- يرتبط نجاح “اتفاق مكة” في التحول من أداة مناورة سياسية سعودية إلى عامل بنيوي يغير ميزان القوى بمدى تطوره نحو قيادة مشتركة وتخطيط عملياتي وتكامل دفاعي واستخباراتي وصناعي، وهو ما سيجعل وصف “الناتو الإسلامي” سؤالاً استراتيجياً مقلقاً لإسرائيل.
- تراقب إسرائيل بحذر انضمام تركيا للاتفاق كونه يضيف قوة عسكرية تقليدية كبرى تتحرك مباشرة في ساحات الاحتكاك الحيوية كشرق المتوسط وسوريا، وذلك بعد أن تعاملت سابقاً مع الاتفاق الثنائي السعودي الباكستاني باعتباره رسالة سياسية محكومة ببعد جغرافي وغموض نووي غير ملزم.
- يُسهم هذا التعاون الدفاعي الثلاثي في تقليص حصرية المظلة الأمنية الأمريكية للرياض، مما يمنح القيادة السعودية هامشاً أوسع لإدارة علاقاتها الخارجية ويضعف قدرة إسرائيل على ربط الأمن السعودي بملف التطبيع أو مساومتها سياسياً.
- يوفر الاتفاق لدمشق عمقاً أمنياً وسيادياً يدعم استقرارها، ويتكامل مع مشروع “الخط الحديدي” وممرات الطاقة والبيانات التي تعيد تقديم الجغرافيا السورية التركية كشريان ربط حيوي يقوض مساعي إسرائيل لتسويق نفسها كحلقة وصل إقليمية.
- تتلاقى مصالح الشركاء بين رغبة السعودية في تنويع شراكاتها الردعية وتقليل الاعتماد على واشنطن، وسعي تركيا لتأمين موطئ قدم استراتيجي يحمي ممراتها اللوجستية، وتطلع باكستان لإنعاش اقتصادها المأزوم عبر تصدير السلاح وجذب الاستثمارات لقطاعها الدفاعي.
مقدّمة
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026 “اتفاق مكة للدفاع المشترك” ونصّ البيان الصادر عن القمة على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعدّ هجوماً عليها جميعاً، مع التعهّد بتوسيع التعاون الدفاعي. وتُوحي صياغة بنود الاتفاق بمبدأ الدفاع الجماعي الذي يقوم عليه حلف شمال الأطلسي وهو ما يفسر تداول وصف “الناتو الإسلامي” في الإعلام. إلا أن النص المنشور لا يكشف عن قيادة مشتركة أو قوات مخصصة أو آلية لاتخاذ قرار الردّ ولا يحدد نوع المساندة التي تقدمها كل دولة عند تعرض دولة أخرى للهجوم.
لا يعني ذلك اختزال الاتفاق في أنه خطوة رمزية لا أكثر. فهو يجمع في إطار دفاعي واحد السعودية بثقلها السياسي والمالي، وباكستان بوصفها القوة النووية الوحيدة بين الدول ذات الأغلبية المسلمة، وتركيا التي تملك ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف الناتو وقاعدة صناعات دفاعية متقدّمة. ينقل هذا الترتيب التعاون الذي بدأ سعودياً باكستانياً ارتبطت أساساً بالردع السياسي والغموض النووي إلى صيغة ثلاثية تملك قدرة أكبر على التحوّل إلى تعاون عملياتي، وهنا تظهر حساسية الاتفاق بالنسبة لدولة الاحتلال.
أولاً: من الاتفاق الثنائي إلى اتفاق مكة
بدأ المسار قبل اتفاق مكة بوقت طويل إذ وقّعت الرياض وإسلام آباد في 17 سبتمبر 2025 “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك” بعد عقود من التدريب والانتشار والتعاون العسكري. ونصّ الإعلان الرسمي يومها على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يعد اعتداء عليهما معاً. وقد جاء التوقيع بعد ثمانية أيام من الضربة الإسرائيلية في الدوحة التي استهدفت قيادة حركة حماس، ولذلك ارتبط الاتفاق سريعاً بالقلق الخليجي من اتساع نطاق العمليات الإسرائيلية مع أن المفاوضات كانت أقدم من الضربة وهو ما يجعل هجوم الدوحة عاملاً سرّع الإعلان وأعطاه دلالة سياسية إضافية وليس السبب الوحيد في إنشائه.
وأثار اتفاق الدفاع الثنائي منذ توقيعه أسئلةً تتجاوز التعاون العسكري التقليدي، وتتعلّق بإمكان دخول الردع النووي الباكستاني إلى معادلة أمن الخليج فقد تحدث وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف عن إتاحة القدرات الباكستانية للسعودية عند الحاجة ثم قال لاحقاً إن الأسلحة النووية ليست ضمن الاتفاق ولم يتضمّن النص المعلن إشارة إلى ترتيبات للردع النووي الممتد ولذلك لم تكن المسألة ضماناً نووياً مثبتاً بقدر ما كانت غموضاً استراتيجياً جديداً تستطيع الرياض الاستفادة منه ويصعب على خصومها تجاهله.
التقطت القراءة الإسرائيلية هذه النقطة مبكّراً من دون أن تتحوّل إلى موقف حكومي معلن ومفصل فقد تعاملت الصحافة ومراكز الأبحاث الإسرائيلية مع توقيت اتفاق 2025 بوصفه إشارة إلى الاحتلال بعد ضربة الدوحة وناقش معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي احتمال تأثيره في حسابات التطبيع السعودي الإسرائيلي مع إبقاء سؤال المظلة النووية الباكستانية مفتوحاً، كما قرأ شاؤول شاي (שאול שי) النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الشراكة من زاوية رغبة الرياض في إضافة شريك أمني نووي وعدم الاعتماد الكامل على الضمانات الأمريكية.
ظلت هذه المخاوف محكومة بقيود عملية لأن العقيدة النووية الباكستانية ركّزت تاريخياً على الهند ولم يكشف اتفاق 2025 عن آلية تلزم إسلام آباد بالتدخل العسكري التلقائي في الخليج كما أظهرت هجمات إيران على السعودية في 2026 أن عبارة الدفاع المشترك لا تعني دخول باكستان الحرب فوراً رغم استمرار تعاونها العسكري وانتشار قوات ومعدات باكستانية في المملكة ولهذا بقي الاتفاق من المنظور الإسرائيلي إشارة سياسية مهمة أضيف إليها غموض ردعي من دون أن يتحول إلى بنية عسكرية قادرة على تقييد حرية الحركة الإسرائيلية بصورة مباشرة.
ومن ناحية أخرى، يوسّع انضمام تركيا هامش الدوافع الاقتصادية لإسلام آباد، وهو ركيزة جوهرية لا يمكن إغفالها في ظل ما يعصف بالاقتصاد الباكستاني من أزمات هيكلية حادة. فهنا يرى الطرف الباكستاني في اتفاق مكة فرصة استراتيجية لرفد خزائنها وإنعاش قطاعها الصناعي عبر تصدير السلاح والخدمات العسكرية. ويتجاوز هذا المسعى إطار الصفقات الآنية المحدودة إلى تطلع باكستان لجذب استثمارات سعودية مباشرة وضخمة في قطاعها الدفاعي الوطني، بالتوازي مع إطلاق مشاريع تصنيع تكنولوجي وعسكري مشترك مع الجانب التركي. وتتيح هذه الهندسة الاقتصادية لباكستان تحويل شراكاتها الأمنية التاريخية مع الخليج إلى مكاسب تنموية مستدامة، بينما توفّر في الوقت ذاته للسعودية وتركيا رافداً بشرياً وعسكرياً عالي الكفاءة لتلبية متطلبات أمنها القومي.
ثانياً: دخول تركيا وتغير الحسابات الإسرائيلية
يغيّر دخول تركيا هذا التقدير لأنه يضيف عنصراً لم يكن موجوداً في العلاقة السعودية-الباكستانية وهو القرب الجغرافي والقدرة العسكرية التقليدية المتصلة مباشرة بمسرح الشرق الأوسط. فباكستان قوة نووية مهمة لكنها بعيدة عن ساحات الاحتكاك الإسرائيلية الأساسية وتبقى أولوياتها الأمنية مرتبطة بجنوب آسيا، أما تركيا فتتحرّك عسكرياً وسياسياً في المجال نفسه الذي تعمل فيه دولة الاحتلال وتتقاطع مصالح الطرفين في سوريا وشرق المتوسط إضافة إلى الخلاف العميق بين أنقرة وتل أبيب حول غزة وحركة حماس.
ظهرت هذه الحساسية قبل توقيع اتفاق مكة عندما طُرح في يناير 2026 احتمال انضمام تركيا إلى الاتفاق السعودي-الباكستاني والأهم أن رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو (בנימין נתניהו) ربط في الشهر نفسه بصورة علنية بين تحرّك الرياض نحو تركيا وقطر وبين مسار التطبيع وقال إنه يتابع إعادة التموضع السعودي عن قرب وطالب قائلاً من يريد السلام أو التطبيع مع إسرائيل بألا يشارك في ترتيبات تقودها قوى أو توجهات تناقض السلام معها.
لم يكن ذلك اعتراضاً رسمياً على اتفاق ثلاثي لم يكن قد وقع بعد لكنه كشف أن التقارب الأمني السعودي التركي دخل الحسابات السياسية الإسرائيلية قبل أن يصبح حقيقة.
تزداد أهمية دخول أنقرة لأن العلاقة التركية-الإسرائيلية تجاوزت الخلاف الدبلوماسي إلى احتكاك يحتاج إلى إدارة عسكرية فقد دفعت تحرّكات الطرفين في سوريا إلى محادثات تقنية لمنع الاشتباك كما عارض نتنياهو في يوليو 2026 احتمال عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35 وعدّ ذلك تهديداً للتفوّق العسكري النوعي الإسرائيلي ومن هذه الزاوية لا تمثل تركيا طرفاً ثالثاً يضاف رقمياً إلى اتفاق قائم بل قوة تستطيع، إذا تطوّر الاتفاق مؤسسياً، أن تضيف قدرات في الدفاع الجوي والمسيّرات والصناعات العسكرية والتدريب والتخطيط والبحرية والاستخبارات.
ومن ناحيةٍ أخرى، يضيف دخول تركيا بعداً سياسياً يتعلق بالسعودية نفسها فقد علّقت دولة الاحتلال رهاناتها على اعتماد الرياض الأمني على واشنطن يمكن أن يفتح باب التطبيع ضمن ترتيبات أمريكية أوسع بينما يمنح التعاون الدفاعي مع باكستان وتركيا السعودية هامشاً أكبر في إدارة علاقتها بالولايات المتحدة ولا يعني ذلك أن الرياض تستبدل واشنطن أو تغلق باب التطبيع لكنه يقلل من حصرية المسار الأمريكي في توفير الضمانات الأمنية ويجعل قدرة إسرائيل على ربط الأمن السعودي بالتطبيع معها أقل بداهة مما كانت عليه.
ونعم يبقى البعد النووي حاضراً، لكنه يحتاج إلى ضبط. فقد نفى مسؤول سعودي يوم توقيع اتفاق مكة أن يكون الاتفاق مقدمة لمحور عسكري طائفي أو مرتبطاً بطموحات نووية أو سباق تسلّح ولا يتضمن البيان الثلاثي المنشور ضماناً نووياً باكستانياً لذلك سيكون من المبالغة وصفه بأنه مظلة نووية للسعودية وتركيا والأقرب أن تراقب دولة الاحتلال ما إذا كان الغموض الذي رافق اتفاق 2025 سيبقى سياسياً أم سيتحول لاحقاً إلى ترتيبات عملية.
وعلى الصعيد السوري، يتجاوز الحراك الدفاعي للاتفاقية الحسابات النظرية ليجد في الجغرافيا السورية ساحة تطبيق حيوية تعكس مصالح الرياض وأنقرة المشتركة. فكلا الطرفين يمتلكان مصلحة استراتيجية في دعم تماسك واستقرار سوريا عقب سقوط النظام السابق، وبناء مؤسساتها السيادية، وحماية وحدة أراضيها. ولا تقف هذه المصلحة عند رغبة تصفير الأزمات، بل تمتد لتجعل من دمشق نقطة ارتكاز لتنسيق الضغوط المشتركة ضد التدخلات الخارجية وضبط النفوذين الإسرائيلي والإيراني. وهنا يجعل هذا التوافق من تمكين الدولة السورية دفاعياً وأمنياً مصلحة مباشرة للمحور الجديد، وقد يُترجم ذلك، في ظلّ واقع التواجد الإسرائيلي الحالي وهذه التفاهمات الحالية، إلى خطوات ملموسة أكثر في الجغرافيا السورية.
يتكامل هذا التمكين الجيوسياسي لدمشق مع بعد آخر أكثر مادية وتأثيراً وهو الممر الإقليمي المشترك الذي يستند إلى مشروع خط السكك الحديدية المرتقب إطلاقه العام المقبل ليربط تركيا وسوريا والأردن بالسعودية وشواطئ الخليج، ويشمل شبكات أنابيب الغاز وممرات نقل البيانات الكبرى. هذا الممر الذي يعيد تقديم الجغرافيا السورية والتركية كشريان ربط حيوي بين آسيا وأوروبا، يطرح بديلاً لوجستياً واقتصادياً يقوّض المساعي الإسرائيلية لتسويق نفسها كحلقة وصل إقليمية.
ثالثاً: حدود وصف “الناتو الإسلامي”
يصف مصطلح “الناتو الإسلامي” حجم الطموح أكثر مما يصف المؤسسة القائمة لأن الناتو يمتلك بنية قيادة وتخطيطاً دفاعياً مشتركاً وقوات متوافقة وإجراءات لإدارة الأزمات بينما لا يكشف اتفاق مكة حتى الآن عن شيء مماثل، كما أن عضوية تركيا في الناتو لا تنقل ضمانات الحلف تلقائياً إلى السعودية أو باكستان إذ تبقى التزامات أنقرة في اتفاق مكة منفصلة عن التزاماتها داخل الحلف.
أصبح استخدام المصطلح مع ذلك أقل بعداً عن الواقع مما كان عليه قبل أشهر فقد كانت “جيروزاليم بوست” قد وصفت في يونيو 2026 فكرة “الناتو الإسلامي” بأنها أقرب إلى سراب سياسي بسبب الانقسامات بين الدول الإسلامية وغياب القيادة الموحدة والعقيدة والالتزامات الدفاعية الملزمة.
يعالج اتفاق مكة جزءاً من هذه الفجوة بإعلانه مبدأ الدفاع الجماعي بين ثلاث دول ذات وزن لكنه لا يعالج بقية الفجوات وستتحدّد قيمته بما إذا كانت الدول الثلاث ستنشئ لاحقاً آلية تشاور وقيادة مشتركة وخطط طوارئ وتكاملاً في الإنذار والدفاع الجوي وتبادل المعلومات والذخائر، أو سيقتصر الاتفاق على هيكليته وبنيته الحالية.
تحدّد هذه العناصر نفسها مستوى القلق الإسرائيلي فإذا بقي الاتفاق إطاراً للتنسيق والتدريب والتصنيع العسكري فمن المرجح أن تتعامل معه دولة الاحتلال الإسرائيلي كأحد مظاهر تعدد مراكز القوة في المنطقة وليس كحلف موجه ضدها أما إذا تطور إلى تخطيط عملياتي يجمع التمويل السعودي والقدرة الصناعية والعسكرية التركية مع الثقل الباكستاني والغموض المرتبط بترسانته النووية فستظهر معادلة مختلفة وعندها لن يعود الاتفاق مجرد أداة لتنويع الشراكات السعودية، بل يمكن أن يصبح نواة لترتيب أمني إقليمي يؤثر في ميزان الردع وفي حسابات حرية العمل الإسرائيلي.
يفسّر ذلك أيضاً الحذر الإسرائيلي الحالي فقد امتنع مكتب نتنياهو عن التعليق على الاتفاق فور توقيعه في 7 أغسطس بينما أكدت الدول الثلاث أنه دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها ولا يكفي هذا الصمت للحديث عن قبول أو رفض خصوصاً أن السياق المباشر للاتفاق يشمل الهجمات الإيرانية على دول الخليج والاضطراب الذي أحدثته الحرب مع إيران لكنه لا يسمح أيضاً بفصل الاتفاق عن دولة الاحتلال بعد ضربة الدوحة والتنافس التركي الإسرائيلي في سوريا والخلاف حول غزة والجدل المتصاعد حول التفوق العسكري النوعي.
خاتمة
لا يصنع اتفاق مكة “ناتو إسلامياً” مكتملاً لكنه ينقل فكرة الدفاع المشترك بين ثلاث قوى إسلامية رئيسية خطوة أبعد من الصيغ الرمزية السابقة فقد حمل الاتفاق السعودي-الباكستاني في 2025 رسالة ردع سياسية وغموضاً نووياً وبقي محدوداً جغرافياً وعملياتياً من المنظور الإسرائيلي بينما يضيف دخول تركيا قوة عسكرية تقليدية كبيرة وصناعة دفاعية متنامية وخبرة مؤسسية داخل الناتو وحضوراً مباشراً في ساحات تتقاطع مع الأمن الإسرائيلي.
ويُرجّح لذلك أن تركّز دولة الاحتلال على مسار الاتفاق وتجلّيه على الأرض أكثر من عباراته. وفي هذا السياق، يظل بند اعتبار الهجوم على دولة هجوماً على الجميع مهماً لكن الاختبار الحقيقي سيكون في المؤسسات والقدرات التي ستبنى تحته فإذا بقيت الصيغة فضفاضة سيظل الاتفاق أداة لزيادة هامش المناورة السعودي وتعزيز الردع الإقليمي أما إذا ظهرت قيادة مشتركة وتخطيط عملياتي وتكامل في الدفاع الجوي والاستخبارات والتصنيع فسيتحوّل من رسالة سياسية إلى عامل بنيوي في ميزان القوى وعندها يصبح وصف “الناتو الإسلامي” الذي يبدو اليوم أكبر من الاتفاق نفسه سؤالاً استراتيجياً جدياً بالنسبة إلى دولة الاحتلال والمنطقة.





