نبوءة التدخّل الأمني التي تصرّ على تبرير وجودها

قراءة تحليلية في دراسة مركز “ألما” حول البنية الإرهابية المحتملة لإيران وحزب الله في الجنوب السوري

تحت عنوان “The Potential Terror Infrastructure of Iran and Hezbollah in Southern Syria Is Deployed Across Dozens of Localities”، نشر مركز ألما للأبحاث والتعليم (Alma Research & Education Center) بتاريخ 15 أكتوبر 2025 دراسة جديدة ضمن سلسلة أوراقه التي تتناول “التهديدات الأمنية” على الجبهة الشمالية لإسرائيل.

كتب الورقة Tal Beeri، وهو ضابط احتياط سابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) ومتخصّص في متابعة أنشطة “محور المقاومة” في سوريا ولبنان، ويُعدّ أحد الباحثين الرئيسيين في المركز المسؤولين عن إنتاج التحليلات الميدانية التي تُستخدم من قبل الدوائر الأمنية في تل أبيب.

يمكن الاطلاع على الورقة الكاملة عبر الرابط الآتي:

https://israel-alma.org/the-potential-terror-infrastructure-of-iran-and-hezbollah-in-southern-syria-is-deployed-across-dozens-of-localities/

أولاً: هدف الدراسة ومنهجها

تأتي الدراسة التي نشرها مركز ألما للأبحاث والتعليم في إطار ما يصفه المركز بأنه “متابعة استخبارية استباقية” لنشاطات إيران وحزب الله في الجنوب السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد. يسعى المركز، الذي يرتبط مؤسّسوه ومستشاروه بمؤسسات عسكرية إسرائيلية (منها شعبة الاستخبارات العسكرية ووحدات المراقبة في الجولان)، إلى رسم صورة تُبرز استمرار ما يسميه “التهديد الإيراني الهيكلي” داخل الأراضي السورية، حتى في غياب النظام السابق.

توضح الورقة في مقدّمتها أن الهدف الرئيس هو التحذير من إمكانية “إعادة تموضع” إيران وحزب الله ضمن بيئة جنوب سوريا، وأن المنطقة (من وجهة نظر إسرائيلية) ما زالت تُعدّ “جبهة مواجهة مباشرة” بسبب قربها من الجولان المحتل وتداخلها الجغرافي والاجتماعي مع لبنان والأردن.

اعتمدت الدراسة في بناء هذا التقدير على مصادر مفتوحة (OSINT) من صور أقمار صناعية، وخرائط رقمية من شركات تجارية، إضافةً إلى ما وصفته بـ”معلومات بشرية محلية” (Human Sources) من سكان القرى الجنوبية، مع الإشارة إلى استخدام بيانات أمنية إسرائيلية سابقة نُشرت خلال الأعوام 2021-2024.

تشتمل الورقة على ما يزيد عن أربعين موقعاً موزّعاً بين محافظتي درعا والقنيطرة بشكل أساسي، صنّفتها بحسب تقدير المركز إلى ثلاث فئات:

1- مواقع تدريب وتخزين محتمل لما يسمّيه “الوحدة 840” التابعة لفيلق القدس.

2- نقاط اتصال واستخبارات ميدانية تعمل عبر متعاونين محليين أو عبر عناصر سورية سابقة في قوات النظام.

3- ممرات لوجستية لتهريب السلاح والمسيّرات الصغيرة نحو الجبهة اللبنانية أو الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتؤكد الدراسة أن معظم هذه المواقع “خامدة حالياً”، لكنها تعتبرها بنى كامنة يمكن إعادة تفعيلها متى ما سنحت الظروف، وهو ما يعبّر عنه النص حرفياً بعبارة:

“The potential terror infrastructure is dormant but intact and can be reactivated whenever circumstances allow.”

يعتمد منهج التحليل في الورقة على الاستقراء الأمني لا على المعاينة الميدانية، إذ لم تُقدَّم فيها أدلة تصويرية دقيقة أو وثائق تُثبت نشاطاً قائماً بعد سقوط النظام، بل تستند إلى سلسلة من الاحتمالات والتحذيرات الاستشرافية التي تصبّ في اتجاه واحد: تبرير استمرار المراقبة والتدخّل الإسرائيليين في الجنوب السوري بدعوى منع “التموضع الإيراني”.

وبالرغم من غياب أي دلائل ميدانية ملموسة، يصرّ مركز ألما على أن “البنى لا تزال موجودة وقابلة للتشغيل”، مستخدماً لغة حاسمة تُوحي بأن الخطر ثابت ومباشر، حتى من دون وقائع محدثة. هذه اللهجة تؤكد أن هدف الورقة ليس فقط التقييم، بل ترسيخ مقاربة أمنية طويلة الأمد تُبقي الجنوب السوري في حالة تأهّب من منظور إسرائيلي.

ويُضاف إلى ذلك بالنظر إلى الخريطة أعلاه طبقةٌ أخرى من الانتقائية في ما يُفترض أن يكون استقراءً موضوعياً للواقع، الهدف منها تطويع الواقع ليناسب المصالح الإسرائيلية. فمثلاً، تتغاضى الخريطة عن شبكات محلية في محافظة السويداء كانت تعمل بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، وكانت محورها الأساسي تجارة الكبتاغون وتمويل خطوط التهريب. 

منذ نحو 2018 وحتى انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024 لعبت خلايا ومحاور محلية في السويداء (بما فيها تجمعات قبلية وتجارية في بلدات مثل المشنف، عتيل، والملح)، دوراً محورياً في تسهيل مرور شحنات المواد الأولية ومنتجات تصنيع المخدرات عبر البادية وصولاً إلى الحدود الأردنية، كما أمّنت شبكة علاقات وسطاء محليين مع عناصر ووسطاء مرتبطين بفصائل محسوبة على الحرس الثوري الإيراني وميليشياته في ريف درعا والقصير.

هذه الأنشطة لم تكن مجرد جرائم اقتصادية معزولة، بل شكّلت جزءً من منظومة تمويلية وأمنية موازية وفّرت غطاء اجتماعياً وموارد لجهات مسلحة محلية، واستُخدمت أحياناً كقناة تمويل بديلة لحزب الله بعد ضغوط وعقوبات على التمويل المباشر من طهران. لذلك، إدراج المواقع العسكرية واللوجستية فقط (كما فعلت الخريطة) يعطي صورة غير مكتملة؛ الواقع يؤكّد أن النفوذ الإيراني وحضور حزب الله في الجنوب اعتمدا قبل سقوط نظام الأسد على تحالفات محلية مرنة ومخططات اقتصادية غير رسمية، ما يجعل أي تقييم للمخاطر والقدرات في المنطقة ناقصاً ما لم يُؤخذ هذا البُعد الاقتصادي-الاجتماعي بالاعتبار.

ثانياً: الإصرار على تكرار سردية “الخطر الإيراني” و”تهديد حزب الله”


يتّضح من قراءة نص الدراسة أن مركز ألما لا يكتفي بعرض معطيات استخبارية أو تحليلية حول الجنوب السوري، بل يعيد إنتاج الرواية الأمنية الإسرائيلية التقليدية التي تَعتبر إيران وحزب الله مصدر التهديد المستمر على “أمن الجبهة الشمالية”. فالمركز لا يناقش الوقائع الميدانية بقدر ما يُعيد صياغة التهديد في إطار استراتيجي ثابت: “العدو موجود، ولو لم يتحرّك بعد”.

يستخدم كاتب الورقة خطاباً يقوم على التكرار الممنهج لمفردات محددة مثل  terror infrastructure، Iranian entrenchment، Hezbollah presence، proxy militias، ويُسقطها على كل منطقة بين القنيطرة ودرعا، وكأن الوجود الإيراني حقيقة ثابتة وليست فرضية استخبارية يمكن اختبارها، ومن ثم إثباتها أو تفنيدها. كما يُدرج الجنوب السوري ضمن ما يسميه “The Shiite Axis Forward Line”، التي يمكن ترجمتها إلى “مقدّمة خط المحور الشيعي” ، وهي عبارة تُختزل فيها كل التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة ضمن منظور صدامي واحد يبرّر بقاء إسرائيل في حالة تأهّب دائم.

هذه المقاربة لا تنفصل عن السياق السياسي الذي يحكم التفكير الإسرائيلي بعد سقوط نظام الأسد، فتل أبيب تعتبر أن انتهاء مرحلة الأسد لم يُنه تهديد محور المقاومة، بل فتح مرحلة أكثر غموضًا تتطلّب (بحسب رأيها) توسيع الرقابة الميدانية والعمليات الوقائية داخل الأراضي السورية. لذلك تَستخدم الدراسة لغة إنذارية تُحاكي خطاب “التهديد الوجودي”، لتؤكّد أن أي فراغ في السلطة أو أي ضعف محلي يمكن أن يُستغلّ من قبل إيران وحزب الله.

بهذا الأسلوب، تُحوّل الورقة كل متغيّر سياسي في دمشق إلى مبرّر إضافي لتكثيف المراقبة الإسرائيلية، وتبقي الجنوب السوري في حالة “خطر مستدام” يُغذّي سردية “الضرورة الأمنية” التي تبرر الغارات المتكررة والتوغلات الحدودية.

ويبدو أن الغاية الأعمق من هذا التكرار ليست فقط التحذير من عودة إيران أو حزب الله، بل ترسيخ تصوّر دائم لغياب الاستقرار في الجنوب السوري، بحيث تُصبح إسرائيل هي الطرف الوحيد القادر (بزعمها) على “منع الانفجار”. وهكذا، يتحوّل الخطاب البحثي إلى أداة سياسية تُعيد إنتاج المبررات ذاتها التي استخدمتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ عام 2013 لتبرير كل تدخل داخل الأراضي السورية.

ثالثاً: البيئة التي تخلقها إسرائيل هي مصدر الهشاشة الأمنية في الجنوب

في المقابل، تُظهر الوقائع على الأرض أن إسرائيل نفسها هي الفاعل الأساسي في إدامة حالة الهشاشة الأمنية التي تزعم أنها تحاول احتواءها. فمنذ سنوات، تتعامل إسرائيل مع الجنوب السوري بوصفه منطقة عازلة بلا سيادة واضحة، تُنفّذ فيها غارات جوية بصورة دورية، وتُنشئ نقاط مراقبة ميدانية. فحتى تاريخ 23 أكتوبر، وثّق مركز سجل قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بنصب 29 حاجزاً أمنياً و46 عملية توغّل منذ بداية شهر أكتوبر.

هذا النمط من التدخل المستمر حوّل الجنوب إلى ساحة مراقبة مفتوحة، تُضعف سلطة الدولة السورية الانتقالية وتمنع قيام منظومة أمنية متماسكة.

إن استمرار هذه السياسة يُنتج فراغاً أمنياً مضاعفاً، فمن جهة، يمنع بروز سلطة محلية فاعلة قادرة على ضبط الحدود، ومن جهة أخرى، قد يُغري بعض الشبكات الإجرامية بالتحرك ضمن هذا الفراغ، سواء في تهريب الأسلحة أو المخدرات أو استغلال الممرات غير المضبوطة.

وبذلك، يصبح التدخل الإسرائيلي ليس عامل ردع، بل مولّداً رئيسياً لعدم الاستقرار، لأنه يحرم المنطقة من الاستقرار المؤسساتي ويُبقيها في حالة “قابلية دائمة للانفجار”، وهو ما يفتح المجال لأي نشاط فوضوي لاحقاً، حتى لو لم يكن له صلة مباشرة بإيران أو حزب الله.

ومن المفارقات أن إسرائيل تُبرّر هذا الوضع بدعوى “التهديد الإيراني المحتمل”، بينما الواقع الميداني منذ سقوط نظام الأسد، لا يشير إلى أي وجود فعلي أو عملياتية منظمة لقوات تابعة لإيران أو حزب الله في الجنوب السوري. لم تُسجَّل أي اشتباكات، ولا أي مؤشرات على نشاط عابر للحدود للميليشيات، وكل ما يُقدَّم في التقارير الإسرائيلية يبقى في نطاق الادعاءات الاستخبارية غير المدعومة بأدلة ميدانية.

إن ما تصفه مراكز الأبحاث الإسرائيلية بـ”التهديد المتجدّد” ليس سوى إعادة صياغة لسياسة “الردع عبر التوتر”، أي إبقاء الجبهة الجنوبية في حالة توتر دائمة لتبرير استمرار الوجود العسكري والاستخباري الإسرائيلي في الأراضي السورية المحتلة. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتلال الإسرائيلي هو العقبة المركزية أمام استقرار الجنوب السوري، لأنه يصنع البيئة التي يدّعي أنه يحميها منها، ويُغذي دينامية التهديد الذي يستخدمه ذريعة لتبرير تدخله المستمر.

خلاصة واستنتاجات


في المحصّلة، لا يمكن اعتبار دراسة مركز “ألما” عملاً بحثياً محايداً بقدر ما هي أداة تحليل أمني موجّهة تسعى لترسيخ منظور استراتيجي يخدم السياسة الإسرائيلية في الجنوب السوري. فالمركز لا يتعامل مع المعطيات الميدانية كفرضيات قابلة للنقاش، بل يقدّمها على أنها مؤشرات دائمة لخطرٍ يتجدّد كلما خفّ التهديد الفعلي، ليُبقي مبرّر التدخل الإسرائيلي حاضراً ومشروعاً أمام الرأي العام الداخلي وصنّاع القرار في تل أبيب.

من الناحية المنهجية، تعيد الورقة إنتاج ما يُعرف في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية بـ “نظرية الجبهة المتقدمة”، أي الحفاظ على حدودٍ غير مستقرة حول الجولان لتبرير استمرار المراقبة والضربات الجوية تحت عنوان “الوقاية من التموضع الإيراني”. وبذلك، تتحوّل فكرة الخطر من مفهوم ظرفي إلى بنية ذهنية دائمة تشرعن العمليات الاستباقية وتمنح الغارات المتكررة طابعاً دفاعياً مشروعاً في الخطاب الإسرائيلي.

غير أن المشهد الواقعي على الأرض يعاكس هذا المنطق، فالجنوب السوري بعد سقوط النظام لم يشهد أي إعادة تموضع عسكري حقيقي لإيران أو حزب الله، بل يعيش حالة هشاشة أمنية سببها الأساسي هو الفراغ الناتج عن التدخّلات الإسرائيلية المتكررة التي أعاقت نشوء سلطة محلية قادرة على ضبط الأمن. إن الغارات المتواصلة، والتحركات الاستطلاعية، والاختراقات الحدودية المتكررة، جميعها أنتجت بيئة مضطربة، لا استقرار فيها، تُغذيها إسرائيل لتبرير استمرارها العسكري والسياسي داخل العمق السوري.

كما تُخفي سردية “التهديد الإيراني” في جوهرها تناقضاً بنيوياً، فبينما تزعم إسرائيل أن وجودها في الجنوب ضروري للحفاظ على الاستقرار، تؤدي ممارساتها على الأرض إلى تعطيل أي مسار لإعادة الإعمار أو لإعادة بناء المنظومة الأمنية المحلية. وبذلك، تصبح إسرائيل هي المسبّب المباشر للاضطراب، ثم تستخدم نتائج هذا الاضطراب كدليل على “الخطر الخارجي” لتبرير بقاء تدخلها.

لذا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في “احتمال عودة إيران” كما تصوّره الدراسات الإسرائيلية، بل في استمرار واقع الاحتلال الذي يخلق الذرائع الأمنية ويُبقي الجنوب رهينة لحالة الطوارئ الدائمة. فاستقرار الجنوب السوري لن يتحقّق عبر مراقبة إسرائيلية مستمرة أو عبر خطاب استباقي عن الإرهاب، بل عبر إنهاء التوغلات والاختراقات التي تُنتج بيئة خصبة للفوضى وتمنع تشكّل سلطة وطنية مستقرة.

إنّ المعادلة التي تحاول إسرائيل فرضها (تهديد دائم يبرّر تدخلاً دائماً)، هي ذاتها العقبة المركزية أمام الأمن الحقيقي في الجنوب السوري. وما لم يُعاد النظر في هذه المقاربة، سيبقى الحديث عن “الخطر الإيراني” مجرد ستار يُخفي حقيقة أن الجنوب يعيش تحت ضغط احتلال هو مصدر انعدامه للأمن، لا وسيلته.