تمرُّ الدولة السورية في مطلع عام 2026 بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً منذ عقود؛ حيث انتقل الملف السوري من حيز “إدارة الصراع” الميداني إلى أروقة “التفاوض الاستراتيجي” المباشر في باريس. لا تأتي هذه الورقة لترصد لقاءً دبلوماسياً فحسب، بل لتحلل بنية التحول في العلاقة السورية-الإسرائيلية تحت مظلة دولية جديدة تسعى لفرض واقع “الصفقة” على حساب مرجعيات الصراع التاريخية.
تستعرض الورقة في طياتها التطور التاريخي للمفاوضات، من عروض عام 1949 البراغماتية وصولاً إلى جولات “العهد الجديد” عام 2025. كما تشرّح بعين فاحصة “البيان الثلاثي” وما يحمله من نذر “الاندماج الوظيفي”، وتفكك وظائف “المنصة المشتركة” التي تضع السيادة الاستخباراتية على المحك. وفي ظل التصعيد الميداني الذي تقوده أطراف محلية مثل قسد، تضع الورقة أمام القارئ والمسؤول السوري قراءة للسيناريوهات المستقبلية التي تتأرجح بين التبعية الأمنية، الانفجار الداخلي، أو استعادة المبادرة عبر بوابة الشرعية الوطنية الشاملة.
أولاً: سردية التفاوض السوري: من “الهدنة” إلى “جولات العهد الجديد”
لم يكن الجلوس السوري الإسرائيلي في باريس مطلع عام 2026 حدثاً معزولاً عن سياق تاريخي ممتد، بل هو فصل جديد في صراع فشلت كافة مقاربات “التسوية” في حسمه على مدار سبعة عقود من الحروب والجمود السياسي. بدأت المحاولات الأولى منذ عام 1949 حين قدم حسني الزعيم عروضاً للسلام تضمنت توطين اللاجئين الفلسطينيين مقابل تعديلات حدودية، وهي مقاربة براغماتية مبكرة سحقها عدم الاستقرار السياسي والانقلابات المتلاحقة حينذاك. تكررت المحاولات مع أديب الشيشكلي عام 1952 في إطار مساعٍ إقليمية لتهدئة الحدود، لكن الجبهة ظلت مشتعلة حتى ترسّخ واقع الاحتلال في عام 1967، ليتحول الصراع جذرياً من نزاع حدودي تقني إلى معركة وجودية لاستعادة الأرض والسيادة السليبة.
مثلت اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، التي هندسها هنري كيسنجر عقب حرب تشرين، الإطار القانوني والتقني الوحيد الذي صمد لخمسة عقود، محوّلاً الجولان إلى أهدأ الجبهات العربية رغم غياب السلام الرسمي. ومع ذلك، فإن محاولات تحويل هذا “الهدوء الهش” إلى “سلام شامل” اصطدمت دوماً بـ “عقبة الأمتار الأخيرة”؛ ففي مؤتمر مدريد 1991 وما تلاه من مفاوضات واشنطن، تم التأسيس لمبدأ “الأرض مقابل السلام” كقاعدة للحل، لكن قمة شيبردزتاون عام 2000 أثبتت أن الخلاف المعقد على شريط ضيق لا يتجاوز 10 أمتار على ساحل بحيرة طبريا (خط 4 حزيران) كفيل بإطاحة عقود من العمل الدبلوماسي المضني. وحتى الوساطة التركية عام 2008 والقناة السرية لعام 2011، لم تكن سوى محاولات لفكّ الارتباط مع المحور الإيراني مقابل استعادة الجولان، وهي مسارات أجهضتها التحولات الميدانية المتسارعة في غزة ثم اندلاع الثورة السورية.
عقب سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر 2024، دخلت سورية مرحلة “التفاوض الاضطراري” تحت وطأة واقع ميداني مرير فرضه الاحتلال الإسرائيلي الجديد للمناطق العازلة وقمم جبل الشيخ الاستراتيجية. وقد خاضت الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع أربع جولات ممهدة وشاقة قبل الوصول إلى طاولة باريس، بدأت بجولة استكشافية في يوليو 2025 لبحث خفض التصعيد العسكري في السويداء وريف القنيطرة، ثم الجولة الثانية في 19 أغسطس 2025 التي مثّلت اختراقاً بروتوكولياً حين شهدت أول لقاء علني مباشر بين وزير الخارجية أسعد الشيباني ورون ديرمر. تلتها جولة ثالثة في لندن وواشنطن في سبتمبر 2025 اصطدمت بمطالب إسرائيلية “قصوى” ومجحفة تتعلّق بفرض مناطق منزوعة السلاح بعمق جغرافي يصل إلى حدود دمشق. وبعد فترة جمود دامت شهرين بسبب استقالة كبير المفاوضين الإسرائيليين وتوسّع الفجوات المتعلقة بالحقوق السيادية، جاءت جولة باريس الحالية (الجولة الخامسة) بضغط مباشر وشخصي من الرئيس دونالد ترامب، لتطرح بوصفها “منعطف الصفحة الجديدة” الذي يهدف إلى إعادة صياغة توازنات المنطقة بالكامل.
تفاصيل جولة باريس: كواليس اللقاء والأطراف الفاعلة
شكلت العاصمة الفرنسية باريس مسرحاً لمباحثات مكثفة استمرت يومين، وضمّت وفوداً رفيعة المستوى في ظل رعاية أمريكية مباشرة ومشاركة لافتة من دوائر صنع القرار في واشنطن. وقد تمثّلت الحكومة السورية بوفد ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني، بمرافقة رئيس الاستخبارات حسين سلامة، بينما ضم الجانب الإسرائيلي كلّاً من سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، والسكرتير العسكري لرئيس الحكومة رومان هوفمان، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي غيل رايخ. أما الحضور الأمريكي، فقد عكس ثقل إدارة ترامب في هذه المفاوضات، حيث شارك المبعوث الخاص لشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وتوماس باراك، بالإضافة إلى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي.
جرت هذه اللقاءات في مناخ وصفه المبعوث الأمريكي توماس باراك بأنه “اختراق نوعي” يعكس رغبة متبادلة في الانتقال نحو الشراكة. وقد جاءت هذه التحركات الدبلوماسية تحت وطأة واقع ميداني متأزم، إذ استغلت إسرائيل سقوط النظام السابق أواخر عام 2024 لتعلن انهيار اتفاقية فض الاشتباك، وتسيطر فعلياً على المنطقة العازلة. وبينما كانت غرف التفاوض تشهد حديثاً عن “التعاون والرخاء”، كانت الأرض السورية، لا سيما في ريف القنيطرة، تشهد توغلات إسرائيلية شبه يومية وعمليات اعتقال وتدمير للمزروعات، تزامناً مع غارات جوية طالت مدنيين ومواقع عسكرية رغم غياب التهديد من جانب الحكومة السورية تجاه تل أبيب.
ثانياً: تشريح البيان الثلاثي.. من “فك الارتباط” إلى “الاندماج الوظيفي”
يمثل البيان المشترك الصادر في 6 يناير 2026 وثيقة غير مسبوقة إذا ما أخذناه في سياق الصراع العربي-الإسرائيلي الأوسع، وليس ذلك لأنه أول بيان رسمي مشترك، بين دولةٍ عربيةٍ ودولة الاحتلال الإسرائيلي، يتمخّض عن مفاوضات مباشرة فحسب، بل لما يتضمنه من لغة سياسية ودبلوماسية تؤسّس لشراكة اضطرارية تتجاوز الأطر العسكرية التقليدية. إن استهلال البيان بالثناء على قيادة الرئيس ترامب التي أتاحت مناقشات وصفها الطرفان بـ “الرائعة” يشي بوضوح بأن هندسة هذا الاتفاق تمت بعقلية “الصفقة” التجارية والسياسية الشاملة، وليس استناداً إلى مرجعيات القانون الدولي أو قرارات مجلس الأمن التاريخية المتعلقة بالجولان المحتل، مما يوحي بتجاوز “الشرعية الدولية” لصالح “الواقعية السياسية”.
يرتكز البيان على ثنائية مقلقة تربط ربطاً عضوياً بين “سيادة سورية واستقرارها” وبين “أمن الاحتلال الإسرائيلي”. ومن منظور وطني سوري، فإن هذه المقايضة الوجودية تعني ضمنياً أن اعتراف سلطات الاحتلال باستقرار الدولة السورية الجديدة بات مشروطاً بتوفير ضمانات أمنية “ماكسيمالية” تتجاوز الحدود والمعايير المعقولة لأية دولة ذات سيادة، وتحوّل العمق السوري إلى منطقة عازلة لحماية أمن الآخرين. والمثير للريبة في ثنايا النص هو التأكيد على “ازدهار كلا الجانبين”، وهو تعبير دخيل تماماً على أدبيات التفاوض السورية الراسخة، يهدف بوضوح إلى إحلال مفهوم “السلام الاقتصادي” المعتمد على المشاريع المشتركة محل “السلام العادل” القائم على استعادة الحقوق، وتحويل قضية الأرض المحتلة من ملف كرامة وطنية إلى ملف استثماري وتجاري عابر للحدود.
إن تأكيد الطرفين على التوصل لترتيبات تضمن “استقلالاً طويلاً” لكليهما يطرح تساؤلاً جوهرياً ومصيرياً: هل يحتاج استقلال سورية، وهي الدولة المؤسسة في منظمة الأمم المتحدة، إلى صك غفران أو ترتيبات أمنية خاصة مع قوة احتلال لشرعنته؟ إن هذا الربط المباشر يفرّغ مفهوم الاستقلال من محتواه السيادي الأصيل ويجعله رهينة دائمة للرضا الإسرائيلي والغطاء الأمريكي، وهو منزلق استراتيجي خطير قد يؤسّس لتبعية أمنية وسياسية طويلة الأمد تحت مسمى “الاستقرار الإقليمي”، مما قد يجعل السيادة السورية مجرد واجهة لهيكل أمني تتقاطع فيه مصالح الخارج على حساب الثوابت الوطنية.
ثالثاً: المنصة المشتركة والمخاوف الاستخباراتية.. السيادة في خطر
يعد القرار القاضي بإنشاء “آلية تنسيق مدمجة” (Joint Fusion Mechanism) أو ما يعرف بـ “خلية تواصل خاصة” تحت إشراف ورعاية أمريكية مكثّفة، هو النواة الحقيقية والصلبة لهذا الاتفاق الجديد. ورغم أن بعض التسريبات الإعلامية والعواصم المنخرطة أشارت إلى إمكانية اتخاذ عمّان أو غيرها مقراً جغرافياً لهذه الآلية، إلا أن جوهر الخطر الوجودي يكمن في وظائفها البنيوية وليس في موقعها المكاني. إن تسمية الآلية بـ “المدمجة” (Fusion) توحي بدمج عميق لغرف العمليات أو تبادل للمعلومات الحساسة، وهو مصطلح عسكري واستخباراتي يحمل دلالات خطيرة جداً حين يُسقط على سياق العلاقة مع عدو تاريخي لم تنته حالة الحرب معه قانونياً أو تاريخياً بعد.
تكمن الغرابة الأولى، والمقلقة في آن معاً، في النص الصريح على “مشاركة المعلومات الاستخباراتية” كجزء أصيل من مهام هذه الخلية التقنية. فمن الناحية الوطنية الراسخة، يعد الجهاز الاستخباراتي هو خط الدفاع السيادي الأول عن الأمن القومي ومصالح الدولة العليا، وتحويله إلى شريك معلوماتي مع الاحتلال يعني، بالضرورة، كشف الغطاء عن أسرار الدولة السورية، وقدراتها الدفاعية الكامنة، وتحركاتها الأمنية الداخلية. إن التذرّع بأن هذا التنسيق الميداني يهدف حصراً لملاحقة خلايا تنظيم داعش أو تحجيم الميليشيات العابرة للحدود لا يبرّر أبداً فتح قنوات استخباراتية مباشرة وشفافة مع الجانب الإسرائيلي، إذ يمكن للاحتلال توظيف هذه المعلومات لابتزاز مؤسسات الدولة السورية، أو التجسّس على المكونات الوطنية، أو حتى هندسة ضربات لزعزعة الاستقرار الداخلي في اللحظة التي تقتضي فيها مصلحته ذلك.
علاوة على ذلك، فإن إدراج ملف “الفرص التجارية” ضمن آلية تنسيق أمنية وعسكرية يمثل سابقة تاريخية تهدف بوضوح لشرعنة “التطبيع الاقتصادي القسري” قبل التوصل لتسوية سياسية شاملة وعادلة. إن هذا التوجه المريب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمقترحات “المناطق الاقتصادية منزوعة السلاح” المموّلة بمليارات الدولارات إقليمياً، والتي يُخشى أن تتحول بمرور الوقت إلى “كانتونات” استثمارية تدار ذاتياً بعيداً عن سيادة السلطة المركزية في دمشق، مما يهدّد وحدة النسيج الاقتصادي والاجتماعي السوري، ويخلق طبقة مصالح نفعية مرتبطة بديمومة الاتفاق مع الاحتلال أكثر من ارتباطها بالمشروع الوطني الجامع.
رابعاً: تصعيد قسد في حلب.. رسائل الميدان المناهضة للصفقات
تزامن التقدم الملحوظ في مسار باريس التفاوضي مع تصعيد عسكري “مريب” ومفاجئ من قبل قسد في أحياء مدينة حلب وريفها الشرقي، وتحديداً في منطقة دير حافر. هذا التصعيد، الذي اتخذ أشكالاً متطورة شملت هجمات منظمة بالطائرات المسيرة وتراشقاً حاداً بالاتهامات حول “فبركة” الحوادث الأمنية، لا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن المناخ التفاوضي المشحون في باريس، إذ يبدو الميدان مرآة عاكسة لتوتّرات الطاولة المستديرة.
تدرك قيادة قسد جيداً أن أية “صفقة كبرى” أو تسوية تاريخية بين دمشق وتل أبيب برعاية الرئيس ترامب قد تتمّ بالضرورة على حساب طموحاتها في الحكم الذاتي أو مشروعها للاندماج المرن ضمن هيكلية الدولة. لذا، فإن التصعيد العسكري في حلب يمثّل رسالة ضغط نارية ومباشرة موجهة إلى دمشق وواشنطن معاً، مفادها أن قسد تملك من الأوراق الميدانية ما يكفي لقلب الطاولة وتعطيل حالة الاستقرار المنشودة إذا ما تم تهميشها أو القفز فوق مصالحها في التفاهمات الإقليمية الجديدة. وفي المقابل، تتبنّى الحكومة السورية وجهة نظر براغماتية ترى أن حل معضلة قسد واحتواء توترات “السويداء” مرتبط عضوياً بالوصول لاتفاق مع إسرائيل، انطلاقاً من قناعتها بأن الأخيرة هي المحرّض والممول الخفي لبعض هذه المكونات الساعية للانفصال أو الحكم الذاتي.
بيد أن هذا الربط الوثيق يمثل “وهماً استراتيجياً كبيراً”، إذ إن محاولة حل الأزمات الداخلية السورية المستعصية عبر بوابة الاتفاقات الخارجية ليس سوى هروب للأمام وتأجيل للانفجار. فالتعويل على أن الاحتلال الإسرائيلي سيدعم دمشق في تفكيك طموحات قسد مقابل تنازلات سيادية في الجنوب هو رهان خاسر وتاريخه مثقل بالخيبات، لأن الاحتلال الإسرائيلي تجد في بقاء الدولة السورية مجزّأة، ضعيفة، وغارقة في صراعات المكونات، مصلحة استراتيجية عليا وأمناً مستداماً لها.
خامساً: السيناريوهات المستقبلية ومآلات “التطبيع الوظيفي”
بناءً على المعطيات الجوهرية التي حملها بيان باريس والتحرّكات العسكرية المتسارعة في الميدان، يمكن استشراف ثلاث مسارات محتملة تحدد مستقبل الدولة السورية في هذه المرحلة المفصلية:
- سيناريو “الاستقرار الهش والتبعية الأمنية”: يتمثّل هذا المسار في نجاح واشنطن بفرض “آلية التنسيق المشتركة” كأمر واقع، والبدء بانسحاب إسرائيلي جزئي وتدريجي من بعض المواقع العازلة مقابل انتشار قوات أمنية سورية مكبلة ببروتوكولات “مشاركة المعلومات الاستخباراتية” الصارمة. هذا المسار قد يؤدي إلى تدفق استثمارات دولية ضخمة (لاسيما الـ 14 مليار دولار المرصودة لإعادة الإعمار) بهدف إنعاش الاقتصاد المنهك، لكن الثمن السياسي الباهظ سيكون فقدان سورية لقرارها السيادي المستقل وتحولها وظيفياً إلى “منطقة عازلة” تخدم أمن الاحتلال وتؤمن حدوده تحت مسمى الاستقرار الإقليمي.
- سيناريو “الانسداد السيادي والانفجار الداخلي”: يرتكز هذا السيناريو على وصول المفاوضات الحالية إلى طريق مسدود عند اصطدامها بـ “التفاصيل القاتلة” المتعلّقة بالعمق الأمني المطلوب إسرائيلياً والسيادة الجوية الكاملة فوق الأجواء السورية، مما قد يدفع إسرائيل لتثبيت احتلالها للمواقع الاستراتيجية الجديدة في جبل الشيخ والجنوب. في هذه الحالة، ستنجح الأطراف المحلية (مثل قسد أو التشكيلات المسلحة الأخرى) في استغلال حالة الضعف والارتباك التي تعتري الدولة المركزية لإشعال جبهات ثانوية واستنزاف الحكومة.
- سيناريو “التحول نحو الشرعية الوطنية”: يقوم هذا المسار على فرضية إدراك القوى الوطنية الفاعلة في دمشق أن المضي في اتفاق مصيري مع إسرائيل دون تفويض شعبي ودستوري هو بمثابة “انتحار سياسي” وتفريط بالتاريخ. وعليه، تشرع الحكومة في إعادة ترتيب أولوياتها نحو تحقيق “مصالحة وطنية شاملة” والعمل على الدمج الحقيقي والسياسي لقوى الميدان، لبناء جبهة داخلية صلبة وموحدة. في هذا المسار، تستطيع دمشق التفاوض من موقع قوة حقيقية لاستعادة الأرض المحتلة دون تقديم تنازلات تمسّ “الاستقلال الاستخباراتي” أو “السيادة الجوية”، مستندة إلى إجماع وطني يحمي الدولة من الابتزاز الخارجي.
خاتمة وتوصيات
بناءً على المعطيات الجوهرية التي حملها بيان باريس والتحركات العسكرية المتسارعة في الميدان، يتضح أن الدولة السورية تقف أمام لحظة وجودية تتجاوز مجرد فك الارتباط العسكري؛ فالتحول من “الهدنة” إلى “الاندماج الوظيفي” المقترح يحمل مخاطر هيكلية قد ترهن السيادة الوطنية لمتطلبات الأمن الإسرائيلي تحت غطاء “الرخاء الاقتصادي”. إن التاريخ السوري المعاصر يُثبت أن الصفقات التي تُعقد في غياب التفويض الشعبي تظل هشة وعرضة للانهيار، ولتجنب انزلاق الدولة نحو “التبعية الأمنية” أو “الانفجار الداخلي”، نضع التوصيات الاستراتيجية التالية:
- التمسك بالسيادة الجوية الكاملة: الرفض القاطع لفرض أي “ممرات جوية” تتيح للاحتلال التدخل العسكري، واعتبار الأجواء السورية خطاً أحمر لا يقبل المقايضة بانسحابات برية جزئية.
- اشتراط الشرعية الشعبية: التأكيد على أن أي تفاهمات استراتيجية مع الاحتلال هي “تفاهمات أولية” غير ملزمة قانونياً إلا بعد عرضها على برلمان منتخب واستفتاء شعبي عام، لحمايتها من الطعن في مشروعيتها مستقبلاً.
- تحصين السيادة المعلوماتية: مراجعة بنود “آلية التنسيق المشتركة” لضمان عدم تحولها إلى أداة للتجسس، والتمسك بمبدأ “التنسيق التقني المحدود” بدلاً من “الاندماج الاستخباراتي الشامل”.
- فك الارتباط بين الأمن والاقتصاد: رفض مبدأ “السلام الاقتصادي” الذي يجعل التنمية رهينة للتنازلات، والعمل على تنويع الشراكات الدولية بما يضمن استقلال القرار السوري بعيداً عن المنح المشروطة أمنياً.





