القواعد الإسرائيلية في جنوب سوريا (23 مايو 2026)

مقدّمة

منذ ديسمبر 2024، يشهد الجنوب السوري تحوّلاً جذرياً في واقعه العسكري والأمني، مع انتقال الاحتلال الإسرائيلي من سياسة الردع القائمة على تنفيذ الغارات الجوية إلى نمط جديد يعتمد على التمركز الميداني المباشر داخل الأراضي السورية.

وقد جاء هذا التحول في أعقاب انهيار البنية العسكرية للنظام السوري في الجنوب، وما نتج عنه من فراغ أمني واسع استغلته إسرائيل لإعادة رسم خطوط الاشتباك بما يتجاوز ترتيبات عام 1974.

في ظاهر الأمر، قُدِّم التوغل الإسرائيلي على أنه إجراء دفاعي مؤقّت يهدف إلى حماية الحدود ومنع تسلل التهديدات في ظل حالة الفوضى الأمنية. إلا أن التطوّرات اللاحقة على الأرض، من إنشاء قواعد عسكرية ثابتة، وتطوير بنى تحتية لوجستية، وتعزيز الانتشار في نقاط استراتيجية، تشير بوضوح إلى تحول هذا الوجود إلى واقع طويل الأمد يتجاوز بكثير منطق “الإجراء المؤقت”.

تكمن أهمية هذا التحوّل، في الاستراتيجية والواقع، على مستويين، أولهما إعادة رسم الجغرافيا السورية على يد قوةٍ خارجية معادية، ومن ثم تأسيس معادلة أمنية جديدة تضع الاحتلال الإسرائيلي في موقع السيطرة المباشرة على مناطق حيوية تشمل مرتفعات استراتيجية وموارد مائية وزراعية، فضلاً عن إشرافها على تقاطعات جغرافية حساسة تربط سوريا بلبنان والأردن.

وفي خضم كل ذلك يدفع السكان المحليون ثمناً مباشراً لهذا الواقع عبر فقدان الأراضي، وتقييد الحركة، وتدهور سبل العيش.

ترسيخ الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري

أدّى سقوط النظام السوري وانسحاب قواته من مناطق الجنوب إلى فراغ أمني واسع في محافظتي القنيطرة ودرعا. وفي هذا السياق، أطلقت إسرائيل عملية عسكرية واسعة تحت اسم “سهم الباشان”، استهدفت البنية التحتية العسكرية السورية بأكثر من 480 غارة جوية في جميع أنحاء سوريا.

قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي في هذه العملية بتحييد 70-80% من مخزون سوريا من الأسلحة الاستراتيجية، بالإضافة إلى التدمير شبه الكامل للقوات الجوية والبحرية السورية، ومراكز قيادة ومنشآت بحثية.

ترافقت هذه الغارات الجوية مع تحرّك بري سريع نحو المناطق العازلة والمرتفعات الاستراتيجية، وعلى رأسها قمة جبل الشيخ، ما مهّد الطريق لفرض واقع ميداني جديد في الجنوب السوري.

الإطار الزمني للتحولات

7 ديسمبر 2024انسحاب قوات نظام الأسد من محافظتي درعا والقنيطرة
8 ديسمبر 2024سقوط نظام الأسد
8 ديسمبر 2024إطلاق عملية سهم الباشان واحتلال نقاط استراتيجية
19 ديسمبر 2024بدء إنشاء القواعد المستحدثة
مارس 2025استكمال إنشاء القواعد والتمركز فيها

جدول (1): التحرّك السريع لقوات الاحتلال إسرائيلي لإنشاء قواعد عسكرية في الجنوب عقب سقوط نظام الأسد

خريطة الانتشار العسكري للاحتلال الإسرائيلي

أقامت القوات الإسرائيلية تسع قواعد ونقاط عسكرية في جنوب غرب سوريا، تمتد من قمة جبل الشيخ وصولاً إلى حوض اليرموك، تقع أربع منها خارج المنطقة العازلة، فيما تنتشر البقية داخلها.

خريطة تُظهر مواقع القواعد الإسرائيلية التسع في الجنوب السوري

ما يلي سرد سريع للقواعد وأهمّ المعلومات المتوافرة عنها:

1- قمة جبل الشيخ

تمثّل قمة جبل الشيخ النقطة الأكثر أهمية في الانتشار العسكري الإسرائيلي الجديد. فبفضل ارتفاعها وموقعها الجغرافي، توفر القمة قدرة استثنائية على المراقبة والإنذار المبكر، إذ تشرف على مساحات واسعة من سوريا ولبنان والأردن.

عملت القوات الإسرائيلية على تحصين الموقع منذ اليوم الأول للسيطرة عليه، وأنشأت مرافق عسكرية دائمة، بما في ذلك مهابط للطائرات المروحية، في مؤشر واضح على نية ترسيخ وجود طويل الأمد.

كما انطلقت منها، لأول مرة، عمليات داخل الأراضي اللبنانية بتاريخ 29 مارس 2026.

ريف القنيطرة الشمالي

أنشأت إسرائيل عدة نقاط عسكرية في هذه المنطقة، أبرزها:

التلول الحمر
قاعدة متقدمة تقع خارج المنطقة العازلة، وكانت سابقاً نقطة تمركز للقوات الروسية بعد عام 2018. وتكتسب هذه النقطة أهمية استراتيجية كبيرة لوقوعها على الطريق الواصل بين قرى ريف القنيطرة الشمالي وقرى ريف دمشق الغربي في سفح جبل الشيخ.

القاعدة مزودة بآليات عسكرية ثقيلة، وتُستخدم كنقطة انطلاق للتوغلات باتجاه بلدات حرفا وبيت جن.

قرص النفل
موقع لوجستي يحتوي على مهبط للطائرات، يقع شمال غرب بلدة حضر في قرية عين التينة، ويطل على بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل.

وقد زاره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برفقة عدد من المسؤولين في 19 نوفمبر 2025، مؤكداً من الموقع استمرار الوجود الإسرائيلي في سوريا.

قرص النفل، شمال غرب حضر ريف القنيطرة الشمالي | مصدر الصورة: مركز سجل

محمية جباثا الخشب
قاعدة عسكرية أُنشئت داخل محمية طبيعية بعد تجريف حوالي ثلثها، وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة، وتم توسيعها في يونيو، وأكتوبر 2025.

تُستخدم هذه القاعدة كنقطة إشراف على ريف القنيطرة الشمالي نظراً لارتفاع موقعها، كما تؤدي دوراً تكتيكياً في تأمين التحرك العسكري، إذ تنطلق منها الدوريات العسكرية للتوغل في قرى جباثا الخشب وطرنجة وأوفانيا، إضافة إلى مزارع الأمل ومحيط بلدة خان أرنبة، التي تُعد المركز الاقتصادي لمحافظة القنيطرة.

قاعدة محمية جباثا الخشب ، ريف القنيطرة الشمالي | مصدر الصورة: مركز سجل

3- الريف الأوسط للقنيطرة

يشهد هذا القطاع تمركزاً عسكرياً كثيفاً، يشمل:

قاعدة الحميدية
تقع على بعد مئات الأمتار فقط من المركز الإداري لمحافظة القنيطرة (مدينة السلام)، وتنطلق منها الدوريات العسكرية المتوغلة في ريفي القنيطرة الشمالي والأوسط.

وفي 16 يوليو 2025، هدمت القوات الإسرائيلية 16 منزلاً في قرية الحميدية لتوسعة القاعدة، التي زُودت لاحقاً بمنظومة دفاع جوي استُخدمت مرات عدة للتصدي للمسيّرات الإيرانية خلال المواجهة الأخيرة مع إيران.

قاعدة الحميدية، ريف القنيطرة الشمالي

قاعدة القنيطرة المهدمة
تُستخدم كمركز للعمليات والدوريات، وتقع في المدينة التي دمرها الجيش الإسرائيلي قبل انسحابه منها عام 1974 وتحديداً في مبنى العلاقات.

القنيطرة المهدمة

قاعدة العدنانية
تشرف على سد المنطرة، أكبر سدود الجنوب السوري والذي أصبح منطقة عسكرية مغلقة بعد توغل قوات الاحتلال في ديسمبر 2024، وتُعد مركزاً لانطلاق الدوريات باتجاه ريف القنيطرة الأوسط، ما يمنحها أهمية عسكرية واستراتيجية مرتبطة بالتحكم بالمياه.

قاعدة العدنانية، ريف القنيطرة الأوسط | مصدر الصورة: مركز سجل

تل أحمر غربي
يُعدّ موقعاً استراتيجياً للرصد العسكري، ومن أهم التلال الحاكمة في الجنوب السوري، إذ يشرف على مساحات واسعة من ريف القنيطرة وريف درعا الشمالي والغربي. ويوفّر هذا الموقع قدرة عالية على المراقبة والسيطرة النارية المحتملة. كما زُوّد الموقع بمنظومة دفاع جوي شاركت في اعتراض صواريخ ومسيّرات قادمة من إيران باتجاه الجولان المحتل.

قاعدة تل أحمر غربي، ريف القنيطرة الاوسط | مصدر الصورة: سجل

ثكنة الجزيرة – حوض اليرموك
كانت ثكنة استراتيجية تابعة لقوات نظام الأسد، وتقع في منطقة حيوية غنية بالمياه والأراضي الزراعية بالقرب من نهر اليرموك.

وتتيح هذه القاعدة السيطرة على واحدة من أهم المناطق الزراعية في الجنوب السوري، كما تمنح الاحتلال نفوذاً مباشراً على الموارد المائية، إلى جانب استخدامها كنقطة انطلاق للتوغلات في قرى حوض اليرموك المحاذية لشريط فض الاشتباك.

ثكنة الجزيرة، حوض اليرموك

من وجود مؤقّت إلى توسّع وبنية دائمة

تشير المعطيات الميدانية التي وثقها مركز سجل إلى انتقال واضح نحو ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد. فقد عملت القوات الإسرائيلية على إنشاء بنية تحتية متكاملة تشمل طرقاً عسكرية، وشبكات كهرباء، ومهابط للطائرات، إضافة إلى تحصينات هندسية متقدمة، ما يعكس تحولاً من انتشار مؤقت إلى تمركز طويل الأمد قائم على أسس لوجستية وعسكرية متكاملة.

تصميم (1): القواعد الإسرائيلية التسع في جنوب سوريا

كما رُصدت مؤخّراً عمليات نقل لوجستي شملت إدخال غرف مسبقة الصنع ومعدات أخرى إلى عدة مواقع. ففي 17 أبريل 2026، شهد تل أحمر شرقي عمليات تعزيز لوجستي جديدة، بما يعزز شبكة الإشراف والسيطرة الإسرائيلية في القطاع الجنوبي.

تل أحمر شرقي، ريف القنيطرة الجنوبي | مصدر الصورة: مركز سجل

وفي 19 أبريل 2026، رُصدت تحركات مشابهة في تل الحمرية الواقع بين جباثا الخشب وحضر وطرنجة، ما يرجح إمكانية تحويله إلى نقطة رصد متقدمة داخل العمق السوري.

طريق سوفا 53

بالتوازي مع بناء القواعد العسكرية وتحصينها، استمر العمل على طريق “سوفا”، الذي بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي العمل عليه أواخر عام 2022.

ويمتد الطريق من غرب قرية عين التينة في سفح جبل الشيخ وصولاً إلى جنوب صيدا الحانوت، عابراً مساحات واسعة من ريف القنيطرة، وقد ترافق شقه مع اقتطاع أراضٍ زراعية ورعوية تُقدّر بما لا يقل عن 12 ألف دونم، إضافة إلى ضم مواقع استراتيجية مثل تل عكاشة غرب قرية بريقة في ريف القنيطرة الأوسط.

وتكمن الأهمية العسكرية لهذا الطريق في طبيعته الهندسية، حيث يرافقه خندق عميق يصل في بعض مناطقه إلى نحو خمسة أمتار، ما يجعله عائقاً فعلياً أمام الحركة، ويساهم في رسم حدود ميدانية جديدة داخل الأراضي السورية.

كما يتكامل الطريق مع شبكة القواعد والنقاط العسكرية المنتشرة في ريف القنيطرة بما يعزز قدرة قوات الاحتلال على الحركة والسيطرة.

التأثيرات على السكان المحليين

انعكس هذا الواقع بشكل مباشر على السكان المحليين، إذ أصبح الوصول إلى الأراضي الزراعية مقيداً، فضلاً عن خسارة مساحات واسعة ومصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية والرعوية نتيجة أعمال التجريف وبناء القواعد العسكرية.

كما ساهمت الإجراءات الأمنية المشددة، بما في ذلك إطلاق النار من القواعد العسكرية على رعاة الأغنام وقطعانهم، في خلق بيئة غير مستقرة تعيق الحياة اليومية، وأصبحت مهن الزراعة ورعي المواشي، وهي المهام الرئيسية في القرية، محفوفة بالمخاطر، سواء نتيجة الاستهداف المباشر أو الاحتجاز.

وفي هذا السياق، وثق مركز سجل مقتل الشاب أسامة الفهد إثر استهدافه بقذيفة دبابة ميركافا أثناء رعيه الأغنام في قرية الزعرورة بريف القنيطرة الجنوبي بتاريخ 3 أبريل 2026.

كما وثق المركز خلال الشهر ذاته 11 حالة احتجاز مؤقت لرعاة أغنام ومزارعين أثناء عملهم.

إلى جانب استهداف المدنيين، وثق المركز خمس حالات استهداف لقطعان الماشية خلال شهري مارس وأبريل، ما أدى إلى نفوق عدد منها.