ماذا فعلت حرب إيران بالداخل الإسرائيلي؟

لتحميل المقالة بصيغة PDF من هنا

تمخّضت الحرب التي شنّتها دولة الاحتلال الإسرائيلي وواشنطن على إيران عن تداعياتٍ كبيرة على مختلف مفاصل الحياة في دولة الاحتلال، سواءً بحكم القرار نفسه وما يعنيه من حشدٍ واستقطابٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ وإعلامي، وردّ الطرف الإيراني وتعاطيه مع الحرب عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

تحاول هذه المقالة تقديم صورةٍ لآثار الحرب على دولة الاحتلال الإسرائيلي ومجتمعه، عبر تتبّع ما أحدثته من تحوّلات في توازنات النخبة السياسية، ومزاج الرأي العام، وأداء وسائل الإعلام، ثم تفحّص الأهداف العسكرية والاستراتيجية التي وضعتها إسرائيل وحلفاؤها، وما قد تخلّفه هذه الحرب من تداعيات على الجبهتين اللبنانية والسورية.

الحرب والمجتمع الإسرائيلي: حبٌّ ثم ضجر

من المهم في هذا السياق أن نستحضر نمطاً يتكرّر في المجتمع والمشهد الإسرائيلي بالتزامن مع خوضه للحروب. فلو عدنا قليلاً إلى الوراء، إلى ما قبل أكتوبر 2023، سنجد أن المجتمع الإسرائيلي كان في أوج استقطاب غير مسبوق نتيجة خطة حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لإجراء تعديلات على النظام القضائي. طفت الخلافات الحادة آنذاك على مستويات مختلفة: مجتمعياً، وسياسياً، وحزبياً، ومناطقياً، وحتى عرقياً، وشملت تقريباً مختلف الفئات: العلمانيين، والمتدينين، والشرقيين، والغربيين، واليسار الصهيوني، والوسط، واليمينيين. بل ووصل الأمر حد اعتقاد بعض الإسرائيليين أننا أمام اقتتال وشيك، أو على أقل تقدير تعاظم للمناوشات والتوترات بين هذه الفئات إلى درجة قد تُحدِث شرخاً غير قابل للإصلاح.

ومن ثم سرعان ما تلاشت هذه الفروقات مع بدء الحرب على قطاع غزة عقب السابع من أكتوبر، إذ اجتمع المختلفون فجأة خلف الجيش الإسرائيلي، بوصفه المؤسسة التي تحظى دوماً بإجماع واسع لدى الإسرائيليين. كما عبّر هؤلاء عن دعمهم للحكومة الإسرائيلية، مثل يائير لابيد رئيس المعارضة الإسرائيلية حينئذٍ، وبيني غانتس أحد أبرز قادة المعارضة آنذاك، وذلك على اختلافاتهم وتباين مواقفهم.

لكن حالة الاستقطابات والاختلاف لا تلبث إلا أن تعود لتتشكّل مع مرور الوقت. فتطول الحروب، ويظهر الاستقطاب بصورة أوضح، انطلاقاً من اعتبارات متعددة، أبرزها ما يتعلّق بالمنطلقات الأمنية: الحديث عن فشل تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، أو فشل قيادتها، أو فشل إنهائها، أو عدم توافق المستوى السياسي مع المستوى العسكري. ويتحوّل هذا لاحقاً إلى مزايدات سياسية متبادلة وتسجيل نقاط بين الأطراف المختلفة، تمهيداً لانتخابات مقبلة أو تحسّباً لانتخابات مبكرة.

الخارطة السياسية الإسرائيلية وتكتلاتها في ظل الحرب على إيران

تنقسم الخارطة السياسية الإسرائيلية منذ عدة سنوات (قبل أكتوبر 2023) إلى معسكرين لا يجمعهما طيفٌ أيديولوجي واحد، كما في التقسيم التقليدي بين يمين ويسار في دول أخرى. فالانقسام في دولة الاحتلال، على الأقل مؤخّراً، يتمحور حول شخص نتنياهو، فهناك معسكرٌ داعم لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ائتلاف من أحزاب يمينية ودينية، ومعسكر آخر معارض لنتنياهو يضم أحزاباً من اليسار الصهيوني، والوسط، واليمين، وحتى اليمين المتطرف مثل نفتالي بينيت، الذي يعد اليوم الشخصية الأبرز في المعسكر المناوئ لنتنياهو).

في بداية الحرب على إيران في فبراير الماضي، وبما يتطابق مع النمط المعتاد الذي رأيناه في تجارب الحروب السابقة، خرجت كل الشخصيات السياسية الإسرائيلية على طرفي الخارطة السياسية، من الائتلاف والمعارضة، لتعبّر عن دعمها للجيش الإسرائيلي في عمليته العسكرية الجديدة، ولدعم الحكومة في قرارها، مستخدمة شعارات شعبوية عن قوة الجيش وتحقيق النصر وأهمية الوحدة في أوقات الحرب.

زعيم المعارضة الإسرائيلية الحالي في الكنيست، يائير لابيد، غرّد عقب الضربة الافتتاحية بتاريخ  فبراير 2026 قائلاً:

“أود أن أذكّر الجميع: شعب إسرائيل قوي، والجيش وسلاح الجو قويان، والقوة الأعظم في العالم تقف إلى جانبنا. في لحظات كهذه، نقف معاً، وننتصر معاً. لا يوجد ائتلاف ولا معارضة، بل يوجد شعب واحد وجيش واحد، وكلنا نقف خلفهم.”

أما أبرز الشخصيات المنافسة لنتنياهو والمرشحة لخلافته في الانتخابات القادمة، نفتالي بينيت، فقال في الدقائق الأولى عقب الهجوم بتاريخ 28 فبراير:
“شعب من الأسود يزأر” [في إشارة إلى اسم العملية زئير الأسد] أشدّ على أيدي الجيش الإسرائيلي وحكومة إسرائيل ورئيس الوزراء في عملية زئير الأسد. إن شعب إسرائيل بأكمله يقف خلفكم حتى تدمير التهديد الإيراني.” معبّراً أيضاً عن امتنانه للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

لم يكتفِ بينيت بهذه التصريحات، بل ظهر خلال الأسبوع الأول من الحرب في عدة لقاءات متلفزة عبر سكاي نيوز البريطانية، وسي إن إن، وبرنامج بلا رقابة (Uncensored) الذي يقدّمه الإعلامي البريطاني بيرس مورغان (Piers Morgan)، ليدافع عن السردية الإسرائيلية وأهداف الحرب المعلنة، رغم كونه المنافس الأبرز لنتنياهو.

أما يائير غولان، الذي يرأس حزب “الديمقراطيين”، ويُعدّ اليوم ضمن أقصى يسار الكنيست ومن بين الأحزاب البارزة في استطلاعات الانتخابات القادمة، فغرّد بتاريخ 28 فبراير قائلاً: “إن الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن يعملون بقوة ومهنية، وهم يحظون بدعم كامل. يجب أن ينتهي هذا الهجوم بحسم استراتيجي واضح: إزالة التهديد الإيراني بطريقة تعزز أمن إسرائيل على المدى الطويل. وهذا يتطلب تحديد أهداف دقيقة ومتماسكة وقابلة للتطبيق للحرب، لا مزيد من جولات التصعيد أو الاكتفاء بإدارة حدث متدحرج”.

بدا غولان أكثر حذراً من غيره؛ فقد استخدم خطاباً يتضمن بعض التشكيك بقدرة الحكومة الإسرائيلية على تحديد أهداف منطقية للحرب، وحذّر من مغبة ذلك، لكنه في الوقت نفسه منح دعمه الكامل للجيش الإسرائيلي.

الجيش، إذاً، هو المؤسسة التي تحظى بإجماع واسع وقدسية خاصة في الوعي الإسرائيلي، إذ يوجد في كل بيت تقريباً من خدم أو يخدم فيه. لذلك يبدو انتقاد الجيش بحدة أو الوقوف في وجهه كأنه وقوف في وجه عائلتك ومجتمعك المتعسكر بأسره، وهي خطوة تناقض التيار الجارف لدى غالبية الإسرائيليين.

هذه الحالة الداعمة، التي أجمع عليها السياسيون المعارضون لنتنياهو في بداية الحرب، بدأت لاحقاً في التقلّب والتغيّر نحو انتقاد طريقة إدارة نتنياهو للحرب، وازدادت حدة هذه الانتقادات مع امتداد أمد الحرب. فباتت الشخصيات نفسها التي تحدثت عن “الوقوف خلف الحكومة والجيش والوحدة” تتصيّد أخطاء الحرب وإخفاقاتها إن وجدت، مثل التذكير بالسقف المرتفع جداً من الأهداف التي طُرحت في بداية الحرب، ومنها “إسقاط النظام الإيراني وتغييره”، أو الإشارة إلى ما يصدر من تسريبات حول تذمّر داخل المؤسسة العسكرية من خطوات حكومية. تركّز هذه الأصوات عادة على فشل تحقيق الأهداف أو إدارة الحرب، ولا تشكّك في الغالب في شرعية بدء الحرب نفسها، وإن كانت قد تشكك في شرعية استمرارها أو طريقة إدارتها، مع بقاء “المؤسسة العسكرية المقدسة: خارج دائرة النقد المباشر نسبياً.

ينعكس ذلك في تصريحات هذه الشخصيات ذاتها؛ فنفتالي بينيت، على سبيل المثال، قال يوم 30 مارس 2026، بعد نحو شهر من الحرب: “لن يُغفر لهذه الحكومة أنها في الوقت الذي يقاتل فيه جنودنا على الجبهة، انشغلت بالسرقة والنهب لصالح المتهربين من الخدمة العسكرية [اليهود الحريديم].”

أما يائير لابيد، فقال في اقتباسٍ بتاريخ 1 أبريل: “كم يبدو خطاب الغرور الذي ألقاه نتنياهو ليلة أمس مضحكاً ومنفصلاً عن الواقع؛ نحن في صباح يملؤه دوي صافرات الإنذار والصواريخ والجرحى والركض نحو الملاجئ. تحتاج إسرائيل إلى قيادة مستقيمة تقول الحقيقة، وتضع ثقتها في المواطنين لكي يتمكن المواطنون من منحها ثقتهم”.

هذا التغيّر في الخطاب يعيد الصورة تدريجياً إلى حالتها الأولى، أي إلى استقطاب سياسي واضح بين معسكر داعم لنتنياهو وآخر معارض له. إنه انتقال تدريجي من حالة دعم شبه كامل في بداية الحرب إلى حالة اتهام بالفشل مع امتدادها.

المجتمع الإسرائيلي والحرب على إيران

حال المجتمع الإسرائيلي يشبه حال نخبه السياسية؛ بدأت الحرب بشعبية جارفة ودعم واسع يكاد يرقى إلى الإجماع داخل أوساط فئات إسرائيلية مختلفة سياسياً ومجتمعياً. تؤكد ذلك استطلاعات الرأي التي رافقت الأيام الأولى للحرب.

فأظهر استطلاعٌ لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي نُشر بتاريخ 5 مارس 2026 أن 80.5% من الإسرائيليين كانوا داعمين للحرب على إيران. علماً أن الاستطلاع شمل في عينته جزءاً من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ما يعني أن نسبة الداعمين داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي أعلى من ذلك، على اعتبار أن معظم الفلسطينيين يعارضون الحرب. أظهر الاستطلاع أيضاً أن 63% يعتقدون أنه يجب إكمال الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني، وأن نحو 80% عبّروا عن ثقتهم بالجيش، فيما وصلت هذه الثقة إلى 85% بسلاح الجو الإسرائيلي، وهو الذراع العسكرية الأساسية في الحرب.

أما الاستطلاع الأخير الذي أجراه المركز نفسه ونشر نتائجه بتاريخ 30 مارس، أي بعد شهر من الحرب، فأشار إلى انخفاض واضح في ثقة الإسرائيليين بإمكانية تحقيق أهداف الحرب. ففي حين اعتقد نحو 70% من الإسرائيليين في الأيام الأولى أنه يمكن إلحاق ضرر جوهري وكبير بالنظام الإيراني، انخفضت هذه النسبة إلى 43.5% في الاستطلاع الأخير. وفيما يتعلق بإمكانية إلحاق ضرر بالغ ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وهو البرنامج الذي انطلق منه نتنياهو لمحاولة جرّ ترمب مجدداً إلى دائرة الصراع مع إيران خلال زيارته للولايات المتحدة في نهاية ديسمبر 2025، فقد كانت النسبة في البداية 73%، وانخفضت إلى 58.5% في الاستطلاع الأخير.

أما بشأن استمرار الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني، فقد تراجعت نسبة من يعتقدون أنه “يجب” فعل ذلك من 63% في بداية الحرب إلى 45.5% في الاستطلاع الأخير. وفي المقابل، بلغت نسبة من يؤيدون الذهاب إلى وقفٍ لإطلاق النار بعد استكمال إصابة الأهداف العسكرية أو في أقرب وقت ممكن نحو 49% في آخر استطلاع، مقارنة بـ 31% فقط دعموا هذا التوجه في الأسبوع الأول.

تبيّن هذه النتائج أن ثقة الإسرائيليين بإمكانية تحقيق الأهداف التي وضعها المستوى السياسي تراجعت مع مرور الوقت، سواء على المستوى العسكري (تدمير القدرات العسكرية الإيرانية) أو على المستوى السياسي (تغيير النظام الإيراني بالكامل). كما تُظهر أن قدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية على تحمّل أعباء الحرب تنخفض تدريجياً مع طول مدتها، وأن الخطاب الناقد للحكومة يزداد مقارنة بالأسبوع الأول من الحرب، فيما يبقى هذا النقد موجّهاً بصورة أساسية إلى الحكومة وليس إلى الجيش وقادته.

يرتبط مستوى دعم الحرب أو التراجع عنه أيضاً بالآثار المباشرة لها على حياة الإسرائيليين. فانعكاسات اقتصادية مثل ارتفاع أسعار الوقود، التي بدأت تمسّ حياة الناس مع دخول شهر أبريل، إلى جانب الجوانب الأمنية كاستمرار استهداف مناطق مركزية مثل تل أبيب بالصواريخ، ستؤثر بلا شك في مواقف المجتمع الإسرائيلي من الحرب في الاستطلاعات القادمة.

الإعلام الإسرائيلي في ظل الحرب

التوصيف الأقرب لأداء وسائل الإعلام الإسرائيلية في فترات الحروب عموماً، بما في ذلك الحرب على إيران، هو أنها “مجنّدة إلى جانب الجيش الإسرائيلي، كما تذكر مثلاً ورقةٌ للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية. فهي تلتزم بصورة شبه كاملة بتعليمات جهاز الرقابة العسكرية، التابع للجيش، الذي يقرر السماح أو منع نشر معلومات أو معطيات معينة أثناء الحرب بحجة الحفاظ على “الأمن القومي” و”سلامة الجنود”.

وأما النقد فيأتي عادةً من صحفٍ مثل هارتس وتحليلاتها العسكرية، لكنها هي الأخرى ملتزمة بالرقابة العسكرية من حيث ما يسمح أو يحظر نشره، ولا تذهب بعيداً في لهجتها تجاه الجيش ذاته.

تركّز القنوات التلفزيونية الإسرائيلية على حضور صوت الجيش ومصادره ومسؤوليه بصورة دائمة. فالقناة 12، مثلاً، تحرص في كثير من نشراتها على استضافة ممثّل عن “الجبهة الداخلية”، وهي جهة تابعة للجيش مسؤولة عن توجيه الإسرائيليين والاستعداد لحالات الطوارئ. كما تولي هذه القناة وغيرها أولوية كبيرة في مقدمة نشراتها لتصريحات رئيس الأركان أو المتحدّث باسم الجيش أو البيانات الرسمية الصادرة عنه، بينما يغيب الخطاب المشكك بهذه البيانات بصورة شبه تامة.

في المقابل، يحضر النقد الموجّه للحكومة الإسرائيلية ولسياساتها أو لطريقة إدارتها للحرب بشكل واسع في التحليلات والبرامج الحوارية. وكما هو الحال في استطلاعات الرأي وتصريحات المسؤولين، يزداد هذا النقد حدة واتساعاً مع إطالة أمد الحرب.

تتيح وسائل الإعلام المركزية مساحة أيضاً للأصوات المتذمّرة في المستوطنات الحدودية مع لبنان، من رؤساء بلديات وسكان، الذين يشتكون من صعوبة البقاء في المناطق المتاخمة للحدود في ظل إصرار الحكومة على عدم تمويل إخلاء منظم للسكان، خشية أن يُعد ذلك اعترافاً بالفشل العسكري والأمني.

وفي سياقٍ متصل، نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية في يناير 2026 حديثاً لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي من داخل جلسة للكابينت الأمني والسياسي، يشكو فيه إنهاك الجنود لكثرة الجبهات التي ينتشرون عليها، في وقت يعاني فيه الجيش نقصاً في عدد المجندين بسبب عدم اتفاق الحكومة على قانون تجنيد جديد يضمن انضمام العدد المطلوب من اليهود الحريديم إلى الخدمة العسكرية. ركّزت وسائل الإعلام على إبراز مطالب رئيس الأركان، بل وما يشبه تبنيها، مع مهاجمة سياسة الحكومة في هذا الشأن.

الأهداف الاستراتيجية للحرب في إيران ولبنان، والتأثير على الملف السوري

وضع كلٌّ من بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب سقفاً مرتفعاً للأهداف في خطاب انطلاق الحرب.

إسقاط النظام: من هدف واضح إلى “تداعيات لاحقة”

قالت حكومة دولة الاحتلال الإسرائيالي نتنياهو، في بيانٍ رسمي نُشر بتاريخ 28 فبراير، إن الحرب تهدف إلى “إزالة التهديد الوجودي الذي يمثله نظام الإرهاب في إيران”، وإنها “ستهيئ الظروف للشعب الإيراني الشجاع ليأخذ مصيره بيده”. ثم عاد بتاريخ 10 مارس ليصرّح بأن “الأيام القليلة المقبلة ستهيئ الظروف للإيرانيين لتولي مصيرهم بأنفسهم، كما سيتم إبلاغهم بالوقت المناسب”.

من الواضح أن دولة الاحتلال، ومعها ترامب ومحيطه، كانوا مقتنعين بأن الضربات والهجمات ستترك أثراً يقود إلى نزول الإيرانيين إلى الشارع وتغيير النظام وإسقاطه. ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن نتنياهو تلقّى معلومات من الموساد تشير إلى قدرة الجهاز على تحريك الشارع الإيراني، وأن هذه المعلومات استُخدمت لإقناع الإدارة الأمريكية، لكنها فشلت لاحقاً في تحقيق النتائج المتوقعة.

كما ذكرت تقارير، منها موقع أكسيوس، عن محاولة لإقحام الأكراد في العراق كورقة إضافية لزعزعة النظام الإيراني، مشيرة إلى كونها من الخطط التي اقترحها الموساد على الأمريكيين، لكنها أيضاً باءت بالفشل.

تغيّرت التقديرات الإسرائيلية، وفق مختلف التقارير، من تفاؤل مفرط في الأيام الأولى للحرب بإمكانية إسقاط النظام كنتيجة مباشرة لها، إلى تقديرات من داخل المنظومة الأمنية والسياسية تتحدث عن “تبعات بعيدة المدى للحرب” قد تقود إلى إسقاط النظام في مراحل لاحقة كنتيجة غير مباشرة للعمليات العسكرية، تنبع من استمرار الضغط على النظام وخنقه اقتصادياً. هذا التحوّل في اللغة يعكس إقراراً ضمنياً بفشل أحد أبرز الأهداف التي روّج لها نتنياهو وترامب في خطابهما الأول.

الأهداف العسكرية

وضع ترامب ونتنياهو أهدافاً عسكرية مباشرة تتمثل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وسلاح البحرية، والترسانة الصاروخية، وقدرات الصناعات الدفاعية.

قال الجيش الإسرائيلي إنه ألقى أكثر من 18 ألف قنبلة على إيران حتى تاريخ 10 أبريل 2026، أي ما يعادل أربعة أضعاف ما استخدمه في حرب الأيام الـ 12 الماضية، وتحدث عن تدمير “مدن صواريخ” ومنشآت مرتبطة بالصناعات الصاروخية ومنصات إطلاق صواريخ.

تراجعت كثافة القصف الإيراني لكنها لم تتوقّف، كما يبيّن تقريرٌ لمركز ACLED المختص بمتابعة النزاعات، في وقتٍ كانت فيه المؤسّسة الإسرائيلية تتحدّث عن دخولها مرحلة الإتمام مع نهاية شهر مارس، لكن ما حدث فعلياً هو أن ليلة عيد الفصح اليهودي، الموافق لليلة 1 أبريل، شهدت إطلاق نحو 12 صاروخاً إيرانياً، ركّز معظمها على محاولة استهداف تل أبيب.

من جهته، تحدّث جيش الاحتلال الإسرائيلي في إحاطة لصحفيين عسكريين بتاريخ 31 مارس عن استكمال قصف معظم الأهداف المتعلقة بقدرات تصنيع الصواريخ، وهي قدرات ترى إسرائيل أنها تمثل تهديداً لا يقل أهمية عن التهديد النووي.

أما القيادة المركزية الأمريكية فتحدّثت عن مهاجمة أكثر من 12,300 هدف، ما يجعل هذه الحملة واحدة من أكثر الحملات العسكرية كثافة من حيث عدد الغارات والأهداف المستهدفة في فترة لا تتجاوز شهراً، إذا ما جمعنا الغارات الأمريكية والإسرائيلية.

فصل جبهة لبنان عن إيران: هدف استراتيجي مهم

حرص الاحتلال الإسرائيلي على فصل جبهة لبنان عن إيران ومسار وقف إطلاق النار هناك. فتحدّث وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن هذا الهدف بصورة مباشرة، كما تحدّث مسؤولون أمنيون مختلفون عن أن الحرب في لبنان ستستمر بعد انتهاء الحرب في إيران. وتضع إسرائيل أهدافاً استراتيجية تسعى إلى تحقيقها في نهاية العملية في لبنان، تتمثّل في توسيع المنطقة الأمنية في الجنوب حتى ثمانية كيلومترات أو أكثر عن الشريط الحدودي، وفرض سيطرة أمنية ونارية حتى نهر الليطاني عبر التواجد في المناطق الاستراتيجية والحاكمة.

التأثيرات على الملف السوري

يشكو رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير من إنهاك القوات الإسرائيلية، ولم يُخفِ شكواه عن وسائل الإعلام التي سرّب إليها حديثه، ولا عن أعضاء الكابينت الأمني السياسي الذين تحدّث أمامهم مطالباً بتعجيل سن قانون تجنيد يقود إلى انضمام الأعداد التي يقدّر الجيش أنه يحتاجها في مختلف الجبهات خلال السنوات القادمة.

إذا نجح الاحتلال في تحقيق هدفه بتوسيع المنطقة الأمنية في لبنان دون انسحاب منها، فهذا يعني مزيداً من الاستنزاف والحاجة إلى قوات إضافية داخل الأراضي اللبنانية. وقد يضطر الجيش حينها إلى المفاضلة بين جبهات مختلفة في إعادة توزيع قواته المتاحة، ما ينعكس على هامش الحركة والضغط في الساحة السورية.

ومع ذلك، لا يبدو الجانب الإسرائيلي مستعداً للتخلّي عن المنطقة الأمنية التي أسّسها في جنوب سوريا، خصوصاً مع التصاعد الحاد للعمليات الإسرائيلية في شهر مارس، من ذلك الاعتقالات والمداهمات وغيرها. فقد وثّق مركز سجل 321 انتهاكاً في شهر مارس 2026، منها 56 عملية توغّل داخل الأراضي السورية، و41 حالة احتجاز، وهو أعلى رقم وثّقه المركز في شهرٍ واحد. ويُضاف إلى ذلك بطبيعة الحال الانتهاكات المستمرة للأجواء السورية.

في المقابل، تُبرز الحرب على إيران احتمالية اعتماد سوريا طريقاً بديلاً لنقل النفط، وقد كان ذلك مما تحدّث عنه الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع بشأن إمكانية توفير سوريا معبراً آمناً لسلاسل التوريد والطاقة، خلال مؤتمره الصحفي في ألمانيا. وقد ظهرت بعض البوادر لذلك بتصدير بعض كميات النفط عبر سوريا، في خضم حديثٍ عن خطةٍ لبناء شبكة تصديرٍ تلتف حول مضيق هُرمز، على الرغم من السماح للناقلات العراقية من جديد بالانتقال عبر المضيق بتاريخ 6 أبريل. وقد يتصادم ذلك مع طموحات إسرائيلية ظهرت في فترات مختلفة بصورةٍ مختلفة، كان أولها ما عُرف باسم سكة السلام عامي 2017 و2018 التي كانت تهدف لإنشاء ممرٍ بين الاحتلال ودول الخليج، وبعد ذلك في سبتمبر 2023 بالإعلان عن ممر رباعي يربط الهند والشرق الأوسط والولايات المتحدة وأوروبا (وما لذلك طبعاً بملف التطبيع)، وهو ما وصفه نتنياهو وقتها بأنه سيغيّر وجه المنطقة. وقد أحيت أزمة هرمز أفكاراً مشابهة، إذ يرى محلّلون أن على دولة الاحتلال انتهاز أزمة مضيق هرمز وتقديم نفسه كممرٍّ آمن لنقل الطاقة، وقد أُجريت محادثات تطرّقت لملف هذا الطريق في فبراير 2025 بين الهند والولايات المتحدة في البيت الأبيض.

وقد يعني ذلك نشوء مساحةٍ جديدةٍ للحرب بين سوريا وتركيا من جهة، والاحتلال الإسرائيلي على النقل والطرق التجارية، خصوصاً مع تفاقم أزمة الحرب الإيرانية.