. وقد أصدر مركز سجل تحقيقاً موسّعاً عن الحركة في شهر مايو الماضي.
استمرار محاولات التسلل إلى الأراضي السورية
واصلت حركة رواد الباشان خلال شهر يوليو محاولات الدخول إلى الأراضي السورية، مع ملاحظة تطور واضح في طبيعة هذه المحاولات وحجمها. ففي 5 يوليو، حاول نحو 100 مستوطن من الحركة عبور خط فض الاشتباك شمال هضبة الجولان بهدف إقامة بؤرة استيطانية داخل الأراضي السورية، في أكبر محاولة عبور منذ بدء نشاط الحركة، وقد تبع ذلك نشر الحركة نفسها لمقطع فيديو يُظهر عملية اعتقال أعضاء الحركة على يد قوات أمن الاحتلال الإسرائيلي. وقد نشرت هيئة البث الإسرائيلية بعد ذلك بيوم، قيامها باعتقال ستة نشطاء قاموا بمحاولة التسلّل للأراضي السورية.

لقطة من فيديو نشرته حركة “رواد الباشان” يُظهر عددٍ من ناشطيها وهم يحاولون عبور خط فضّ الاشتباك لعام 1974 بهدف إقامة بؤرة استيطانية – 5 يوليو 2026
وبتاريخ 8 يوليو، أعلنت الحركة أن عدداً من ناشطيها صعدوا إلى منطقة جبل الشيخ وقضوا الليل فيما تصفه بـ”الباشان”، مشيرة إلى أنهم أبلغوا الجيش الإسرائيلي مسبقاً بتحرّكهم لتجنّب التعامل معهم باعتبارهم متسللين. وقد أعلنت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد ذلك بيوم، بتاريخ 9 يوليو، قيامها بمنع ناشطين من الوصول للأراضي السورية.
أما في 13 يوليو، فأعلنت الحركة أن اثنين من ناشطيها تمكنا من البقاء قرابة 24 ساعة داخل الأراضي السورية، بالقرب من أطراف قرية حضر في منطقة جبل الشيخ، وادعت أنهما بدآ بإنشاء “أول منزل” هناك. كما أجريا مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية من داخل المنطقة، أكدا خلالها أن حراك رواد الباشان يحظى بدعم عدد من أعضاء الكنيست، هم تسفي سوكوت (צבי סוכות) وليمور سون هار ملك (לימור סון הר מלך) عن حزبي الصهيونية الدينية (הציונות הדתית) وعوتسما يهوديت (עוצמה יהודית)، إضافة إلى نيسيم فاتوري (ניסים ואטורי) وتالي غوتليب (טלי גוטליב) من حزب الليكود (הליכוד).

ناشطان من حركة “رواد الباشان” بعد عبورهما الحدود داخل الأراضي السورية، بالقرب من قرية حضر في منطقة جبل الشيخ – 13 يوليو 2026
وفي اليوم نفسه، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه منع عدداً من المستوطنين في جنوب هضبة الجولان من العبور باتجاه الأراضي السورية.
تكرّرت هذه هذه المحاولات بعد ثلاثة أيام، بتاريخ 16 يوليو، عندما دخل عدد من المستوطنين إلى الأراضي السورية مقابل بلدة مجدل شمس المحتلة، وبقوا في المنطقة حتى اليوم التالي. وبعد عمليات تمشيط نفذها الجيش الإسرائيلي، عُثر عليهم ونُقلوا إلى مراكز الشرطة. وفي اليوم ذاته، وصل مستوطنون آخرون إلى جنوب هضبة الجولان، إلا أن قوات الاحتلال الإسرائيلي منعتهم من عبور الحدود، بحسب بيانٍ لها.
وفي 21 يوليو، عبرت مجموعتان من المستوطنين الشريط الفاصل إلى الأراضي السورية في محاولة لإقامة بؤرتين استيطانيتين، في وقت نشرت فيه الحركة مقطعاً مصوراً عبر منصة إكس يوثق تجمع عدد من العائلات في منطقة جبل الشيخ المحتل، للمطالبة بالسماح لهم بالاستيطان في المنطقة.
وفي 22 يوليو، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن قوات الأمن أوقفت خمس فتيات في منطقة جبل الشيخ، للاشتباه بمحاولتهن عبور الحدود إلى الأراضي السورية. لاحقاً من اليوم نفسه أعلن جيش الاحتلال منعه عدداً من المستوطنين العبور باتجاه سوريا.

لقطة من فيديو نشرته حركة “رواد الباشان” يُظهر تجمعاً لعدد من العائلات في جبل الشيخ مطالبين بالسماح لهم بالاستيطان في “تل حرمون” – 21 يوليو 2026
انعكاسات النشاط الاستيطاني على عمل جيش الاحتلال
نشر مراسل الشؤون العسكرية في هيئة البث الإسرائيلية، إيتاي بلومنثال (איתי בלומנטל)، عن حادثة كادت أن تؤدي إلى استهداف الجيش الإسرائيلي لمستوطنين عن طريق الخطأ، نتيجة محاولاتهم التسلل إلى الأراضي السورية. وبحسب بلومنثال، دفع الجيش الإسرائيلي، قبل نحو أسبوعين، بطائرات حربية وطائرة مسيّرة من طراز (Hermes 450) لتنفيذ غارة استهدفت ما اعتُقد أنها خلية مسلحة قرب الحدود السورية في محيط جبل الشيخ، وذلك عقب تلقي معلومات عن مخاوف من محاولة تسلل باتجاه هضبة الجولان.
وأوضح أن العملية أُلغيت في اللحظات الأخيرة بعدما لاحظت المجندات المكلفات بالمراقبة أن بعض الأشخاص المشتبه بهم يُطلِقون السوالف الجانبية (البيُوت) التي تميز اليهود المتدينين، ليتبين لاحقاً لقيادة الفرقة 210 أنهم ناشطون من حركة رواد الباشان كانوا قد عبروا الحدود إلى الأراضي السورية.
ومع تصاعد نشاط الحركة، سلّطت وسائل إعلام إسرائيلية الضوء على تنامي ظاهرة تسلل مستوطنين إسرائيليين إلى الأراضي السورية بهدف إقامة وجود استيطاني خلف خط فض الاشتباك. ووصف المراسل ذاته هذه الظاهرة بأنها “مقلقة”، مشيراً إلى أن محاولات العبور غير القانونية تكررت بصورة متزايدة خلال الشهر الأخير، بهدف إقامة استيطان إسرائيلي داخل الأراضي السورية.
ونقل في تقرير له على قناة كان، عن أحد الجنود المشاركين في تأمين الحدود قوله إن القوات، بدلاً من التركيز على تنفيذ مهامها الأمنية وتعزيز العوائق الحدودية، أصبحت تضطر إلى ملاحقة أشخاص عبروا السياج الحدودي، وهو أمر غير ضروري على الإطلاق.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي يقوم بتسليم المتسلّلين إلى الشرطة بعد ضبطهم، إلا أنه لم تُسجل إجراءات قضائية رادعة أو محاكمات بحقهم، وهو ما ساهم في استمرار هذه المحاولات، في ظل ما وصفته وسائل الإعلام الإسرائيلية بوجود دعم سياسي من بعض أعضاء الائتلاف الحكومي لنشاط هذه المجموعات.

قائد حركة “رواد الباشان” (على اليسار) مع وزير الاتصالات في دولة الاحتلال الإسرائيلي شلومو كرعي (منتصف) – أبريل 2026
ويذهب تحقيق سجل إلى نتيجة مشابهة لما أورده بلومنثال، فمعظم هذه الاعتقالات تنتهي بإطلاق سراح نشطاء الحركة، مع وجود دعم قانوني من منظّمات داعمة، منها منظّمة حونينو التي نشرت أكثر من بيان عن قيام محاميها بالتكفّل بالإجراءات القانونية لإطلاق سراح أعضاء الحركة.
توسيع الدعم السياسي للحركة
سعت الحركة إلى توسيع حضورها داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، عبر بناء شبكة دعم تضم شخصيات من أحزاب اليمين واليمين الديني.
فإلى جانب إعلان ناشطي الحركة حصولهم على دعم عدد من أعضاء الكنيست، برز خلال الفترة ذاتها تأييد عضو الكنيست عميت هاليفي (עמית הלוי) لمشروع يقضي بفرض السيادة الإسرائيلية على المناطق التي دخلها الجيش الإسرائيلي في الجولان وجبل الشيخ، وهو المشروع الذي رحّبت به الحركة واعتبرته خطوة تمهد للاستيطان الدائم في تلك المناطق.

عضو الكينست عميت هاليفي
من الاقتحامات إلى المطالبة باستيطان دائم
تزامناً مع هذه التحركات، صعّدت الحركة من خطابها السياسي، مؤكدة أن الوجود العسكري وحده لا يكفي لضمان السيطرة على المنطقة.
ففي 14 يونيو، نظمت الحركة وقفة احتجاجية عند السياج الفاصل، دعت خلالها حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى السماح بإقامة مستوطنات في الأراضي السورية قبل أي انسحاب محتمل، معتبرة أن أي اتفاق سياسي قد يقيد حرية عمل جيش الاحتلال الإسرائيلي ويؤدي إلى خسارة المكاسب التي تحققت ميدانياً.
كما استغلت الحركة الحوادث الأمنية التي شهدتها المنطقة العازلة في جنوب سوريا، بما في ذلك استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي مسلحين اثنين كما ادعى قرب قرية حضر، إضافة إلى الاحتكاكات مع سكان قرية عابدين، لتأكيد خطابها القائم على أن إنشاء شريط أمني وحده لا يوفر الحماية، وأن الحل يتمثل في إقامة مستوطنات يهودية دائمة وإحلالها محل القرى السنية التي تصفها بأنها معادية، بما يحول الوجود المدني إلى جزء من المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
بناء حاضنة فكرية وسياسية للمشروع
عملت الحركة على توسيع حضورها الإعلامي والفكري عبر عدة فعاليات، حيث نظمت فعالية في مطل القنيطرة شارك فيها عالم الآثار حاييم بن دافيد (חיים בן-דוד)، ومستوطنين أقاموا في القنيطرة قبل توقيع اتفاقية عام 1974 واختتموا الفعالية بالدعوة إلى تجديد الاستيطان في المنطقة.

مشاركون في فعالية لحركة “رواد الباشان” في مطل القنيطرة، دعت إلى تجديد الاستيطان في المنطقة – 29 مايو 2026
وفي 25 يونيو عقدت الحركة أول مؤتمر افتراضي لها بعنوان واقعية الاستيطان في الباشان، بمشاركة شخصيات سياسية ودينية وأكاديمية وعسكرية من اليمين الإسرائيلي، وأدارته المذيعة في القناة الرابعة عشرة شيرال ليئيل (שיראל ליאל). وافتتح المؤتمر الحاخام أفيا غادوت (אביה גדות) الذي اعتبر أن الاستيطان في جنوب سوريا يمثل امتداداً لما وصفه بتحرير أرض إسرائيل، فيما دعا الحاخام إلياهو بن آشر (אליהו בן אשר) الناشط في حركة “أوري تسافون (אורי צפון)”، إلى تجاوز الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس – بيكو، واعتبار انهيار الدولة السورية فرصة لإعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة.
وشهد المؤتمر أيضاً مداخلات للمؤرخة مور ألتشولر (מור אלטשולר)، التي اقترحت إنشاء “فرقة الباشان” من مقاتلين دروز لضمان استمرار السيطرة الإسرائيلية، والباحث مردخاي كيدار (מרדכי קידר) الذي دعا إلى استثمار التحولات الإقليمية لتوسيع النفوذ الإسرائيلي.
كما شارك عضوا الكنيست أرئيل كالنر (אריאל קלנר) ولِمور سون هار-ملك (לימור סון הר-מלך)، اللذان أكدا أن الاستيطان يمثل الأداة الأكثر فاعلية لترسيخ السيطرة الإسرائيلية، فيما طرح الوزير السابق أيوب قرا (איוב קרא) رؤية تقوم على إنشاء كونفدرالية تضم الدروز والأكراد والعلويين والمسيحيين في جنوب سوريا تكون حليفاً لإسرائيل.

المؤرخة مور ألتشولر، اقترحت إنشاء “فرقة الباشان” من مقاتلين دروز لضمان استمرار السيطرة الإسرائيلية، خلال المؤتمر الافتراضي الأول للحركة
يعكس مستوى المشاركين في المؤتمر انتقال الحركة من مبادرة محدودة إلى منصة تجمع شخصيات سياسية ودينية وأمنية مؤثرة داخل تيارات اليمين الإسرائيلي، بما يمنح مشروعها حضوراً أوسع داخل دوائر صنع القرار والرأي العام في إسرائيل.
توسّع استيطاني في الأراضي المحتلة والجولان بالتوازي
وبالتزامن مع نشاط الحركة المتصاعد، تبرز أيضاً الجهود المكثّفة على مستوى حكومة الاحتلال لاستقدام المزيد من المستوطنين.
فبتاريخ 16 أبريل أقرت الحكومة الإسرائيلية خطة خمسية لتوسيع الاستيطان في الجولان السوري المحتل، باستثمار يقارب مليار شيكل للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030، واستقبال عائلة جديدة. وتركّز الخطة على مستوطنة قصرين في الجولان المحتل حيث وصفها المسؤول الوزاري وعضو الكنيست زعيف إيلكن (זאב אלקין) بأنها ستكون أول مدينة في الجولان المحتل، والتي يّخطّط لها أن تستقبل 1500 عائلة من أصل 3000
وغير ذلك عملت حكومة الاحتلال منذ أواخر عام 2025 على تنفيذ خطة لاستقدام أفراد طائفة بني مناشي من ولايتي مانيبور وميزورام في شمال شرق الهند، ضمن خطة تمتد حتى عام 2030 تهدف إلى استقدام نحو 5800 فرد إلى إسرائيل على مراحل، وتوطينهم في مستوطنات الجليل والمناطق الحدودية الشمالية. وقد قُدِّم هذا المسار في الخطاب الحكومي باعتباره “استكمالاً لهجرة قبيلة يهودية ضائعة”، لكنه عمليا يندرج ضمن رؤية أوسع تسعى إلى تكثيف الكتل الاستيطانية في الشمال وربطها بمخططات التوسع في الجولان وجنوب سوريا.
مع بداية عام 2026، بدأ التنفيذ العملي لهذه الخطة عبر وصول أولى دفعات بني مناشي إلى مطار بن غوريون في أبريل، حيث أعلن الإعلام العبري عن جلب 240 مهاجراً من الطائفة، تم توجيههم إلى مراكز استيعاب في الشمال تمهيداً لتوزيعهم. وفي 11 يونيو 2026، ظهر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (בנימין נתניהו) إلى جانب وزير الهجرة أوفير سوفر (אופיר סופר) في مراسم استقبال مجموعة من بني مناشي، معلناً في كلمة نقلتها وسائل إعلام عبرية عزمه على استجلاب كامل أفراد الطائفة إلى إسرائيل خلال أربع سنوات، مع استهداف جلب نحو 1200 شخص بحلول نهاية عام 2026.

عائلات من طائفة بني منشيه الهندية على متن طائرة متجهة إلى دولة الاحتلال – 24 أبريل 2026
سبق ذلك مسار تشريعي اقتصادي، حين طرح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش (בצלאל סמוטריץ’) ووزير الهجرة خطة واسعة للحوافز الضريبية للمهاجرين الجدد والمواطنين العائدين. وقد تحولت هذه الخطة إلى قانون ضمن موازنة الدولة، حيث أُقرت تشريعياً كجزء من “قانون الكفاءة الاقتصادية لعام 2026” تحت المسمى الرسمي “قانون تشجيع الهجرة إلى إسرائيل والعودة إليها” بحسب شركة الاستشارات الضريبية جرانث ثورنتون (Grant Thornton). وبموجب هذه المبادرة، تمنح الحكومة إعفاءً كاملاً من ضريبة الدخل (بنسبة 0%) للسنتين الأولى والثانية على دخل يصل إلى مليون شيكل سنوياً، لمن يعودون أو يهاجرون إلى الأراضي المحتلة في الفترة ما بين 5 نوفمبر 2025 وحتى نهاية عام 2026. وفي إطار تسويق الخطة، اعتبر سموتريتش أن 2026 ستكون “سنة ثورة في الهجرة”، مشيراً في خطاب عام إلى تزامن ذلك مع مساعي الحكومة لعمل “ثورة استيطانية” في الضفة الغربية والجولان والجليل والنقب.
تبع ذلك وصول دفعة جديدة من المهاجرين اليهود. فأعلنت حكومة الاحتلال يوم 6 يوليو وصول 128 مهاجراً جديداً من فرنسا في رحلة خاصة إلى مطار بن غوريون، قُدمت رسمياً على أنها افتتاح “موسم الهجرة الصيفي لعام 2026″، مع توجيههم للاستقرار في مدن مثل نتانيا وتل أبيب والقدس وبئر السبع وغيرها. وبعد ذلك بأيام، أوردت صحيفة إسرائيل هيوم تقريراً عن وصول 230 مهاجراً فرنسياً إضافياً، ليرتفع عدد المهاجرين الفرنسيين الذين وصلوا منذ بداية موسم صيف 2026 إلى قرابة 800 شخص خلال أسابيع قليلة.
وتتقاطع هذه الجهود في استقدام المزيد من المهاجرين مع إعلان موعد الانتخابات القادمة في أكتوبر.
سرية الأبقار.. وجه جديد للاستيطان في الهضبة
لا تقتصر المشاريع الاستيطانية على توسيع المستوطنات أو محاولات حركة رواد الباشان ففي الآونة الأخيرة برز مشروع سرية الأبقار وهو مشروع أمني جديد أطلقه الجيش الإسرائيلي تحت اسم سرية الأبقار، بوصفه إحدى الأدوات المستحدثة لتعزيز الوجود الإسرائيلي خلف السياج الفاصل في الجولان المحتل. ويقوم المشروع على إدخال قطيع يضم نحو 140 بقرة إلى الجيب الواقع خلف السياج الفاصل على المنحدرات الغربية لوادي الرقاد في ريف درعا الغربي، ضمن مساحة تقدر بنحو 10 آلاف دونم، وهي منطقة تخضع للسيطرة الإسرائيلية منذ اتفاقية فصل القوات عام 1974.
بدأ تنفيذ المشروع بسرية تامة بمبادرة من قائد لواء الجولان 474، وتولى تنفيذه يوئيل زيلبرمان، مؤسس منظمة هشومير هحاداش الاستيطانية، بعد مصادقة قائد الفرقة 210 عليه في يناير 2026. ولم يقتصر المشروع على نقل قطعان الماشية، بل شمل إنشاء بنية تحتية مرافقة، تضمنت إقامة نحو22 كيلومتراً من أسوار المواشي لتثبيت الوجود الدائم داخل المنطقة.

يوئيل زيلبرمان، مؤسس منظمة هشومير هحاداش الاستيطانية
يقوم المشروع على إيجاد حضور إسرائيلي مدني ذي طابع زراعي يمنع الرعاة السوريين وقطعانهم من الوصول إلى المنطقة، بعد أن كانت تستخدم يومياً من قبل سكان القرى السورية المجاورة للرعي. وبحسب وصف أحد الضباط المشرفين على المشروع هذه الخطوة بأنها “مصلحة أمنية وطنية”، مؤكداً أنها حققت نتائج ميدانية تمثلت في منع الرعاة السوريين من دخول المنطقة.
ويُقدَّم المشروع داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بوصفه أحد التطبيقات العملية للدروس المستخلصة من هجوم السابع من أكتوبر، إذ ترى القيادات العسكرية أن الاعتماد على السياجات والمنظومات التكنولوجية وحدها لم يعد كافياً، وأن ضمان السيطرة يتطلب وجوداً مدنياً دائماً إلى جانب الانتشار العسكري. ومن هذا المنطلق، يتحول النشاط الزراعي والرعوي إلى جزء من المنظومة الأمنية، بما يعزز السيطرة المستمرة على المناطق الحدودية.
ورغم أن المشروع ينفذه جيش الاحتلال الإسرائيلي ومنظمة “هشومير هحاداش”، وليس حركة رواد الباشان بصورة مباشرة، فإنه يتقاطع مع الخطاب الذي تتبناه الحركة، والقائم على اعتبار الوجود المدني والاستيطاني الدائم جزءاً أساسياً من المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
هذا الخطاب أي استغلال جوانب مدنية مثل الزراعة والرعاية للاستحواذ على المكان والجغرافيا وترسيخ بنية تحتية للاحتلال يتقاطع مع خطابٍ مشابه صدر بالتزامن مع هذا التقرير. فبتاريخ 1 يوليو نشرت الحركة منشوراً قالت فيه إنّ الحركة كانت تستطيع أن تزرع أراضي القنيطرة ودرعا وتعطي خيراتها لإسرائيل بدلاً من السنة المؤيّدين لحماس (في وصفها لأهالي محافظة القنيطرة)، وناشدت الاحتلال الإسرائيلي بالسماح لهم بالعمل فيها، بحكم أن “معظم المنطقة أصبحت بالفعل تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي” دعوا رواد الباشان يعملون فيها.
كما تتشابه هذه المقاربة مع نموذج الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية، حيث أُقيمت خلال السنوات الأخيرة نحو 150 بؤرة رعوية تمكنت من فرض السيطرة على ما يقارب 786 ألف دونم، أي نحو 14% من مساحة الضفة الغربية، عبر استخدام الرعي كأداة للسيطرة على الأرض وإبعاد السكان الفلسطينيين، قبل تحويل تلك المواقع تدريجياً إلى بؤر استيطانية دائمة.
خاتمة
تكشف قراءة متزامنة لنشاط حركة رواد الباشان وجهود حكومة الاحتلال الاستيطانية عن تقاطعات لافتة بين هذين المسارين، حركة رواد الباشان والجهود الحكومية. توفر تحركات حركة مثل رواد الباشان وقوداً أيديولجياً وميدانياً، عبر تصعيد محاولات التسلل وزيادة حجمها ووتيرتها شهراً بعد آخر، وصياغة خطاب سياسي متزايد التنظيم يطالب بالسيادة الإسرائيلية على المناطق التي دخلها جيش الاحتلال، وهو ما يزيد من هامش وخطورة تحوّل كل ذلك في وقت ما إلى سياسة وخطاب رسميين.
وفي المقابل، تقوم الحكومة بخطوات بنيوية تدعم هذا التصعيد في الاستيطان، كخطة الجولان والاستمرار في الهندسة الديمغرافية عبر استقدام موجات هجرة جديدة، والحوافز الضريبية التي تجعل الهجرة والعودة أكثر جاذبية، ومشاريع هجينة كـ”سرية الأبقار” التي تُدخل حضوراً مدنياً-زراعياً إلى مناطق تخضع نظرياً لاتفاق فض الاشتباك فقط.
اللافت أن هذين المسارين لا يسيران بالتوازي فحسب، بل يغذّي أحدهما الآخر: فالدعم البرلماني الذي تحصل عليه الحركة من أعضاء كنيست ووزراء سابقين يمنحها غطاءً سياسياً يُترجم لاحقاً إلى تراخٍ قضائي (غياب المحاكمات الرادعة) ومشاريع تشريعية (مقترح فرض السيادة)، بينما توظّف الحركة الحوادث الأمنية والاحتكاكات الميدانية لتبرير خطاب “الاستيطان بديلاً عن السياج الأمني وحده” – وهو ذات المنطق الذي تتبناه المؤسسة العسكرية في مشروع “سرية الأبقار”، القائم على فكرة أن الوجود المدني الدائم أكثر فعالية من الاعتماد على التكنولوجيا والأسيجة وحدها بعد دروس السابع من أكتوبر، بحسب تقرير صحيفة يديعوت أحرونوت.
وربما تجسد هذه الديناميكية المتشابكة سعياً مقصوداً، وإن بدا غير مركزي في تنفيذه، لتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة على مناطق جنوب سوريا إلى وقائع مدنية واستيطانية يصعب التراجع عنها، قبل استحقاق أي مسار تفاوضي أو سياسي مستقبلي. وهذا ما تُفصح عنه صراحة مطالبة الحركة بالسماح بالاستيطان “قبل أي انسحاب محتمل” – أي التسابق مع الزمن السياسي لخلق أمر واقع يصعب عكسه. ويكتسب هذا التسابق دلالة إضافية بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر، ما يجعل من تسريع وتيرة الهجرة والاستيطان أداة انتخابية إلى جانب كونها أداة جيوسياسية.





