- تُنذر سلسلة المتغيّرات والمؤشّرات العسكرية المكثّفة باحتمال تصعيد عسكري وشيك في سوريا، مما يستدعي رفع درجات الجاهزية والاستعداد لمواجهة مختلف السيناريوهات.
- أبلغت قوات الاحتلال قوات الأمم المتحدة عزمها بناء نقطة عسكرية على تلة الحمرية قرب قرية طرنجة في ريف القنيطرة الشمالي بالتزامن مع عمليات تجريف في التلة.
- شهدت الأيام العشرين الأولى من أكتوبر ارتفاعاً قياسياً في معدلات تحليق الطائرات المسيّرة والمروحيات في سماء الجنوب السوري والعاصمة دمشق، مع استخدام أنواع جديدة يُرجّح أن تكون من عائلة هيرمس، وبالقياس على مسارح أخرى مثل لبنان وغزة، قد يكون استخدام هذه المسيّرات رصداً وجمعاً لبنك أهداف يتبعه عملية عسكرية أو استهداف.
- تواترت أنباء إعلامية وأمنية حول نقل رادارات لبناء قاعدة بجبل العرب وتزويد فصائل الحرس الوطني بأسلحة حديثة ولقاءات بالجولان، في مقابل تفنيد صحفي وتقني ينفي حدوث مثل هذه التحركات المزعومة، ويستبعد نقل منظومات رادار بالمروحيات ويشكك في جدواها العسكرية، ويضع الأنباء في سياق الشائعات والحرب النفسية.
- ارتفع المعدل اليومي للأنشطة البرية المركبة (من توغلات ومداهمات وحواجز) رافقه زيادة في حالات احتجاز واستجواب المدنيين وتفتيش الهواتف، مما فرض قيوداً ميدانية أثرت مباشرة على حركة السكان والرعاة.
مقدمة
أجرت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026 عمليات تجريف في تلة الحمرية بالقرب من قرية طرنجة بريف القنيطرة الشمالي وحذّرت الأهالي والمزارعين من الاقتراب من المنطقة. وترافق ذلك مع إبلاغ قوات الاحتلال الإسرائيلي قوات الأمم المتحدة عزمها على إنشاء نقطة استطلاع على تلة الحمرية، بحسب ما أخبر مصدر خاص مركز سجل.
ويأتي ذلك مع تقاطع عددٍ من المؤشّرات المختلفة، منها الكثافة العالية لتحليق المسيّرات في مناطق مختلفة من الجنوب السوري والعاصمة دمشق، والأنباء الواردة عن عملٍ عسكري يجري الترتيب له في محافظة السويداء، وكل ذلك في خضم تزايد لافت في وتيرة الانتهاكات، وتحديداً الوجود البري، التوغّلات والمداهمات ونقاط التفتيش، في سبتمبر والنصف الأول من أكتوبر الذي شهد أيضاً حادثة قتل الشاب السوري محمد أيمن الدبور.
هذه المؤشّرات المختلفة تُنذر باحتمالية توسّع عسكري إسرائيلي في سوريا، أو حدوث عملية تتجاوز الأنماط القائمة حالياً في الجنوب السوري.
أولاً: نقطة استطلاع جديدة في الحمرية
أفادت مصادر لسجل أن قوات الاحتلال الإسرائيلي أبلغت قوات الأمم المتحدة بعزمها بناء نقطة استطلاع جديدة شبيهة بالمنطقة العسكرية الموجودة في تل أحمر شرقي بريف القنيطرة الجنوبي، في الوقت الذي قامت به قوات الاحتلال الإسرائيلي بعمليات تجريف في التلة وحذّرت المواطنين من الاقتراب منها.
وحتى تاريخ نشر هذا التقرير، رصد مركز سجل إقامة تسع قواعد في الجنوب السوري من نقطة جبل الشيخ حتى ثكنة الجزيرة الواقعة في حوض اليرموك.

موقع تلة الحمرية حيث نفّذت عمليات تجريف وحذّرت الأهالي من الاقتراب، ومواقع النقاط العسكرية التسعة لقوات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري حتى 21 أكتوبر 2026 | مصدر الصورة: مركز سجل
في هذا السياق أيضاً، تكتسب حادثة بيت جن في 5 أكتوبر أهمية خاصة، بعدما دخلت قوة إسرائيلية إلى الأراضي الزراعية وفجّرت نقطة عسكرية تعود إلى النظام السابق، في عملية توضح أن تدمير المنشآت العسكرية قد يكون جزءاً من نشاط التوغل حتى في غياب اشتباكات قائمة.
ثانياً: مسيّرات مكثّفة في الأجواء السورية
وثّق مركز سجل ما لا يقل عن 68 عملية تحليق في الأجواء السورية خلال الفترة من 1 إلى 20 أكتوبر 2026، شملت محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق ودمشق. وبذلك، سجّل أكتوبر، خلال أيامه العشرين الأولى فقط، ثاني أعلى حصيلة شهرية لعمليات التحليق الموثّقة منذ بداية العام، بعد مارس الذي وثّق فيه المركز 122 عملية، ارتبط جزء كبير منها بالحرب على إيران. وللمقارنة، وثّق المركز 52 عملية تحليق في أغسطس كاملاً، و58 عملية في سبتمبر كاملاً. ولا تقتصر دلالة هذا النشاط على تكرار التحليق، بل تشمل أيضاً استمراره لفترات متواصلة.
ورصد فريق البحث في مركز سجل اختلافاً بين نمط التحليق الحالي والأنماط الروتينية لاستخدام قوات الاحتلال الإسرائيلي المسيّرات الصغيرة، بما فيها المسيّرات رباعية المراوح (Quad Drones)،التي يمكن تشغيل بعضها بمنظور الشخص الأول (FPV). وشمل الرصد استخدام مسيّرات أخرى تتميّز بطنين واضح، قد تستخدم في المراقبة وجمع المعلومات وتحديد الأهداف.
وقد تكون بعض المسيّرات التي شملها الرصد فوق دمشق ودرعا من منصات الاستطلاع ثابتة الجناح، وربما من عائلة “هيرمرز”، مثل “هيرمز 450” أو “هيرمز 900″، أو من عائلة “هيرون”، ويبقى هذا في إطار الترجيح، إذ لا يكفي الطنين أو طول التحليق وحدهما لتحديد الطراز أو التجهيزات التي تحملها المسيرة. كما قد ينتج استمرار التحليق عن تعاقب طائرات عدة فوق المنطقة، وليس بالضرورة عن بقاء طائرة واحدة طوال مدة الرصد.

طائرة “هرمز 900” من إنتاج شركة إلبيت الإسرائيلية، وهي إحدى طائرات الاستطلاع والمراقبة القادرة على التحليق لساعات طويلة لرصد الأهداف دون انقطاع
وبناءً على هذه القرائن وأنماط عمليات قوات الاحتلال في ساحات أخرى، قد يكون تكثيف استخدام المسيّرات على هذا النحو مرتبطاً ببناء بنك أهداف أو تحديثه، يشمل مواقع عسكرية وأفراداً، تمهيداً لعمليات قصف أو استهداف لاحقة.
وتساعد المقارنة التحليلية مع تجارب الضاحية الجنوبية في بيروت وجنوب لبنان وغزة على فهم دلالة حشد المسيّرات فوق منطقة واحدة؛ فقد يكون الاحتلال بصدد بناء صورة استخبارية متواصلة عن حركة الأشخاص والمركبات والمواقع، بما يسمح بتحديث معلومات الأهداف ومتابعة تغيّرها قبل الاستهداف وأثناء العمليات وبعدها. ففي الضاحية الجنوبية يمكن ارتبط ذلك بتتبّع تحركات شخصيات ومواقع محددة، وفي جنوب لبنان بمراقبة الانتشار الميداني وإسناد التحركات، وفي غزة بمتابعة الحركة وتحديث الأهداف وتقدير نتائج القصف. وقد يتيح تعدد المسيّرات مراقبة مناطق متفرقة والمحافظة على استمرارية الرصد عبر تعاقبها، ما يجعل احتمال التحضير لعمليات استهداف لاحقة وارداً، إلى جانب المراقبة المستمرة وإسناد القوات، مع بقاء كثافة التحليق وحدها غير كافية للجزم بوجود ضربة وشيكة أو تحديد نطاقها.
ثالثاً: أنباء عن الإعداد لعملية عسكرية في السويداء
تداولت وسائل إعلامية، عربية وعبرية، تقارير عن تحركات إسرائيلية مكثفة في محافظة السويداء، تتركز حول فرضيات التجهيز لعملية عسكرية وشيكة ضد القوات الحكومية، أو بناء قاعدة عسكرية واستطلاعية ثابتة مزودة برادارات متطورة على التلال الحاكمة كقمة جبل العرب وتل قليب. وتدعي هذه التغطيات وجود خط إمداد لوجستي وجوي منتظم بنقل أسلحة حديثة، مثل بنادق M16 وAR15 ومساعدات مالية دورية للفصائل المحلية التابعة لـ الحرس الوطني بقيادة الشيخ حكمت الهجري، بالتوازي مع لقاءات تنسيقية في الجولان المحتل وإنزالات مروحية، في مقابل تحليلات ومواقف ميدانية تنفي صحة إنشاء القاعدة وتضع التحركات في سياق الشائعات والحرب النفسية والحسابات الانتخابية الإسرائيلية.
في 17 أكتوبر 2026، أفاد تقرير لموقع سوريا 360 (استشهدت به وسائل إسرائيلية مثل i24NEWS ومعاريف) بأن جيش الاحتلال نقل معدات عسكرية متطورة وأجهزة رادار عبر عشرات المروحيات العسكرية إلى قمة جبل العرب/الدروز في محافظة السويداء خلال 72 ساعة، تمهيداً لإقامة قاعدة عسكرية متقدمة تهدف للمراقبة الاستخباراتية والاستطلاع والإنذار المبكر، مضيفاً أن جنوداً إسرائيليين -معظمهم دروز إسرائيليون-وصلوا إلى الموقع المرتفع (1803 أمتار فوق سطح البحر) لإجراء تقييمات ميدانية.

أحد عناصر لما يُسمى بـ “الحرس الوطني” التابع لحكمت الهجري في السويداء – 17 يناير 2026 | مصدر الصورة: غيتي
وفي 20 أكتوبر 2026، قال موقع عربي بوست، نقلاً عن مصادر أمنية سورية بحسب الموقع، أن قيادات تابعة لـلمكتب الأمني المرتبط بسلمان حكمت الهجري ناقشت مقترحاً إسرائيلياً لإنشاء قاعدة عسكرية وتوسيع الحزام الأمني في الجنوب عبر ربط نقاط الانتشار في القنيطرة وثكنة الجزيرة بدرعا بمناطق سيطرة الحرس الوطني بالسويداء.
وفي 19 أكتوبر 2026، قالت صحيفة جيروزاليم بوست، نقلاً عن مصادر أمنية سورية بحسب ما أوردته الصحيفة، بوجود مخاوف حقيقية لدى دمشق من أن تبدأ الفصائل المسلحة بالسويداء هجوماً وشيكاً ضد القوات الحكومية بتشجيع وإسناد جوي وعسكري إسرائيلي لتوسيع نطاق السيطرة بالريفين الشمالي والغربي.
ترافق ذلك مع تطوّرات ميدانية على الأرض. فنفذّت طائرة مجهولة الهوية مساء 19 أكتوبر ضربة جوية استهدفت سيارة لمهربي مخدرات في محيط تل صحن شرقي السويداء الخاضع لسيطرة “الحرس الوطني. وفي مساء 20 – 21 أكتوبر 2026، أقدمت مجموعات مسلحة خارجة عن القانون على الاعتداء على نقاط لقوى الأمن الداخلي بالريف الغربي للمحافظة باستخدام طائرات مسيّرة محمّلة بقنابل متفجرة، وفق ما أفاد به مصدر أمني.
في مقابل التغطيات المشيرة لإنشاء القاعدة والتحضير للهجوم، برزت قراءات تقنية وصحفية وميدانية فنّدت هذه الروايات، سواء بنفي حدوث التحركات المزعومة أو بالتشكيك في جدواها من الناحية العسكرية وإمكانية تنفيذها من الناحية اللوجستية، واعتبرتها جزءاً من الشائعات والحرب النفسية.
إذ استبعد الباحث السوري المختص بالمصادر المفتوحة سهيل الغازي، في حديث خاص لسجل، وجود ما يُثبت نقل أجهزة رادار أو منظومات دفاع جوي او إنذار مبكر إلى السويداء. وعلل ذلك بأن فارق الـ 70 كيلومتر لا يحمل أهمية تُذكر، فمثل هذه المنظومات تتطلب ربطاً بآليات محددة وبيئة خالية من التشويش، كما أن حجمها الكبير يجعل نقلها بالمروحيات أمر بالغ الصعوبة، فنقلها يتطلب طائرات شحن أو وسائل أكبر. وأضاف أن جدوى نشرها محدوة أصلاً، في ظل وجود منظومات مماثلة في الأردن ومتصلة بالقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في الخليج، ورأى أن فرضية القاعدة العسكرية تفتقر إلى معطيات واضحة، ولم يستبعد كلياً إمكانية نقل بعض المعدات، مرجحاً أن يكون ذلك صعباً من الناحية اللوجستية. وأشار إلى أن صور الأقمار الصناعية لا تُظهر أي منشآت جديدة، سواء مدرج للطائرات أو قاعدة كبيرة، منوهاً بأن الصور المتاحة لجنوب سوريا قديمة نتيجة القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على شركات الأقمار الصناعية.
يُضاف إلى ما سبق نفي بعض الصحفيين لهذه الأخبار نفياً، منهم الصحفي المستقل عمر الحريري الذي نفى الشائعات المتداولة بشأن إنزال ثلاث مروحيات إسرائيلية لشحنات عسكرية في السويداء، موضحاً أن بعض الحسابات تتداول صوراً قديمة تعود إلى حرب لبنان عام 2024 بهدف إشاعة حرب نفسية وإظهار حجم نفوذ مبالغ فيه للمجموعات المحلية. وفي 18 أكتوبر 2026، جدّد الحريري نفيه لإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في السويداء، مؤكداً أن الجانب الإسرائيلي ليس بحاجة لقاعدة إسناد جوي بالسويداء نظراً لقربها (أقل من 100 كم) من القواعد الإسرائيلية بالقنيطرة والجولان. وأوضح أن التحركات المروحية السابقة اقتصرت على إيصال شحنات لوجستية وأجهزة اتصال، وإسعاف جرحى، ونقل قيادات محلية مع إعادتهم لاحقاً.
رابعاً: نظرة إلى التواجد البري الإسرائيلي المتزايد في الجنوب السوري في سبتمبر وأكتوبر
تستند المقارنة إلى بيانات الرصد التي نشرها مركز سجل عن شهر سبتمبر والأسبوعين الأول والثاني من أكتوبر 2026. ولتجنب النتائج المضللة التي قد تنشأ عن مقارنة شهر كامل بفترة لا تتجاوز 14 يوماً، اعتُمد المعدل اليومي في حساب نسب التغير، مع إبقاء أحداث 16 و17 أكتوبر خارج الفترة المقارنة والتعامل معها بوصفها تطورات لاحقة، وتقتصر دلالة الأرقام على الوقائع الموثقة ضمن تصنيفات الرصد، ولا تعكس بالضرورة حجم القوات الإسرائيلية أو المساحات التي تنتشر فيها، ولتقدير كثافة النشاط البري، جُمعت التوغلات والمداهمات والحواجز في مؤشر واحد، مع مراعاة أن التحرك العسكري نفسه قد يتضمن أكثر من فعل، ما يمنع التعامل مع مجموعها باعتباره عدداً من العمليات العسكرية المستقلة.
| المؤشر | سبتمبر العدد / يومياً | 1-14 أكتوبر العدد / يومياً | تغير المعدل اليومي |
| إجمالي الانتهاكات | 280 / 9.33 | 165 / 11.79 | +26.3% |
| الحضور البري المركّب | 168 / 5.60 | 95 / 6.79 | +21.2% |
| التوغلات | 113 / 3.77 | 63 / 4.50 | +19.5% |
| القصف | 24 / 0.80 | 9 / 0.64 | −19.6% |
| التحليق | 58 / 1.93 | 41 / 2.93 | +51.5% |
| وقائع الاحتجاز | 9 / 0.30 | 11 / 0.79 | +161.9% |
جدول (1): مقارنة النشاط الموثق في سبتمبر والنصف الأول من أكتوبر 2026
ارتفع عدد الانتهاكات من 77 واقعة في الأسبوع الأول من أكتوبر إلى 88 في الأسبوع الثاني، وكان النشاط البري من أبرز مكونات هذا الارتفاع، فقد زادت التوغلات من 30 إلى 33 أسبوعياً، وسُجلت 18 مداهمة خلال الأسبوعين، مقابل 27 مداهمة طوال سبتمبر. وفي الفترة نفسها، بلغ عدد الحواجز 14 حاجزاً، بمعدل يومي قريب من مستواه في الشهر السابق، وتشير هذه الأرقام إلى أن تصاعد النشاط البري ارتبط أساساً بتكرار التوغلات والمداهمات، وليس بزيادة الحواجز، التي اتخذ معظمها طابعاً مؤقتاً، ما يجعل الاستناد إلى أعدادها لإثبات توسع المواقع العسكرية الثابتة استنتاجاً غير دقيق.
ويختلف مسار القصف عن بقية الأنشطة، إذ تراجع معدله اليومي بنحو 20% مقارنة بسبتمبر، الذي شهد أعلى حصيلة شهرية للقصف والتوغلات منذ بداية عام 2026. في المقابل، ارتفع التحليق بنسبة 51.5%، بعد تسجيل 15 واقعة في الأسبوع الأول من أكتوبر و26 في الأسبوع الثاني، وتعكس هذه الزيادة تكثيفاً للنشاط الجوي المرصود، دون أن تتيح تحديد عدد الطلعات الفعلية أو طبيعة حمولتها وأهدافها، ومن المهم هنا استحضار ما ورد في تقرير مركز سجل لشهر سبتمبر عن ارتباط بعض حالات التحليق بعمليات عسكرية في لبنان، إذ إن رصد طائرات فوق دمشق أو ريفها لا يشكل بحد ذاته دليلاً على وجود استعدادات لقصف العاصمة.
وتبرز وقائع الاحتجاز باعتبارها أحد أكثر المؤشرات ارتفاعاً، بعدما تجاوز عددها خلال أسبوعين إجمالي ما سُجل في سبتمبر، بمعدل يومي يعادل نحو 2.6 ضعف، ولا يقلل قصر مدة بعض حالات الاحتجاز من آثارها على السكان، خصوصاً عندما تترافق مع الاستجواب وتفتيش الهواتف وجمع المعلومات الشخصية، وهي ممارسات تتيح لقوات الاحتلال توسيع معرفتها بالمجتمع المحلي والتدخل في تفاصيل حياته. ولا يعني ذلك أن جميع الوقائع نُفذت ضمن خطة واحدة أو لتحقيق غرض محدد، بقدر ما يعكس طبيعة الممارسات التي ترافق الحضور العسكري المتكرر. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى إفادة المفوضية السامية لحقوق الإنسان في 9 أكتوبر، بشأن تلقيها معلومات عن استمرار احتجاز 49 سورياً لدى إسرائيل.
خامساً: الدوافع العسكرية والسياسية للتكثيف
يرتبط أحد التفسيرات الرئيسية لتصاعد النشاط العسكري الإسرائيلي بالسعي إلى توسيع نطاق الحركة حول المواقع المستحدثة وتأمين الطرق المؤدية إليها. فمن الناحية العسكرية، يتطلب الاحتفاظ بهذه المواقع مراقبة محيطها والتحكم بمسارات الوصول إليها، إلى جانب إبعاد ما تعتبره القوات الإسرائيلية مصادر تهديد محتملة. ومع امتداد هذه الإجراءات إلى القرى والأراضي الزراعية المجاورة، لم يعد الوجود العسكري مقتصراً على المواقع التي تتمركز فيها القوات، وإنما بات يشمل مساحات أوسع تخضع لتحركاتها وقيودها. وفي هذا السياق، يمكن فهم تزامن الدوريات والحواجز والتحليق والأعمال الهندسية باعتباره جزءاً من مسار يهدف إلى تعزيز السيطرة الميدانية وتأمين استمراريتها، وإن كانت المعطيات المتاحة لا تكفي لإثبات أن جميع هذه الأنشطة تنفذ ضمن خطة عملياتية واحدة.

آليات إسرائيلية تواصل أعمال الحفر غرب قرية العشّة في ريف القنيطرة ضمن مشروع “صوفا 53” – 4 أكتوبر 2026 | مصدر الصورة: وكالة الأناضول
ويبرز جمع المعلومات عن البيئة المحلية باعتباره دافعاً آخر لهذا النشاط، خصوصاً أن تقرير مركز سجل لشهر سبتمبر وثّق حالات تصوير للهويات الشخصية والأفراد عند الحواجز، ومصادرة هواتف خلال المداهمات، إلى جانب جمع بيانات تتعلق بالأسر، ومع ارتفاع وتيرة المداهمات والاحتجاز خلال أكتوبر، تتزايد فرص الحصول على معلومات عن السكان وشبكة الطرق والعلاقات المحلية، وهو ما يمنح التحركات المتكررة أهمية تتجاوز نتائجها المباشرة. فالتوغل الذي لا ينتهي باعتقال طويل أو ضبط أسلحة قد يتيح للقوات التعرف على المنطقة وسكانها، ويعزز قدرتها على العودة إليها وتنفيذ عمليات التفتيش والاستجواب.
وعلى المستوى السياسي، تكتسب هذه الممارسات أهمية تتجاوز أهدافها العسكرية المباشرة، نظراً إلى ما يمكن أن تفرضه من وقائع ميدانية على أي مفاوضات مستقبلية، فاستمرار الانتشار والتحصينات والقيود المفروضة على حركة السكان قد يجعل النقاش لاحقاً منصباً على تنظيم الوجود الإسرائيلي وشروط التعامل معه، بدلاً من الانسحاب من المواقع المستحدثة وإنهاء الإجراءات المرتبطة بها. ويتقاطع هذا الاحتمال مع ما تناولته ورقة مركز سجل “تحوّلات الخطاب الأمني والسياسي الإسرائيلي تجاه سوريا”، التي ناقشت انتقال المقاربة الإسرائيلية من التركيز على مواجهة الوكلاء إلى محاولة تقييد استعادة السيادة السورية. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التكثيف العسكري الراهن بوصفه عاملاً يساعد على ترسيخ ترتيبات تمنح الحكومة السورية دوراً أمنياً محدوداً، مع احتفاظ إسرائيل بحرية التدخل المنفرد.
ولا تنفي هذه القراءة احتمال وجود تهديدات أمنية فعلية مرتبطة بانتشار السلاح أو نشاط خلايا مسلحة محلية، وهي مسائل تستوجب التحقيق والملاحقة متى توافرت الأدلة عليها. غير أن وجود مثل هذه التهديدات لا يكفي لتفسير مجمل النشاط العسكري الإسرائيلي، أو ربط الوقائع المتفرقة بجهة إيرانية واحدة دون قرائن توضح طبيعة العلاقة بينها وحجم الخطر الذي تمثله. وقد ناقشت ورقة سجل “التهديد الإيراني في خطاب ألما وتسويغ التدخّل الإسرائيلي في سوريا” كيفية توظيف مؤشرات واحتمالات متفرقة لبناء تصور عن تهديد أمني مستمر يبرر التدخل. وتبرز أهمية هذا التمييز عند تحليل الحوادث المحيطة بالمواقع الإسرائيلية المستحدثة، إذ إن وقوع حادث أمني قرب أحدها لا يحدد تلقائياً الجهة المسؤولة عنه، كما لا يجعل توسيع الانتشار العسكري الخيار الوحيد للتعامل معه.
سادساً: الصلة بالانتخابات الإسرائيلية
تكتسب الزيادة في النشاط العسكري الإسرائيلي جنوب سوريا أهمية إضافية مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر 2026، إذ تتزامن هذه التحركات مع الأسابيع الأخيرة من المنافسة الانتخابية، التي تحظى فيها القضايا الأمنية بموقع بارز. وفي مثل هذه الأجواء، يمكن للحكومة الإسرائيلية توظيف استمرار عملياتها داخل الأراضي السورية لإظهار قدرتها على مواجهة التهديدات بعيداً عن التجمعات السكانية الإسرائيلية، في وقت قد يتحول فيه أي انسحاب أو تقليص للانتشار إلى مادة للمنافسة السياسية، باعتباره تراجعاً عن إجراءات أمنية قائمة، ومن هنا تبرز الانتخابات عاملاً محتملاً في زيادة الحوافز لإظهار القوة والتمسك بالمواقع المستحدثة، دون أن يكفي هذا التزامن لإثبات ارتباط العمليات العسكرية الجارية بأهداف انتخابية مباشرة.
وتظهر الصلة بين الوجود العسكري في سوريا والمنافسة السياسية بصورة أوضح في التصريحات التي أعقبت مقتل محمد أيمن الدبور قرب الحميدية، فقد نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن رئيس المجلس الإقليمي الإسرائيلي في الجولان المحتل، أوري كلنر، مطالبته قادة الأحزاب بالتعهد بالحفاظ على الانتشار العسكري القائم في الحكومة المقبلة، مستنداً في ذلك إلى ضرورة حماية السكان وتجنب تكرار هجمات 7 أكتوبر، وتكشف هذه المطالبة عن توجه لتحويل الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية إلى قضية انتخابية تتطلب التزاماً من القوى السياسية، بما قد يزيد صعوبة اتخاذ قرار بالانسحاب مستقبلاً.

رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال تجمع انتخابي للناخبين الدروز، تعهد فيه بفعل كل ما يلزم لحماية أبناء الطائفة الدرزية في سوريا – 15 أكتوبر 2026
ولا يمكن، في المقابل، تفسير التصاعد العسكري بالانتخابات وحدها، خصوصاً أن وتيرة النشاط البري كانت مرتفعة قبل دخول الحملة الانتخابية مرحلتها الأخيرة، فقد بلغ مجموع التوغلات والمداهمات والحواجز 174 واقعة في أغسطس و168 في سبتمبر، قبل أن يرتفع معدلها اليومي خلال النصف الأول من أكتوبر، كما أن إنشاء المواقع العسكرية والتحصينات بدأ قبل هذه الفترة، ويشير هذا التسلسل إلى أن السياسة الإسرائيلية في الجنوب السوري سبقت الاعتبارات الانتخابية الراهنة، وأن اقتراب الاقتراع ربما أسهم في زيادة وتيرة تنفيذها وتعزيز المواقف الرافضة للتراجع عنها، ويتطلب تحديد حجم التأثير الانتخابي متابعة التصريحات والقرارات المرتبطة بالعمليات، إلى جانب مقارنة النشاط العسكري قبل الانتخابات وبعدها، فإذا استمر التكثيف عقب 27 أكتوبر، فإن ذلك سيعزز تفسيره باعتباره جزءاً من سياسة أمنية وعسكرية أطول أمداً، في حين أن تراجعه لن يكون كافياً بمفرده لإثبات أن الانتخابات كانت الدافع الرئيسي إليه، ما لم يترافق مع تغير فعلي في حجم الانتشار وطبيعة الإجراءات الإسرائيلية على الأرض
خاتمة
بين خطط بناء نقطة استطلاع جديدة، والتكثيف الهائل في عمليات تحليق المسيّرات والوجود البري، والأخبار القادمة من السويداء، تختزل التطوّرات الأخيرة مؤشّرات أمنية وعسكرية خطيرة وجدية تستدعي أعلى درجات الاستعداد والجاهزية والمتابعة الحذرة للتعامل مع أي سيناريوهات مفاجئة أو عمليات تستهدف سوريا. وعلى الرغم من ذلك، ينبغي التأكيد على أن هذه المؤشرات، رغم كثافتها ودلالاتها، لا تقدّم دليلاً حاسماً أو قطعياً على حتمية اندلاع تصعيد عسكري وشيك، أو وجود مخطط عملياتي له جدول زمني مؤكّد.





