الانتخابات الإسرائيلية والملف السوري: قراءة في تصريحات المرشحين ومواقفهم المحتملة

  • يحتل الملف السوري مساحة محدودة في حملات المرشحين ويأتي في ذيل الأولويات الأمنية بعد إيران وغزة ولبنان، ويسبقه في الأهمية للناخب الإسرائيلي ملفات داخلية أخرى أيضاً مثل تجنيد الحريديم، والقضاء، والتحقيق في 7 أكتوبر. إلا أن الملف السوري بارزٌ في سياقات محدّدة مثل خطاب نتنياهو الأمني واستقطاب أصوات الدروز.
  • رحيل نتنياهو لا يعني حتمية التوصل إلى تسوية أمنية مع دمشق؛ فشروط نتنياهو (حرية الطيران، منع التسلح، ورفض الوجود التركي) باتت مطالب متجذرة لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية العابرة للحكومات.
  • المكسب الواقعي الوحيد من وصول حكومة بديلة هو تجميد سياسة التهور الميداني مؤقتاً، وكسر جمود المفاوضات المتعثرة لتقليل الاحتكاك العسكري أثناء فحص النوايا.
  • فشل أي مسار تفاوضي جديد مع حكومة إسرائيلية بديلة سيسد الأفق الدبلوماسي تماماً أمام دمشق، مما قد يدفع المشهد نحو تصعيد عسكري أوسع وخيارات بديلة خارج الأطر السياسية.
  • يخوض نتنياهو السباق بفرض الواقع العسكري في سوريا كـ”إنجاز”، متمسكاً بالمنطقة الأمنية وحرية العمل الجوي، وموظفاً ملف دروز السويداء انتخابياً، مع فرض خطوط حمر بالقوة (كقصف مطار أبو الظهور).
  • يقترح ايزنكوت إعادة إطلاق التفاوض انطلاقاً من اتفاق 1974 ومن موقع قوة، لكنه يعيد التفاوض إلى نقطة الصفر بربط الانسحاب بخروج القوات التركية والروسية، مما يعني عملياً إعادة رسم الخريطة العسكرية لكامل سوريا.
  • يتفق بينيت مع نتنياهو على إبقاء المنطقة الأمنية بحجة “غموض نوايا دمشق”، ويقتصر خلافه على نقد أسلوب نتنياهو الانفعالي وتفضيل الضغط الدبلوماسي المنسق مع واشنطن، بينما يعد يائير غولان الصوت الوحيد الذي انتقد التصعيد كاستفزاز غير محسوب.

مقدّمة

يحتلّ الملف السوري مساحةً محدودةً في الحملات الانتخابية وتصريحات المرشّحين في الانتخابات الإسرائيلية المزمع عقدها يوم 27 أكتوبر. ولعل ذلك يعود إلى تدنّي رتبة سوريا في سلّم أولويات المصوّت الإسرائيلي بين المقاربات الأمنية الخارجية. فتحضر إيران، ثم غزة، ثم لبنان قبل ملف سوريا من حيث الشعور بالتهديد، وهذا مما يمكن استقاؤه من استطلاعات معهد دراسات الأمن القومي. كما أن الملف السوري يسبقه أيضاً تركيز الخطاب الانتخابي بصورة أساسية على قضايا داخلية كتجنيد الحريديين، وصلاحيات القضاء، والفساد الداخلي، ولجنة التحقيق في السابع من أكتوبر، وهوية الدولة الإسرائيلية أكثر منها على القضايا الخارجية التي قد تكون المحدد الأساس للناخب الإسرائيلي.

ومع ذلك يختصّ الملف السوري بأهميةٍ خاصة ضمن شرائح معيّنة، مثل شريحة الدروز.

منذ سقوط النظام السوري البائد يوم 8 ديسمبر 2024، فرضت حكومة نتنياهو وقائع جديدة في الجنوب السوري: احتلال المنطقة العازلة وقمة جبل الشيخ، وبعض المناطق في ريف القنيطرة وحوض اليرموك. إضافة إلى مئات الغارات، والتوغّلات والمداهمات والاحتجازات.

لجأت الحكومة السورية لطريق المفاوضات وسيلة لمحاولة تغيير هذا الواقع الجديد عبر عدة جولات تفاوضية، لكنها شهدت تراجعاً إسرائيلياً في مرات عدة عن تفاهمات أو عن صيغ كانت قريبة من التوافق عليها، وسقفاً مرتفعاً جداً من المطالب التفاوضية غير المنطقية.

 تراقب سوريا الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي باحثةً عما إذا كانت الحكومة المقبلة ستواصل سياسة الضغط العسكري والتوغل، أم ستتيح مجالاً أوسع للتفاوض الذي دخل في حالة جمود بعد أن كادت المفاوضات تبلغ 90% من اتفاق بحسب ما كشف الرئيس السوري أحمد الشرع.

يتناول هذا المقال موقع سوريا من أجندة المرشّحين وما يمكن معرفته عن مواقفهم من الملف السوري.

أولاً: نتنياهو خطوط حُمر كبيرة ومسار سياسي مسدود

يخوض بنيامين نتنياهو الانتخابات بخطاب يقدّم التوسع في سوريا بوصفه إنجازاً يجب التصويت لاستمراره. فخلال إحاطةٍ عن استراتيجيته الأمنية، تحدّث نتنياهو عن إقامة مناطق أمنية، كان منها منطقة من جبل الشيخ حتى اليرموك.

يقوم جزءٌ كبيرٌ من حملة نتنياهو على ترهيب الإسرائيليين، بتصوير نفسه الوحيد القادر على التصدي لمهام ومسؤوليات حمايتها من تهديدات عدة يتحدث عنها، كما يكرّر نتنياهو خطوطه الحمراء المعروفة منذ سقوط نظام الأسد: عدم الانسحاب من المنطقة الأمنية في الجنوب السوري مصوراً أن بديلاً عنه في الحكومة سيسعى للانسحاب، ومنع أي إعادة بناء لقدرات عسكرية سورية “كاسرة للتوازن”، وحرية عمل جوية كاملة في الأجواء السورية، وحماية الطائفة الدرزية.

هذه الخطوط تجسّدت ميدانياً في ضربة مطار أبو الظهور بريف إدلب بتاريخ 17 أغسطس 2026، في تصعيد خطير جغرافياً، إذ استهدفت الضربة الشمال السوري لا الجنوب. وقد برّر مكتب نتنياهو الضربة بأن “إسرائيل وسوريا اتفقتا على وضع قائم في المسائل الأمنية، وأن سوريا كانت على وشك خرقه بالسماح بانتشار قوات تركية في قاعدة قرب حلب”، وقد نفى وجوده مصدر في الخارجية السورية لقناة الجزيرة، وهذا يختصر العقلية الحاكمة في إسرائيل حالياً: فرض وضع قائم أحادي من طرف واحد، وتسمية الوجود العسكري التركي المحتمل في عمق سوريا تهديداً يستوجب القصف، وتحويل الجغرافيا السورية إلى ساحة خطوط حمراء إسرائيلية وتهديدات مدّعاة قبل أن تتولد.
يوظّف نتنياهو كذلك ملف السويداء لمصلحته الانتخابية في خارطة تنافسية على عشرات آلاف الأصوات الدرزية، ففي مؤتمر انتخابي مع ممثلين عن الطائفة الدرزية في دولة الاحتلال قبل أيام، زعم نتنياهو حديثه بلهجةٍ حادةٍ مع الشرع وصدّه عن استهداف الدروز، في ما يبدو أنه محاولةٌ لتقديم نفسه المنقذ لدروز سوريا، ومستعيناً بذلك في طلب التصويت له.

ثانياً: ايزنكوت – السعي لترتيب أمني جديد على قاعدة 1974.. بشروط أشد

لم يحمل خطاب ايزنكوت حديثاً كثيراً عن الملفات الخارجية عامة، بل يمكن القول إن كل الحملة الانتخابية تُدار بقليل من الظهور والتصريحات، ربما خشية الخطأ والتسبّب بتراجع مقاعده التي تعطيه حالياً وفق استطلاعات الرأي صورة الحزب الأكبر في الكنيست بدلاً من الليكود.
يعد ايزنكوت المنافس الأكثر جدية لنتنياهو، وكان تطرقه الوحيد للملف السوري خلال الشهور الماضية، ما جاء في مقابلة موسّعة مطلع أكتوبر بتاريخ 7 أكتوبر، قال ايزنكوت فيها إن على إسرائيل استكشاف ترتيب أمني جديد مع سوريا قائم على اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، لكن باشتراطات أمنية مختلفة من منطلق قوة دون أن يفصل في سقف اشتراطاته. كما لم يتحدث ايزنكوت عن الانسحاب من قمة جبل الشيخ بوصفها خطاً أحمر إسرائيلياً لا تراجع عنه كما هو حال تصريحات نتنياهو رابطاً الانسحاب بخروج القوات الروسية والتركية من سوريا، وتعزيز التحالف والضمانات الأمنية والمصالح المشتركة مع الولايات المتحدة

قراءتنا لهذا الطرح أنه يفتح الباب أمام إعادة إطلاق المسار التفاوضي، لكنه في الوقت ذاته يعيد ضبطه من الصفر، لا من نقطة تقدّم معينة ونقطة الصفر هذه تحتاج اختبار النوايا الإسرائيلية الجديدة إن تغيرت الحكومة، وسقف المطالب الأمنية للمفاوض الإسرائيلي، فالعودة إلى اتفاق 1974 كمرجعية تعني نظرياً قبولاً إسرائيلياً بفكرة الانسحاب من المناطق التي احتلتها بعد 8 ديسمبر، لكن ربط ذلك بخروج القوات التركية والروسية وهما وجودان قائمان باتفاقات مع الدولة السورية ولا صلة مباشرة لهما بخط فض الاشتباك. أي أن سقف المطالب ما زال مرتفعاً، فهذا يعني عملياً إعادة رسم الخريطة العسكرية لسوريا بأكملها، لا الجنوب وحده.

في مقابل ذلك فإن تأكيد ايزنكوت على ضرورة تلاقي المصالح الأمريكية-الإسرائيلية بصورة أكبر قد يوحي أن الضغط الأمريكي والرغبة الأمريكية، إن كانت حاضرة فعلاً لمحاولة التوصل لاتفاق أمني، قد تؤتي تأثيراً أكبر من ما كان عليه الحال في المفاوضات مع إدارة نتنياهو، مع التأكيد على أن المطالب الأمريكية عادة ما تكون منسّقةً إلى حد كبير مع وجهة النظر الإسرائيلية، وإن اختلفت فلن تختلف كثيراً.

وبالتالي فيبقى المحرك الأساس لإمكانية نجاح أي مفاوضات بديلة قد تنطلق حال تغير الحكومة الإسرائيلية هي اختبار حدود ما تصفه دولة الاحتلال بالتنازلات.

ثالثاً: بينيت ولابيد: تشدد في المضمون ونقد في الأسلوب

في معسكر “بياحد”، أو معاً، الذي يجمع نفتالي بينيت من اليمين ويائير لابيد من الوسط الصهيوني كذلك لا تكثر التصريحات عن ملف سوريا، لكن بينيت عرض رؤيته الأمنية في مؤتمر أمام الصحفيين الإسرائيليين العسكريين في أغسطس وتحدث فيها عن اتفاقه  مع نتنياهو على الإبقاء على منطقة أمنية في سوريا، كما أنه يرى أن الجبهة السورية هي “الأكثر غموضاً” بين كل الجبهات، وأن المنطقة العازلة يجب أن تبقى بيد دولة الاحتلال إلى أن تتضح نوايا الرئيس السوري أحمد الشرع، إن كان “جهادياً قد تاب أو ذئباً يرتدي جلد حمل” على حد تعبيره.
لعل الفارق الوحيد في خطابه عن نتنياهو أنه ينتقد سياسة الانفعالية للحكومة الحالية، ويعتقد أن دولة الاحتلال بقيادته يمكن أن تستثمر جهوداً دبلوماسية أكبر، لا سيما في العلاقات مع واشنطن وأنقرة والعواصم العربية لتحصيل شروط أفضل. أما لابيد فلم يقدم موقفاً تفصيلياً من الملف السوري ضمن حملته.

رابعاً: تطرق يقتصر على الدروز في حزب ليبرمان، وحدّة منفردة في خطاب غولان

يغيب الملف السوري أيضاً عن خطاب أفيغدور ليبرمان، زعيم “يسرائيل بيتينو”، غياباً شبه كلي، إذ تركّز حملته على التجنيد الإلزامي للحريديم وشروطه الائتلافية برفض أي حكومة أقلية أو شراكة مع نتنياهو.
لكن في المقابل، يركّز النائب في الكنيست حمد عمّار، أحد نواب حزب ليبرمان، في خطابه على استهداف الدروز المقيمين في دولة الاحتلال، ويبني هذا الخطاب على أن نتنياهو لم يحقق إنجازاً في السويداء إذ كان بالإمكان منع ما وصفها “بالمجزرة” قبل حدوثها بدلاً من التدخل لإيقافها بعد فوات الأوان.

وبالتالي، يوجه عمّار خطاباً نقدياً لخطاب نتنياهو، لكنه ليس خطاباً منفتحاً على الدولة السورية أو على الرئيس السوري بقدر ما هو خطابٌ يحاول استعطاف أصوات الدروز ممن تبدو قضية السويداء بين أولوياتهم.

ولعل الضربة الأكبر التي وجهت لحمد عمّار، والمرشح الدرزي في حزب اينكوت كميل أبو ركن كانت الدعوة الصريحة لرئيس الطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف التي دعا فيها الدروز للتصويت لصالح حزب الليكود ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رابطاً ذلك بما حققه بتدخله لمساعدة السويداء كما قال، ولو أنه عاد لاحقاً لينفي أنه أعلن دعمه لنتنياهو بتاريخ 17 أكتوبر. لكن مدى نجاح هذه الدعوة، لن يكون معلوماً قبل نتائج الانتخابات النهائية

في المقابل، قدّم يائير غولان، زعيم حزب «الديمقراطيون»، انتقاداً صريحاً لسياسة التصعيد؛ إذ وصف الضربة في سوريا بأنها “خطوة استفزازية وخطيرة، تقرّبنا من مواجهة مع تركيا وتعمّق الشرخ مع حلفائنا، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة”. وأضاف أن “القوة العسكرية تُستخدم مجدداً لاعتبارات سياسية، وإسرائيل تدفع الثمن أمنياً”، متهماً نتنياهو بأنه “طرف متطرف وغير موثوق” لا يمكن أن يكون شريكاً في بناء مسار إقليمي مستقر.

ولعل هذا الخطاب يوحي ولو على استحياء أن أطرافاً معينة في حكومة بديلة قد تسعى لشد الحبل نحو تفاهمات سياسية لكن ذلك سيكون محل صراع وجهات نظر وأيديولوجيات مختلفة إذ أن المعسكر البديل يضم أحزاباً من اليمين والوسط واليسار، وبفوارق واضحة بين الواحد والآخر، كذلك في المقاربات الأمنية والسياسية، ولعل جامعهم الوحيد هو محاولة الإطاحة بنتنياهو دون التفكير حالياً بهذه الاختلافات.

قراءة مستقبلية: كسر للجمود دون ضمانات توصل لحل

في ضوء هذا الرصد، يمكن تقديم قراءة مستقبلية قائمة على ثلاثة مستويات:

  • تغيّر الحكومة لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق أمني، فلا سقف واضح حتى اللحظة لما ستطالب به أي حكومة إسرائيلية جديدة، ولا للتعامل الأمريكي معها، كما أن الخشية من أن تكون مطالب حكومة نتنياهو قد تجذّرت كذلك في مطالب وتوصيات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كمسألة حرية العمل والحركة، ومنع التسلح، ورفض الوجود التركي، والمنطقة منزوعة السلاح، ما قد يدفع حتى حكومات لاحقة لتبني وجهات نظر قريبة منها، كما ذهب إليه مركز سجل في مقالته السابقة. بالتالي لا استعجال لاستنتاجات تشير لحتمية التوصل لاتفاق إذا تغيرت الحكومة، فهذا مرهون بالمفاوضات وفحواها.
  • ما يمكن أن يحدثه تغيّر الحكومة فعلاً هو كسر الجمود وخفض التصعيد خلال مرحلة التفاوض على الأقل، فقد اتسمت حكومة نتنياهو بسياسة تهور مبالغ فيها، خالية من حسابات الخطورة تقريباً والخشية من التدهور، بل ربما اعتدمت حتى على الرغبة بانزلاق الأمور إلى تصعيد أكب، لا بخفضه. إن تغيير الحكومة إن حدث، قد يعني على الأقل مرحلياً خفض هذا التصعيد إلى الحد الأدنى الممكن عملياتيا في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، مع التركيز على جزئيات معينة كعدم الاحتكاك مع السوريين.
  • إمكانية عودة التصعيد قائمة إن فشلت المفاوضات الجديدة المفترضة، فرغم حديثنا في النقطة الثانية عن خفض التصعيد، فيمكن أن يتبخّر ذلك إذا وصلت المفاوضات مجدداً لطريق مسدود. وإن كان ذلك، فسييبدو المشهد حتى أكثر خطورة، لأن الجانب السوري سيكون قد استنفذ خطواته الدبلوماسية. ولا يستبعد في مثل هذه الحالة من اليأس السياسي أن تتشكّل وتتُبع وسائل جديدة في التعامل مع الملف، من الجانب الإسرائيلي بتصعيد أكبر، أو حتى من الجانب السوري بمقاربات جديدة دون الدبلوماسية.