بين “عقد الدم” و”عقد المواطنة”.. كيف يبدو مشهد الانتخابات الإسرائيلية بالنسبة لدروز الجولان

  • بعد عقود من رفض الجنسية الإسرائيلية ومقاطعة صناديق الاقتراع، شهد الجولان تحوّلاً لافتاً، إذ بلغت نسبة حاملي الجنسية الإسرائيلية بين سكانه الدروز نحو 45% وفق بيانات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية في أكتوبر 2026. وتسارع التحوّل بعد أحداث السويداء وضربة مجدل شمس، لكنه لا يحمل معنى سياسياً واحداً لدى جميع المتجنّسين.
  • لا يُترجم اتساع التجنيس تلقائياً إلى مشاركة واسعة في انتخابات الكنيست أو ولاء لحزب محدّد. فبين السكان من ينظر إلى الجنسية باعتبارها مدخلاً إلى الأمان والاستقرار، ومن يربطها بالانتماء، ومن يستمر في مقاطعة الانتخابات رغم حملها. كما تختلف شروط المشاركة في الانتخابات المحلية عن انتخابات البرلمان.
  • تكشف الشهادات الميدانية تباينات داخل الأجيال والعائلات، لا انقساماً بسيطاً بين كبار متمسكين بالهوية السورية وشباب متجهين نحو إسرائيل. بعض الشباب يقاطع، وبعض الأكبر سناً يعيد النظر في موقفه، بينما يجمع آخرون بين الاندماج الاقتصادي والتعليمي والاحتفاظ بهوية سورية.
  • يتقاطع التحوّل في الجولان مع أزمة أقدم لدى دروز الجليل والكرمل، تتعلق بالفجوة بين خطاب “الإخوة في السلاح” والمساواة في الحقوق. وقد عمّق قانون القومية لعام 2018 هذه الأزمة، وأعاد طرح مطلب مواطنة كاملة لا يُختزل الاعتراف بها في الخدمة العسكرية والتضحيات.
  • تتفاوت مواقع المرشحين الدروز وفرصهم؛ فحمد عمّار سابعاً في “إسرائيل بيتنا”، وكميل أبو ركن ثالث عشر في “يشار”، يقعان ضمن النطاق الذي منحته استطلاعات رئيسية لحزبيهما، بخلاف علي صلالحة في المرتبة الثامنة عشرة لدى “الديمقراطيون”. ويأتي مولى ملا في المرتبة الحادية والأربعين لدى الليكود، فيما خرج مفيد مرعي من السباق بانسحاب “أزرق أبيض”.
  • لم تتحوّل مبادرة “تحالف الإخوة” إلى مشاركة انتخابية مستقلة؛ إذ أعلن مؤسسها وجدي سرحان في سبتمبر عدم خوض الانتخابات بعد تعثّر محاولات التحالف. وتبقى قضية التمثيل مفتوحةً بين وجود شخصيات درزية على القوائم وقدرتها الفعلية على الوصول والتأثير.
  • أثارت محاولات إسرائيل تقديم نفسها حامياً لدروز المنطقة سجالاً داخل المجتمعات الدرزية. وبين من يرى في التدخّل الإسرائيلي سنداً ومن يراه توظيفاً سياسياً للمأساة، تبقى انتخابات أكتوبر اختباراً لحجم المشاركة واتجاهاتها، لا حكماً نهائياً على الهوية أو مستقبل العلاقة بالاحتلال.

مقدّمة

تُجرى انتخابات الكنيست السادس والعشرين في 27 أكتوبر 2026، وسط منافسة سياسية حادّة وتغيّرات طالت القوائم حتى الأيام الأخيرة. فبعد تقديم 38 قائمة في سبتمبر، انسحب حزب “أزرق أبيض” بزعامة بيني غانتس، واكتملت إزالة قائمته من السباق في 21 أكتوبر، ليبقى عدد القوائم المتنافسة 36.

وكما جرت العادة قبيل كل استحقاق، عادت “القضية الدرزية” إلى المشهد عبر زيارات زعماء الأحزاب للبلدات الدرزية، والوعود بالتمثيل وتطوير الخدمات، واستحضار خطاب “الإخوة في السلاح” و”عقد الدم”. غير أن حضور الجولان في هذه الانتخابات لا يمكن اختزاله في السياق نفسه الذي يحكم علاقة دروز الجليل والكرمل بالدولة الإسرائيلية.

فالمشهد يتوزّع على ثلاثة مستويات متداخلة: موقف دروز الجولان المحتل من التجنيس والمشاركة الانتخابية، والخلاف داخل المجتمع الدرزي الأوسع حول المساواة وحدود العلاقة بإسرائيل، ومواقع الشخصيات الدرزية في القوائم الحزبية وقدرتها على تحويل الحضور الانتخابي إلى تأثير سياسي.

ملصق لرئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو في بقعاثا بالجولان السوري المحتل – 12 أكتوبر 2026 | مصدر الصورة: تايمز أوف إسرائيل

وقد أضافت أحداث السويداء عام 2025 بُعداً جديداً إلى هذه المعادلة، بعدما دفعت بعض سكان الجولان إلى إعادة تقييم موقفهم من إسرائيل، بينما رأى آخرون في خطاب الحماية محاولةً لاستثمار المأساة وتكريس الاحتلال. وبين الاتجاهين، يتداخل البحث عن الأمان والحقوق مع أسئلة الهوية والانتماء، من دون أن ينتج عن ذلك موقف سياسي موحّد.

الجولان بين المقاطعة التاريخية وتصاعد التجنيس

منذ احتلال الجولان عام 1967، رفضت الغالبية الساحقة من سكان القرى الدرزية الأربع، مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنية، قبول الجنسية الإسرائيلية، وتمسّكت بهويتها السورية. وبعد فرض القانون الإسرائيلي على الجولان عام 1981، بقي كثيرون على صفة الإقامة الدائمة، التي أتاحت لهم العمل والحصول على خدمات من دون اكتساب الجنسية.

ويشكّل التمييز بين الجنسية والإقامة الدائمة مدخلاً لفهم السلوك الانتخابي؛ فحمل بطاقة هوية إسرائيلية لا يعني وحده أن صاحبها مواطن إسرائيلي. كما تختلف القواعد الانتخابية: فانتخابات الكنيست تقتصر على المواطنين المستوفين للشروط، بينما شملت أهلية التصويت في الانتخابات المحلية بالجولان المقيمين الدائمين أيضاً، مع اشتراط الجنسية للترشّح. لذلك قد يشارك السكان في اختيار مجلس محلي من دون أن يكونوا مؤهلين للتصويت للكنيست أو راغبين فيه.

وقد رافقت الانتخابات المحلية الأولى في القرى الدرزية عام 2018 دعوات إلى المقاطعة، انطلقت من اعتبارها إضفاءً للشرعية على إدارة الاحتلال. وانقسم النقاش حول ما إذا كان انتخاب مجلس محلي وسيلةً لتحسين الخدمات أو خطوةً نحو الاندماج السياسي، في ظل ضغوط اجتماعية ودينية على المشاركين.

دروز من سكان مجدل شمس في مرتفعات الجولان يُضرمون النار في أوراق اقتراع بديلة – 19 أكتوبر 2018 | مصدر الصورة: وكالة فرانس برس

غير أن أرقام التجنيس تظهر تسارعاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة. وارتفعت طلبات التجنيس في قرى الجولان الدرزية من نحو 570 طلباً عام 2024 إلى 3,750 عام 2025، بحسب وزارة الداخلية الإسرائيلية. فقد أفاد تقرير هآرتس في أغسطس بأن 1,444 من دروز الجولان طلبوا الجنسية خلال النصف الأول من عام 2026، وأن نحو 44% باتوا يحملونها. وفي 21 أكتوبر، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن وزارة الداخلية الإسرائيلية أن النسبة تقارب 45%. ويختلف عدد الطلبات عن عدد من مُنحوا الجنسية بالفعل، فيما تشمل نسبة المواطنين فئات عمرية مختلفة ولا تمثل بذاتها نسبة الناخبين.

وربط عدد ممن قابلتهم الوكالة هذا التحوّل بالتدخل الإسرائيلي في سوريا عام 2025، الذي قدّمته حكومة نتنياهو بوصفه حمايةً للدروز خلال أحداث السويداء. كما استحضروا ضربة مجدل شمس في يوليو 2024، التي قتلت 12 طفلاً وفتى؛ وهي الضربة التي اتهمت دولة الاحتلال حزب الله بتنفيذها مع نفي الحزب لذلك.

وفي تفسيره لهذا المسار، ربط أستاذ العلوم السياسية سليم بريك الموقف التاريخي بعلاقات القرابة مع سوريا والمقاطعة الاجتماعية والدينية، مشيراً أيضاً إلى بُعد جيلي في التحوّل. وتظهر الشهادات المنشورة تبايناً في الدوافع، بين الشعور بالأمان والرغبة في الانتماء والاستفادة من الحقوق؛ ما يجعل التجنيس مساراً متعدد المعاني، لا تعبيراً موحّداً عن القبول السياسي بالضم.

من التجنيس إلى الاقتراع: خطوة غير محسومة

تظهر مؤشرات على تراجع الحرج الاجتماعي المرتبط بالمشاركة الانتخابية. فقد نقلت هآرتس عن الشيخ طاهر أبو صالح، الزعيم الروحي لدروز الجولان، قوله لن يكون هناك مقاطعة. وفي بقعاثا، قال رئيس المجلس ويليام أبو عواد إنه يتوقع مشاركة 300–500 ناخب، مقارنةً بأقل من 75 في انتخابات الكنيست عام 2022، في تقدير يعكس رهانه على اتساع المشاركة هذه المرة.

وفي المقابل، وثّقت المقابلات المنشورة استمرار مواقف رافضة للتصويت، بما فيها بين الشباب. وهكذا تتسع دائرة المؤهلين قانونياً للمشاركة، بينما تبقى الرغبة في الاقتراع والخيارات الحزبية مسألتين منفصلتين عن قرار الحصول على الجنسية.

ويظهر استمرار الخطاب الوطني أيضاً في لقاء مجدل شمس، الذي نُشر خبر انعقاده في يونيو 2026 تحت عنوان “العرب الدروز في الشرق وتحديات المرحلة”، بمشاركة ناشطين من الحركة الوطنية في الجولان والحركة التقدمية. وحذّرت التغطية من تحويل الدروز إلى أدوات في مشاريع الدويلات، بما يؤكّد بقاء تيار يرفض اختزال مستقبل المجتمع في الحماية الإسرائيلية.

مشاركون في لقاء “العرب الدروز في الشرق وتحديات المرحلة” في مجدل شمس بالجولان المحتل – 23 يونيو 2026

وبحسب نقاشات أجراها مركز سجل مع وجهاء ورجال دين وعاملين في المجتمع المدني داخل الجولان، لا تزال تفاصيل النظام الانتخابي وخرائط الأحزاب غير واضحة لدى بعض السكان. ويميل بعض المشاركين في هذه النقاشات إلى الفصل بين الانتخابات المحلية، باعتبارها مرتبطة بالخدمات، وانتخابات الكنيست، التي يرونها مشاركةً في السياسة العامة للاحتلال. وتقدّم هذه النقاشات ملاحظات ميدانية نوعية عن دوافع السكان، من دون أن تمثّل استطلاعاً لحجم كل اتجاه.

وتشير النقاشات نفسها إلى اهتمام لدى بعض المتحدثين بغادي ايزنكوت، وبوجود كميل أبو ركن في موقع متقدّم على قائمته. وفي المقابل، يتأثر آخرون بخطاب نتنياهو حول حماية الدروز في سوريا. وتكشف هذه المواقف عن تعدّد مسارات الاستمالة الحزبية، بينما يستمر آخرون في مقاطعة انتخابات الكنيست رغم حصولهم على الجنسية.

لا موقف درزياً واحداً في الجولان

تكشف الشهادات التي جمعها مركز سجل أن الاختلاف لا يقتصر على حدود القرى أو الأجيال؛ بل يظهر داخل العائلة الواحدة، وبين أشخاص مرّوا بتجارب متقاربة ووصلوا إلى استنتاجات مختلفة.

تقول ليال، معلمة ابتدائية في العشرينيات من أسرة حصلت على الجنسية قبل ثلاث سنوات، إنها تفكّر جدياً في التصويت، لا ارتباطاً بحزب محدّد، بل لأن وجود مرشحين دروز في مواقع متقدمة يمنحها شعوراً بإمكان التأثير. وتضيف أن جيلها نشأ على اعتبار التصويت “خيانة صامتة”، لكنها ترى اليوم أن الصمت نفسه لم يعد يوفر حمايةً لأقاربها في السويداء. وهي تفاضل بين “إسرائيل بيتنا” و”يشار”، من دون حسم قرارها.

أما كنان، وهو شاب في الثلاثينيات يعمل في تجارة الخضار ولم يحصل على الجنسية، فيقول إن الانتخابات لا تعنيه. يستحضر رفض جده للتجنّس وتمسّك والده بالموقف نفسه، ويرى أن التصويت لأي حزب إسرائيلي اعتراف بشرعية يرفضها. وهو يقرأ خطاب “حماية الدروز” باعتباره توظيفاً سياسياً لا يغيّر موقفه من الاحتلال.

وتتحدث أم وليد، وهي سيدة ستينية فقدت قريباً في أحداث السويداء، عن إعادة نظر متأخرة. فبعدما اعتبرت المشاركة طوال حياتها خطاً أحمر، تقول إنها باتت تفكر في التصويت لمن يدافع عن الدروز في سوريا، لا حباً بإسرائيل، بل خوفاً من غياب سند آخر. وتشير بدورها إلى احتمال التصويت لـ”إسرائيل بيتنا” أو “يشار”.

أما شادي، وهو طالب جامعي في العشرينيات، فيصف حيرةً مختلفة: يحمل جواز سفر إسرائيلياً يستخدمه في السفر والدراسة، لكنه لا يشعر بأنه إسرائيلي، ولا يستطيع استعادة الهوية السورية بالطريقة التي عاشها جده. ويقول إنه لم يحسم المشاركة، وإن النقاش نفسه يتكرر بين أصدقائه.

ويقدّم وائل، وهو ستيني عمل في التجارة، تفسيراً يرتبط بحياة أبنائه أكثر من الانتماء الحزبي. فهو يريد التصويت للمرة الأولى لأن جيلهم يعيش داخل المؤسسات الإسرائيلية اقتصادياً وتعليمياً، ويرى أن المقاطعة تحرمه من التأثير في قرارات تمسّه مباشرة، من دون أن يغيّر ذلك موقفه من قضية الجولان.

تضيء هذه الشهادات على الفروق بين دوافع المتجنّسين والناخبين؛ فقد تكون الجنسية عند شخص بحثاً عن الانتماء، وعند آخر إجراءً عملياً، وعند ثالث خطوةً لا تتبعها مشاركة انتخابية أصلاً. كما تكشف أن التردّد لا يسير دائماً على خط فاصل بين جيلين، بل قد يجمع الشباب وكبار السن في الأسئلة نفسها.

بين “الإخوة في السلاح” والمطالبة بالمساواة

يختلف السياق التاريخي لدروز الجولان عن سياق دروز الجليل والكرمل. فخطاب “عقد الدم” في السياسة الإسرائيلية يستند أساساً إلى الخدمة العسكرية للدروز المواطنين، بينما ارتبط موقف دروز الجولان برفض الاحتلال والتمسك بالهوية السورية. وقد أبرزت التغطيات الميدانية هذا الاختلاف بين المجتمعين، رغم الروابط الدينية والعائلية بينهما.

وتظهر أزمة “عقد الدم” حين يُقدَّم الاعتراف بالدروز من خلال تضحيات الجنود، بينما تبقى مطالب المساواة والتخطيط والسكن والميزانيات موضع خلاف. وقد عمّق قانون القومية، الذي أُقرّ عام 2018، هذا الشرخ؛ إذ نصّ على خصوصية حق تقرير المصير القومي للشعب اليهودي، من دون إدراج ضمان صريح للمساواة في نصه.

متظاهرون من أبناء الطائفة الدرزية في مظاهرة بمدينة تل أبيب احتجاجاً على قانون القومية في إسرائيل – 8 أغسطس 2018 | مصدر الصورة: وكالة الأنباء الأوروبية

وعادت هذه المسألة بقوة مع سقوط جنود وضباط دروز خلال الحرب، وسط دعوات إلى استبدال الاعتراف الاستثنائي بمبدأ مساواة يشمل جميع المواطنين. وحذّر نقد قانوني إسرائيلي من الاكتفاء بقانون خاص للدروز بدلاً من معالجة الخلل في الإطار الدستوري العام؛ فالمطلوب، وفق هذا الاتجاه، ليس امتيازاً منفصلاً، بل حقوقاً متساوية.

ومن هنا يختلف معنى “عقد المواطنة” باختلاف السياق. ففي الجليل والكرمل يتعلق بمواطنين يطالبون بالمساواة داخل الدولة، بينما يطرح في الجولان سؤالاً أسبق: هل يختار السكان التجنيس والمشاركة أصلاً، وكيف يوفّقون بين ذلك وبين وضع الأرض المحتلة وهويتهم السورية؟

حماية الدروز: خطاب انتخابي ومحل خلاف

أدخلت أحداث السويداء العلاقة بإسرائيل في صلب نقاش يتجاوز حدود الجولان. ففي لقاء انتخابي في يركا خلال أكتوبر، قال نتنياهو إنه تدخّل شخصياً لدى الرئيس السوري أحمد الشرع لوقف العنف ضد الدروز. وفي المقابل، انتقد حمد عمّار هذه الرواية، معتبراً أن من استطاع وقف “المجزرة” كان يستطيع منع وقوعها. وتركّز انتقاده على توقيت التدخل وجدواه، من دون أن يتضمن وحده طرحاً بديلاً للعلاقة مع دمشق.

رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو  ووزير دفاعه، خلال تجمع انتخابي لحزب “الليكود” مع ناخبين دروز – 15 أكتوبر 2026

كما اعتبر البعض إشادة الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في الأراضي المحتلة، موفق طريف، بتدخل نتنياهو تأييداً لنتنياهو، قبل أن ينفي طريف نفسه تأييد أو الدعوة إلى التصويت له، مؤكّداً أن الاختيار يعود إلى تقدير الناخب وضميره.

وامتد الخلاف إلى السويداء نفسها. فقد رفض عاطف هنيدي تصريحات لحكمت الهجري اعتبر فيها الدروز جزءاً من إسرائيل، ورأى أنها لا تستند إلى أساس تاريخي أو ديني. وأعقب ذلك اقتحام منزله وخروجه إلى دمشق؛ وبينما وصفت تقارير ما جرى بأنه إكراه ونفي، قال “الحرس الوطني” إنه أمّن خروجه بناءً على رغبته.

وتكشف هذه السجالات حدود الحديث عن موقف درزي موحّد. فالمأساة نفسها التي دفعت بعض السكان إلى تأييد التدخل الإسرائيلي دفعت آخرين إلى التحذير من التبعية السياسية. أما استدامة أي حماية خارجية وشروطها فتبقى مرتبطة بموازين القوى والقرارات السياسية، في حين يحوّلها الخطاب الانتخابي إلى وعد يتنافس المرشحون على نسبته إلى أنفسهم.

خريطة الترشح الدرزي: الحضور لا يساوي فرصة الفوز

تكشف القوائم المنشورة تفاوتاً كبيراً بين إدراج اسم درزي وبين وضعه في مرتبة تؤهله فعلياً للوصول إلى الكنيست. كما أسهمت الانسحابات المتأخرة في تغيير خريطة المرشحين قبل الاقتراع.

في “إسرائيل بيتنا” بزعامة أفيغدور ليبرمان، يحتل حمد عمّار المرتبة السابعة. وقد منحت استطلاعات 23 أكتوبر الحزب ثمانية مقاعد في القنوات 12 و13 وهيئة البث، ما يضعه داخل نطاق الفوز المتوقع، مع بقائه مرتبطاً بالنتيجة الفعلية للحزب.

وفي “يشار” بزعامة غادي ايزنكوت، يأتي اللواء المتقاعد كميل أبو ركن في المرتبة الثالثة عشرة، داخل نطاق أوسع للفوز وفق الاستطلاعات نفسها التي منحت الحزب 22–23 مقعداً. ويمنح ذلك ترشيحه وزناً في التنافس على الناخبين الدروز، مقارنةً بأسماء أخرى تقع في مراتب أبعد من الحصيلة المتوقعة لأحزابها.

أما “الديمقراطيون” بزعامة يائير غولان، فيضع علي صلالحة في المرتبة الثامنة عشرة وأمير خنيفِس في الخامسة والعشرين. ومع حصول الحزب على تسعة إلى عشرة مقاعد في تلك الاستطلاعات، يقع المرشحان خارج النطاق المتوقع للدخول.

وفي الليكود، يأتي مولى ملا في المرتبة الحادية والأربعين، وهي مرتبة بعيدة عن عدد المقاعد الذي منحته الاستطلاعات الأخيرة للحزب. ويعكس هذا الترتيب فارقاً بين حضور المرشح الدرزي على القائمة وإمكان تحوّل هذا الحضور إلى تمثيل برلماني.

ومن أبرز المستجدات انسحاب “أزرق أبيض” بزعامة بيني غانتس في 19 أكتوبر. وكان مفيد مرعي سابعاً في قائمته، لكن جميع المرشحين استقالوا لاحقاً، وأعلنت لجنة الانتخابات في 21 أكتوبر أن القائمة لن تشارك بالاقتراع، مع إزالة أوراقها من الصناديق. وبذلك خرج مرعي من السباق، ومع انسحاب قائمة “حركة أحي” لاحقا، انخفض عدد القوائم المتنافسة من 38 إلى 36.

وتضمّ القوائم أسماء درزية أخرى في مراتب متأخرة، منها جدعان عباس في المرتبة 117 لدى “يشار”، وعبد الله أبو معروف في المرتبة 102 لدى القائمة المشتركة. وتكشف هذه المواقع اتساعاً في الحضور الاسمي يتجاوز عدد المرشحين ذوي الفرص الفعلية في دخول الكنيست.

“تحالف الإخوة”: مبادرة لم تصل إلى صناديق الاقتراع

أُعلن في مايو 2026 إطلاق حزب “تحالف الإخوة” بقيادة العقيد المتقاعد وجدي سرحان، في محاولة لبناء إطار سياسي درزي مستقل عن التمثيل الفردي داخل الأحزاب الكبرى. وحملت المبادرة اعتراضاً على الاكتفاء باستدعاء أصوات الدروز من دون منح قضاياهم وزناً سياسياً مماثلاً.

العقيد المتقاعد وجدي سرحان، القائد السابق لكتيبة درزية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، يعلن تأسيس حزب سياسي درزي جديد – 4 مايو 2026 

لكنها لم تتحوّل إلى قائمة متنافسة، ففي 8 سبتمبر أعلن سرحان الانسحاب، موضحاً أن محاولات بناء تحالف لم تنجح، وأن الأحزاب الكبرى رأت في الارتباط به مخاطرة، بينما لم تتوافر لدى الأحزاب الأصغر شروط اتفاق مشترك ومتوازن.

ويكشف هذا التعثّر صعوبة الانتقال من الاعتراض على موقع الدروز داخل الأحزاب إلى تأسيس بديل انتخابي مستقل. ففي هذه الدورة، بقي المرشحان الأوفر حظاً بالوصول، عمّار وأبو ركن، ضمن قائمتين غير درزيتين، بينما ظلّ سؤال القدرة على التأثير من داخل الكتل الكبرى قائماً.

كيف تُخاطَب الطائفة، ومن يتحدث باسمها؟

يختلف الخطاب بحسب الجمهور، وإن تداخلت مفرداته. فتجاه دروز الجليل والكرمل، تتقدم مطالب المساواة والتخطيط والسكن والتمويل، إلى جانب موقع الخدمة العسكرية في تعريف العلاقة بالدولة. أما في الجولان، فتضاف أسئلة الجنسية والهوية السورية والمقاطعة، لتصبح المشاركة نفسها موضوعاً للخلاف قبل الاختيار بين الأحزاب.

وقد جعلت أحداث السويداء هذه الحدود أكثر تداخلاً؛ إذ صار حديث المرشحين عن حماية الدروز خارج إسرائيل جزءاً من استمالة الناخبين داخلها. لكن خلاف عمّار مع نتنياهو، وتوضيح طريف بشأن عدم تأييد حزب، والانقسام حول تصريحات الهجري، كلها تظهر تعدّد المرجعيات السياسية والدينية والاجتماعية، وحدود قدرة أي منها على التحدث باسم المجتمع كله.

وفي الجولان تحديداً، تدخل المناقشة الانتخابية مرحلةً أكثر علنية، بينما تتشكل الخيارات بين الحسابات المحلية والروابط الطائفية والموقف من سوريا وتقدير جدوى المشاركة. وتكشف المقابلات المنشورة أن بعض السكان يبحث عن تمثيل يحسّن التعليم والاقتصاد والخدمات، بينما يركّز آخرون على الأمن والانتماء، ويظل آخرون رافضين للمشاركة من أساسها.

انتخابات تختبر المشاركة ولا تحسم الهوية

تفتح انتخابات أكتوبر سؤالاً جديداً في الجولان، لكنه ليس سؤال انتقال جماعي من هوية إلى أخرى. فزيادة حاملي الجنسية، وتراجع الحرج من التصويت لدى بعض السكان، وبقاء المقاطعة لدى آخرين، تتزامن داخل المجتمع نفسه. كما قد يشارك الناخب بحثاً عن خدمات أو تمثيل أو حماية، من دون أن يتبنّى برنامج الحزب كاملاً أو يتخلى عن موقفه من الاحتلال.

وبالمثل، يظل الفرق قائماً بين وصول شخصية درزية إلى الكنيست وبين قدرتها على التأثير في التشريع والميزانيات والتخطيط، كما يظهر استمرار النقاش حول المساواة رغم عقود من خطاب الشراكة العسكرية. فالتمثيل العددي عنصر في العلاقة السياسية، لكنه لا يستوعب وحده المطالب المتعلقة بمضمون المواطنة.

ومن هنا يلتقي مسارا الجولان والجليل والكرمل عند سؤال الحقوق والتمثيل، لكنهما ينطلقان من وضعين مختلفين: مجتمع مواطنين يطالب بالمساواة، ومجتمع تحت الاحتلال تتسع فيه الجنسية فيما يبقى معناها السياسي موضع نزاع. فـ”عقد الدم” لم يكن الأساس التاريخي لعلاقة دروز الجولان بدولة الاحتلال، بينما يضعهم التجنيس المتزايد أمام أسئلة جديدة عن حدود الاندماج ووسائل التأثير والاحتفاظ بالهوية السورية.

ستوضح نتائج الاقتراع مقدار ما تحوّل من الاستعداد المعلن إلى مشاركة فعلية، وأي الأحزاب استفاد منها. أما مستقبل الهوية السورية في الجولان، ومعنى التجنيس، ومن يملك حق تمثيل المجتمع والتحدث باسمه، فتبقى أسئلةً أوسع من أن تحسمها دورة انتخابية واحدة.