قراءة في غارات الاحتلال على درعا وتداعيات التصعيد في السويداء

فجر الجمعة 20 مارس 2026، نفّذت طائرات حربية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية سورية في الجنوب، من بينها موقع عسكري تابع للفرقة 40 في الجيش السوري في مدينة إزرع بريف درعا، وهو الموقع المعروف سابقاً باسم “كتيبة النقل“. وأفادت تقارير إعلامية بأن هذه الغارة جاءت ضمن سلسلة ضربات إسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية في جنوب سوريا في اليوم نفسه، ما وضعها في إطار تصعيد عسكري أوسع يشهده الجنوب السوري في تلك الفترة.

الرواية الإسرائيلية: الردّ على الاعتداءات على الدروز

برّر الاحتلال الإسرائيلي هذه الغارات، في بيانٍ مقتضب صدر بتاريخ 20 مارس، بأنها جاءت ردّاً على ما وصفته بـ”هجمات” استهدفت أبناء الطائفة الدرزية في محافظة السويداء، معتبرة أن استهداف المواقع العسكرية السورية يندرج ضمن ما تسميه سياسة “حماية الدروز” في جنوب سوريا. ويأتي هذا الخطاب امتداداً لدعمٍ مستمر من الاحتلال لطائفة الدروز في سوريا، كان منه تدريب رجال إطفاء دروز، وإقامة دورات أمنية للدروز، وتعيين منسّق تواصل خاص مع الدروز، ومؤخّراً منح الصندوق القومي اليهودي مبلغاً مقداره 2 مليون شيكل للطائفة الدرزية في سوريا.

كما أشار بيان جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى استمرار مراقبة التطوّرات الميدانية في المنطقة، والتصرف وفق ما تراه المؤسسة العسكرية ملائمةً تبعاً لقرارات المستوى السياسي.

من جانبه، صرّح وزير الدفاع في دولة الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس: “لن نسمح للنظام السوري باستغلال حربنا ضد إيران وحزب الله للإضرار بالدروز، وإذا اقتضت الضرورة فسنهاجم بقوة أكبر. لقد وجّهتُ مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الجيشَ لضرب بنى تحتية تابعة للنظام السوري في محيط السويداء، ردًا مباشرًا على استهداف السكان الدروز في جنوب سوريا”.

وأضاف كاتس: “رسالتنا للنظام السوري واضحة وحاسمة: إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي، ولن تسمح لأي طرف بأن يمس بالدروز تحت غطاء حربنا ضد نظام الإرهاب الإيراني وتنظيم حزب الله في لبنان. إذا لزم الأمر سنهاجم بعنف أشد. لقد أوضحنا وحذّرنا أن من يعتدي على الدروز في سوريا، وهم أشقاء إخوتنا الدروز في إسرائيل، سيتعرّض للضرب. سنواصل العمل بحزم وقوة في كل الجبهات لحماية حلفائنا وضمان أمن إسرائيل”.

ماذا حدث في السويداء؟

تزامن القصف الإسرائيلي مع توتّر أمني متصاعد شهدته محافظة السويداء بين 18 و21 مارس 2026، بدأ بمحاولة تهريب عند الحدود الإدارية بين السويداء ودرعا، قبل أن يتطوّر إلى اشتباكات أوسع مع مجموعات مسلحة محلية مرتبطة بميليشيا الهجري. وتشير تقارير محلية إلى أن ميليشيا الهجري تضم مجموعات مسلحة تدين بالولاء لمرجعية دينية-اجتماعية محلية في السويداء، وتتشابك علاقاتها مع أجهزة الأمن وبعض الشبكات المرتبطة بالتهريب والنفوذ المحلي، ما يجعلها لاعباً رئيسياً في مشهد السلاح غير النظامي في المحافظة.

وتعود بداية الأحداث إلى قيام قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية، مساء 18 مارس 2026، بنصب كمين في الأراضي الزراعية التابعة لقرية بكا المحاذية لقرية برد في ريف السويداء الجنوبي، استهدف مجموعة تعمل في التهريب أثناء محاولتها نقل مواد عبر طرق غير شرعية باتجاه محافظة درعا، بحسب ما أفادت به شبكة “السويداء 24” ومنصات محلية أخرى. وأسفر الكمين عن مقتل وإصابة عدد من أفراد المجموعة، وفق مصادر ميدانية.

وفي 19 و20 مارس، تصاعد التوترّ مع تحرك مجموعات مسلحة مرتبطة بميليشيا الهجري، حيث اندلعت اشتباكات على عدة محاور في الريف الغربي والجنوبي للسويداء، إثر هجمات حاولت هذه المجموعات تنفيذها ضد مواقع تابعة لقوى الأمن الداخلي السورية، كما ورد في تقارير ميدانية محلية متعدّدة. وتمكنت القوات العسكرية والأمنية من صد هذه الهجمات بعد مواجهات استمرت لساعات، وأسفرت، بحسب ما نشر في 19 مارس، عن مقتل ما لا يقل عن خمسة عناصر من المجموعات المهاجمة، عُرف منهم أيهم نقور وسليمان الشيباني، وفق ما نقلته منصات محلية وشهود من المنطقة.

كما نفّذت القوات الأمنية عمليات ملاحقة أعقبت الاشتباكات خلال 19 و20 مارس، أدت إلى اعتقال عدد من عناصر هذه المجموعات، في ضربة أمنية وُصفت في بعض وسائل الإعلام بأنها من الأوسع منذ أشهر.

وفي موازاة ذلك، أشارت تقارير محلية إلى دفع تشكيلات موصوفة بأنها تابعة لـ“الحرس الوطني” بتعزيزات عسكرية إضافية إلى المنطقة بهدف تثبيت نقاط السيطرة ومنع أي محاولات تصعيد جديدة، وسط توصيفات لهذه التشكيلات بوصفها قوات محلية مدعومة من الحكومة تعمل بالتوازي مع الأجهزة النظامية. كما تحدّثت مصادر من المنطقة عن استهداف حاجز بطائرة مسيّرة مفخخة خلال هذه الفترة، مع ترجيح وقوف مجموعات مسلحة وراء الهجوم، في مؤشر على ارتفاع مستوى المواجهة واستخدام وسائل قتالية أكثر تطوّراً في النزاع الدائر على خطوط التماس بين السويداء ودرعا.

الموقف السوري الرسمي

في 19 مارس 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية، عبر بيان نشرته وكالة سانا، إحباط محاولة تهريب أسلحة وذخائر على طريق بصرى الشام-بكا في ريف السويداء، موضّحة أن الأسلحة كانت معدّة لتنفيذ أعمال عدوانية، وأن العملية أسفرت عن ضبط كميات من الأسلحة والذخائر المتنوعة وملاحقة المشاركين في التهريب. وشدّد البيان على أن هذه العملية تأتي في سياق “الجهود المستمرة التي تبذلها قوى الأمن الداخلي في محافظة السويداء لملاحقة العصابات الخارجة عن القانون وتعزيز الأمن والاستقرار” في المنطقة.
أدانت وزارة الخارجية السورية القصف الإسرائيلي على موقع الفرقة 40 في إزرع ومواقع أخرى في الجنوب، ووصفت الضربات بأنها اعتداء على السيادة السورية وانتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وذلك في بيانها الرسمي الذي نُشر يوم 20 مارس. واعتبرت الخارجية أن هذه الهجمات تندرج ضمن سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف زعزعة الاستقرار في سوريا، مجددة مطالبتها المجتمع الدولي باتخاذ موقف واضح لوقف هذه الاعتداءات، والتأكيد على حق سوريا في الدفاع عن أراضيها وسيادتها بكل الوسائل المشروعة.

الاستهداف الإسرائيلي والسياق الأوسع للتصعيد

تُظهر طريقة توقيت الغارات الإسرائيلية وربطها العلني بأحداث السويداء أن تل أبيب تحاول استثمار التصعيد المحلي في المحافظة لإعادة تأكيد دورها كفاعل أمني في الجنوب السوري تحت عنوان “حماية الدروز”، في الوقت الذي تستهدف فيه في الواقع بنية الانتشار العسكري السوري، وأي تموضع تعتبره قريباً من إيران أو حزب الله، في المناطق المحاذية للجولان المحتل. فخلال السنوات الماضية، سعت إسرائيل إلى فرض معادلة أمنية في الجنوب تقوم على خطوط حمراء واضحة: منع تمركز قوات عسكرية ثقيلة أو فصائل حليفة لإيران قرب الجولان، والاحتفاظ بحرية تنفيذ ضربات وقائية ضد مواقع تعتبرها مهدِّدة، وهو ما يتكرر اليوم مع استدعاء ملف الدروز كغطاء سياسي وإعلامي لتبرير الضربات أمام الرأي العام المحلي والدولي.

ومما يؤكّد ذلك قيام الاحتلال بعمليةٍ مشابهة، وفقاً لما نشرت قناة i24 بتاريخ 17 مارس، استهدفت شاحنة أسلحة، وهو ما وصفته القناة بأنه أول عملية للاحتلال داخل الأراضي السورية منذ بدء الحرب الإيرانية.

وفي موازاة ذلك، تأتي هذه الضربات ضمن سياق أوسع من المواجهة الإقليمية المتواصلة بين الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، حيث تُستخدم الساحة السورية مراراً كمسرح لرسائل متبادلة وضربات محسوبة.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى قصف موقع الفرقة 40 وغيره من الأهداف في الجنوب على أنه جزء من محاولة الاحتلال الإسرائيلي إعادة ضبط قواعد الاشتباك في جنوب سوريا، وربط ما يجري هناك بشكل أوضح بمعادلات الصراع الإقليمي الأوسع، بما يكرّس سعيها للحفاظ على حرية الحركة العسكرية وتثبيت مستويات أعلى من الردع في محيط الجبهة الشمالية.