- الانتشار العملياتي لكتيبة الاستطلاع 595: تتولى الكتيبة مهمة الجمع الاستخباري التكتيكي والرصد المستمر على مدار الساعة على طول جبهة الجولان وجبل الشيخ ومنطقة جبل دوف، وتُجري تدريباتها ومناوراتها العسكرية بالتزامن مع مهام المراقبة الحية لتحركات الداخل السوري دون انقطاع.
- التمركز الميداني داخل القنيطرة القديمة: تكشف إفادات ضباط الكتيبة عن انتقال قوات الاحتلال من مجرد التموضع الدفاعي خلف السياج الفاصل إلى التوغل والتمركز الدائم داخل مباني ومواقع بلدة القنيطرة القديمة، بهدف تثبيت خط انتشار أمامي يقطع الاتصال الجغرافي مع الأراضي السورية.
- معايير الاستشعار الميكرو-تكتيكية: تعتمد وحدات الرصد الميداني على تتبع أدق المؤشرات التكتيكية غير العسكرية كأدلة اشتباه عملياتي، بما في ذلك رصد تبدل مواضع الحجارة، وتوقف شاحنات النقل الصغيرة على جوانب الطرق لدقائق، واحتساب التفاوت غير المألوف في نسب الرعاة إلى أعداد قطعان الماشية.
- رصد الحركة السكانية والواقع المعيشي: يمتد نطاق الاستطلاع البصري للكتيبة لملاحقة تفاصيل الحياة اليومية في القرى السورية المتاخمة، من بينها مراقبة نوم العائلات على أسطح المنازل في ليالي الصيف، واستخدام هذه المشاهدات الاستخبارية لرصد غياب الكهرباء والخدمات الأساسية في محيط خط الانتشار.
- تقييد حركة وانتشار الشرطة السورية: تفرض القوات الميدانية للاحتلال قواعد اشتباك تمنع دوريات وعناصر الشرطة السورية من الاقتراب من نطاق انتشارها، مع إجراء اتصالات ميدانية مباشرة لضمان بقاء أي نقاط أمنية أو حواجز تنشئها دمشق بعيدة تماماً وخارج مدى التأثير على تحركات الآليات الإسرائيلية.
- الربط العملياتي بين استطلاع الجبهة والضربات في العمق: لا يقتصر دور سرايا الاستطلاع على خط التماس المباشر، بل توجّه الكتيبة قدراتها الرصدية لدعم عمليات نوعية في عمق الجغرافيا السورية، ويشمل ذلك توفير الإسناد الاستخباري لضربات استهدفت منشآت عسكرية مثل مطار أبو الظهور في ريف إدلب لمنع تأسيس بنية جوية سورية ناشئة.
- تجاوز اتفاق 1974 وتحييد الدوريات الدولية: تتحرك الآليات والتشكيلات الإسرائيلية بحرية عملياتية كاملة داخل معبر القنيطرة والمنطقة منزوعة السلاح، متجاهلة بنود اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، بينما تقتصر أنشطة قوة الأمم المتحدة أندوف على دوريات مراقبة محدودة ومهمشة ميدانياً وسط مناطق السيطرة الإسرائيلية.
المقدّمة
نشرت صحيفة معاريف بتاريخ 21 أغسطس تقريراً ميدانياً أُعد خلال جولة سمح بها الجيش الإسرائيلي مع ضباط وعناصر كتيبة الاستطلاع القتالي 595 العاملة في الجولان وجبل الشيخ ومنطقة جبل دوف. لا يمثل التقرير تقييماً استخباراتياً مستقلاً، ولا يقدم تحقيقاً موثّقاً حول وجود خلايا جهادية في الجنوب السوري.
يقدّم هذا التقرير ادعاء وجود جماعات جهادية بصيغة تقريرية شبه جازمة، على الرغم من أن متن التقرير لا يؤسّس وجود بنية تحتية “تحت الرادر” في الجولان كما يبيّن. فلا يذكر التقرير اسماً لتنظيم أو خلية، ولا يحدّد موقعاً أو بنية أو نوعاً من السلاح، ولا يقدّم حادثة حديثة تكشف وجود مشروع جهادي منظم في المنطقة.
يقدم متن المادة شيئاً مختلفاً وقد يكون حتى أكثر أهمية، فهو يكشف كيفية مراقبة جيش الاحتلال للجنوب السوري، والمعايير التي يعتمدها لتصنيف النشاطات المشبوهة، والمساحة التي يفرض عليها سيطرته الميدانية، والطريقة التي ينظر بها إلى محاولات الدولة السورية استعادة حضورها قرب الحدود. كما يربط هذه المهمة المحلية بالتوتّر الأوسع مع تركيا، والضربة الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور في شمال غرب سوريا.
تنبع أهمية التقرير، لذلك، مما يقوله عن السياسة الإسرائيلية أكثر مما يثبته عن التنظيمات الجهادية. أول ما تكشفه الجولة الميدانية هو أن الاحتلال لا يكتفي بمراقبة التهديدات العابرة للحدود، بل يعمل على بناء مجال أمني داخل الأراضي السورية، ويضع حدوداً لانتشار قوات الدولة السورية، ويراقب أي محاولة لإنشاء نقطة ثابتة أو بنية حكومية باعتبارها احتمالاً يستوجب المتابعة وربما المنع.
وتظهر داخل المادة مفارقة واضحة، حيث يؤكّد الضباط الإسرائيليون عدم وجود دبابات أو مدفعية أو تشكيلات مشاة سورية قرب الحدود، ويقولون إن القوات الحكومية بعيدة عن منطقة الفصل، ثم يستخدم التقرير احتمال وجود نشاط غير مرئي لتبرير استمرار الانتشار الإسرائيلي. وهكذا يُعاد تأطير ندرة الأدلة المرئية من عامل تهدئة واستقرار، إلى عامل استنفار وتخويف من وجود تهديد يعمل “تحت الرادار”
أولاً: تقرير مرافق للجيش لا تحقيق مستقل في “التهديد”
أعد آفي أشكنازي (אבי אשכנז) مادته خلال جولة ميدانية مع ضباط وعناصر من كتيبة الاستطلاع القتالي 595، تزامنت مع تمرين نفذّته الكتيبة من دون إيقاف عمليات الجمع والمراقبة على امتداد الجبهة السورية. ويعتمد التقرير بصورة كاملة تقريباً على رواية الرائد “م”، نائبة قائد الكتيبة، والملازم “ع”، نائب قائد إحدى سرايا الاستطلاع.
لا يسمع المشاهد صوتاً سورياً، سواء من الحكومة أو السكان المحليين، ولا يعرض موقفاً من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، رغم مرور التقرير بمعبر القنيطرة ومراقبته حركة جنود الأمم المتحدة. كما لا يستند إلى صور أو وثائق أو أدلة مستقلة تتيح التحقق من الادعاءات المتعلقة بالخلايا المسلحة.
تجعل هذه الخصائص المادة أقرب إلى الصحافة المرافقة للقوات منها إلى المسح الأمني المستقل، فقد حدّد الجيش مكان الجولة، والأشخاص المسموح بمقابلتهم، والمواقع التي يمكن تصويرها، والمعلومات التي يجري الكشف عنها، مما يحول الجولة إلى مصدر لفهم الصورة التي يريد الجيش الإسرائيلي تقديمها عن عملياته وعقيدته في الجنوب السوري، ولا يكفي وحده لإثبات طبيعة التهديدات الموجودة في المنطقة.
تحمل الجولة في الوقت نفسه وظيفة اتصالية، فهي تطمئن الجمهور الإسرائيلي إلى أن الجيش يراقب حتى أصغر التغيّرات، وتبعث برسالة ردع إلى دمشق وأنقرة، وتقدم الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية بوصفه إجراء دفاعياً طبيعياً. ويصبح الصحفي شاهداً على اليقظة الإسرائيلية أكثر من كونه باحثاً في صحة الافتراضات التي تقوم عليها.
ثانياً: المسافة بين ما رُصد وما جرى استنتاجه
يفتتح التقرير بوصف حساسية منظومة المراقبة الإسرائيلية، فقد تكفي ملاحظة حجر تغيّر موضعه، أو مركبة “بيك آب” سورية بقيت في المكان لبضع دقائق، أو قطيع يرافقه عدد غير معتاد من الرعاة، لإثارة انتباه عناصر الكتيبة. ويوضّح أحد الضباط أن ظهور قطيع يضم أربعين رأساً من الأغنام برفقة خمسة رعاة يحمل دلالة تستوجب الفحص، وتضيف ضابطة أخرى أن الوحدات ترصد أحياناً تحرّكات غير مألوفة، ثم يعترف التقرير بأن الجنود لا يعرفون على وجه اليقين من يقف خلفها، وإنما يفترضون احتمال أن يكونوا أفراداً من خلايا تخطط لعمليات أو عناصر حكومية تختبر الوضع الميداني.
توجد هنا أربع درجات مختلفة يدمجها التقرير في سردية واحدة، حيث تبدأ العملية برصد نشاط ميداني حقيقي، ثم تصنيفه كحركة غير اعتيادية، وبعد ذلك تفسيره باعتباره استطلاعاً محتملاً، وصولاً إلى عنوان يؤكد أن “عصابات جهادية” تعمل على ترسيخ وجودها تحت الرادار. فيما لا يقدم النص الأدلة التي تسمح بالانتقال من الدرجة الأولى إلى الأخيرة، فالعدد غير المعتاد من الرعاة قد يكون مؤشّراً يستحق المتابعة من وجهة نظر الاحتلال، ولكن ليس دليلاً على وجود خلية. كما أن مرور مركبات أو تكرار زيارة أشخاص لموقع معين قد يرتبط بنشاط حكومي أو اقتصادي أو مدني، ولا يصبح عملاً عدائياً إلا بعد ربطه بمعلومات أخرى. والنتيجة الأكثر وضوحاً التي يقدّمها التقرير ليست ترسخ العصابات الجهادية، بل غياب انتشار عسكري سوري ثقيل قرب الحدود. حيث يعترف الضباط بعدم وجود مدفعية أو دبابات أو تشكيلات مشاة، ويصفون الحضور السوري بأنه مجموعات شرطة خفيفة تتحرك على متن شاحنات صغيرة، ويقولون إن القوات السورية تنتشر في مناطق بعيدة، ولا تقترب من المجال الذي تسيطر عليه إسرائيل.
ثالثاً: حين تتحول الحياة المدنية إلى مادة للاشتباه
يحمل تعبير “المشهد خادع” دلالة تتجاوز الوصف الصحفي، فالمشهد الهادئ وفق التقرير، ليس دليلاً على غياب التهديد، بل قد يكون غطاء يخفيه. وتصبح كل تفاصيل المكان قابلة للقراءة أمنياً: الحجر، والقطيع، والرعاة، والمركبات، وحركة السكان، والمباني التي تشهد زيارات متكررة. وتعزز هذه النظرة قدرة الجيش على التقاط المؤشرات المبكرة، وهي وظيفة أساسية لوحدات الاستطلاع. غير أنها قد تجعل الاشتباه غير قابل للنفي، فإذا ظهر السلاح كان التهديد واضحاً، وإذا غاب عُدّ ذلك دليلاً على أن التهديد يعمل في الخفاء. وإذا اقتربت قوة حكومية أصبحت محاولة للتمركز، وإذا بقيت بعيدة استُخدم الفراغ الناتج لتبرير استمرار السيطرة الإسرائيلية.
كما يكشف التقرير امتداد المراقبة إلى تفاصيل مدنية لا تحمل بحد ذاتها قيمة عسكرية، فتذكر الضابطة الإسرائيلية أن مئات السوريين يصعدون خلال الصيف إلى أسطح المنازل للنوم بسبب الحر وغياب أجهزة التكييف. تحاول الضابطة تقديم هذه الملاحظة بوصفها دليلاً على هشاشة البنية التحتية السورية، إلا أنها تكشف أيضاً مستوى الرصد الذي تخضع له الحياة اليومية للسكان على الجانب السوري.
يغيب هؤلاء السكان عن المادة كأصحاب أرض وحقوق ومصالح، ويظهرون كعناصر داخل مشهد تراقبه إسرائيل وتفسره، أو كمدنيين يقول الجيش إنه يسعى إلى عدم إلحاق الضرر بهم. ولا يناقش التقرير موقفهم من دخول القوات الإسرائيلية إلى مناطقهم، أو من تحويل المباني السورية إلى مواقع عسكرية، أو من القيود المفروضة على عودة مؤسسات دولتهم.
رابعاً: الدولة السورية بوصفها حلاً للفراغ وتهديداً في الوقت نفسه
يصف التقرير محاولة الحكومة السورية بناء حضورها في المناطق القريبة من الحدود، ويشير إلى ظهور قوات شرطة مسلحة تسعى إلى فرض نظام جديد بعد سقوط الأسد. ثم ينقل عن ضابط إسرائيلي قوله إن هذه القوات تبدو جادة من بعيد، إلا أنها لا تفرض قدراً كبيراً من النظام ولا تقيّد “حرية العمل” الإسرائيلية. وتكشف هذه العبارة المعيار الحقيقي المستخدم في تقييم الحضور السوري، فلا يُقاس نجاح الشرطة فقط بقدرتها على ضبط الجماعات المسلحة أو حماية السكان، بل أيضاً بمقدار تأثيرها في حرية حركة جيش الاحتلال داخل سوريا. ويصبح ضعفها مفيداً للاحتلال لأنه لا يعرقل عملياتها، مع أنه يُستخدم في الوقت نفسه دليلاً على استمرار الخطر الأمني.
يعترف التقرير بأن الحكومة السورية تركّز جهودها في دمشق والمراكز السكانية الكبرى، حيث ترى مركز ثقل الحكم، وأن قدراتها الحالية لا تسمح لها بفرض حضور واسع في جميع المناطق. غير أن جيش الاحتلال يعلن أنه لا يريد لهذه القوات أن تقترب من المنطقة التي يسيطر عليها، وأن اتصالات تجرى معها لضمان بقائها خارجها.
خامساً: تثبيت السيطرة داخل الأرض السورية
تُفيد الرائد “م” أن جيش الاحتلال أسّس وجوده في المنطقة بعد سقوط الأسد، لكي يصنع مجالاً يفصل بين الاحتلال وخصومه ويمنع تمركزهم، وتضيف أن القوات تبني سيطرتها في هذا المجال، ولا تريد حدوث أي اقتراب منه، وأن الجيش سيرد إذا حاول أحد تجاوزه. لا يتحدّث التقرير هنا عن مراقبة الخط الحدودي من الجانب الإسرائيلي فقط، بل عن فرض قواعد حركة داخل الأراضي السورية. وتظهر القنيطرة القديمة في النص باعتبارها جزءاً من المجال العملياتي الإسرائيلي.
تمرّ هذه المعلومات داخل المادة كجزء طبيعي من الجولة، من دون سؤال عن الأساس القانوني لدخول الموقع أو عن علاقته باتفاق فصل القوات لعام 1974. كما لا يميز التقرير بين منطقة الفصل التي يفترض خلوها من النشاط العسكري وبين مناطق الانتشار على جانبيها، ولا يناقش أثر التحركات الإسرائيلية في مهمة الأمم المتحدة. كما يحضر جنود الأمم المتحدة في المشهد أثناء تبديل دورياتهم في معبر القنيطرة، إلا أن المادة تتعامل معهم كجزء من الخلفية البصرية. ويغيب دورهم في مراقبة الالتزام باتفاق فصل القوات، كما تغيب أي إشارة إلى أن الانتشار العسكري داخل المنطقة يطرح مسألة تتجاوز الاحتياجات العملياتية الإسرائيلية.
تساعد هذه اللغة على تطبيع تحول أمني مهم، حيث لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان للاحتلال حقُّ البقاء داخل سورية، بل من يُسمح له بالاقتراب من المجال الذي أعلنت سيطرتها عليه؟ وبذلك ينتقل الوجود الإسرائيلي من إجراء يُفترض أن يكون مؤقتاً واستثنائياً إلى مرجعية تحدد حركة الآخرين داخل أرضهم.
سادساً: اسم “الجولاني” ووظيفة استدعاء الماضي الجهادي
يستخدم التقرير اسم “الجولاني” عند الحديث عن الرئيس أحمد الشرع، ويصف القوات الحكومية بأنها “رجاله”. لا يمثّل اختيار الاسم تفصيلاً لغوياً محايداً، فهو يعيد تثبيت الخلفية الجهادية للرئيس السوري في ذهن القارئ، ويضع الدولة الناشئة في امتداد مباشر لتجربته السابقة. كما يستخدم النص وصف “النظام السوري” بدلاً من الحكومة أو الدولة، ويقدم سوريا بوصفها تجمّعاً من الطوائف والقبائل والمجموعات الإثنية. ويعدد القرى الدرزية في الشمال، والقرى السنية في الوسط، والقبائل البدوية والجماعات الجهادية في الجنوب، ثم يعود إلى القرى الدرزية باتجاه الشرق.
يحاول الكاتب من هذا التقسيم قراءة الجغرافيا السورية باعتبارها مجموعة أحزمة سكانية وأمنية منفصلة، لا مجالاً سيادياً تديره دولة واحدة، ومن داخل هذه النظرة يصبح التدخّل الخارجي أو بناء العلاقات المباشرة مع بعض المكونات أكثر قابلية للتبرير، بينما ينظر إلى إعادة بناء السلطة المركزية باعتبارها عملية “تمركز” قد تهدد الترتيبات الإسرائيلية.
سابعاً: من القنيطرة إلى أبو الظهور واتساع تعريف المجال الأمني
يربط التقرير حالة التأهّب في الجولان بالتوتر الثلاثي بين إسرائيل وسوريا وتركيا، ولا سيما بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور في ريف إدلب. ويستشهد بتصريحات بنيامين نتنياهو عن منع تمركز القوات التركية أو جهات أخرى في سوريا. ويحمل هذا الربط دلالة جغرافية وسياسية مهمة، حيث يقع أبو الظهور في شمال غرب سوريا وبعيداً عن جبهة الجولان، ومع ذلك يُدمج استهدافه في السردية العملياتية لكتيبة تعمل في الجنوب، ويعني ذلك أن مفهوم الوقاية الإسرائيلية لم يعد محصوراً بمنع تسلّل مباشر عبر الحدود، بل يمتد إلى تعطيل ترتيبات عسكرية سوريا-تركية في عمق البلاد. ويقول عناصر الكتيبة إن أهدافهم اليومية تتركز في منطقة الفصل والمجال القريب، وإنهم لا يتعاملون مع دمشق رغم إمكان مشاهدتها، ثم يشيرون إلى عمليات خاصة تتطلب نقل قدراتهم إلى نطاقات أعمق، وتكشف هذه الصياغة عن مهمة مرنة الحدود: يبدأ نطاقها من مراقبة الحجر والقطيع قرب القنيطرة، ويمكن توسيعها عندما تقرر القيادة أن تطوراً في العمق السوري يمس الأمن الإسرائيلي.
تحول هذه العقيدة سوريا بأكملها إلى مجال إنذار مبكر، فلا يقتصر التهديد على قوة تقترب من الجولان، بل يشمل إعادة تأهيل مطار في إدلب، أو تعاوناً عسكرياً مع تركيا، أو محاولة لبناء جيش سوري جديد، وتصبح حرية إسرائيل في تحديد نوع القوة المسموح للدولة السورية بامتلاكها جزءاً من مفهوم حماية الحدود.
ثامناً: أي تهديد يحاول التقرير إثباته؟
يبدأ النص بعصابات جهادية، ثم ينتقل سريعاً إلى مراقبة قوات الشرطة السورية، ومنع اقتراب الحكومة من المنطقة، والتوتر مع تركيا، وضربة أبو الظهور، ولا يظهر التنظيم الجهادي المعلن في العنوان كفاعل محدد في أي جزء من هذه السلسلة.
ومن الواضح أن كاتب التقرير يحاول استخدام التهديد “الجهادي” مظلةً، فهو الأكثر قدرة على توليد القبول الشعبي بالإجراءات الاستثنائية، ثم توضع تحته سياسات تتجاوز مكافحة الخلايا المسلحة. حيث يمنح احتمال وجود جماعات سرية مبرراً للمراقبة الشاملة، والانتشار داخل الأراضي السورية، ومنع القوات الحكومية، والاستعداد لضرب قدرات بعيدة عن الحدود.
تظهر الفجوة بوضوح في خاتمة التقرير، حيث تقول الضابطة الإسرائيلية إن الحكومة السورية لا تزال منشغلة بمشكلاتها الداخلية أكثر من انشغالها بالقوات الموجودة حولها، ويفترض هذا التقدير أن التهديد الحكومي المباشر منخفض في الوقت الراهن، وأن إعادة توصيف الساحة والخصم ما زالت عملية جارية، ومع ذلك اختير للمادة عنوان يحسم وجود تمركز جهادي خفي، بدلاً من عنوان يعكس حالة عدم اليقين التي يقر بها الضباط أنفسهم.
خاتمة
لا يبرهن تقرير “معاريف” على أن مجموعات جهادية تبني تمركزاً منظماً قبالة الجولان، وهو يقدم إشارات ميدانية عامة، وافتراضات حول تحركات غامضة، وذكريات عن محاولات سابقة لتنفيذ هجمات. أما الادعاء الأقوى في العنوان، فيبقى أضعف أجزاء المادة من حيث الأدلة. يكشف التقرير بصورة أوضح بنية السيطرة الإسرائيلية التي تتشكّل في الجنوب السوري، حيث تراقب كتيبة 595 المجال القريب والعمق، وتحدد التحركات غير المألوفة، وتتابع محاولات بناء نقاط حكومية، وتشارك في منع القوات السورية من الاقتراب، كما تتمركز القوات الإسرائيلية داخل مواقع سورية وتتعامل مع وجودها باعتباره حاجزاً يفصلها عن خصوم محتملين.
تجمع السردية بين تهديدات مختلفة من أجل إنتاج مبرّر واحد يحول ملفات وسرديات مترامية، مثل الخلية الجهادية وقوة الشرطة السورية والوجود التركي المحتمل إلى، أشكالٍ متعدّدة من “التمركز” الذي يجب منعه، ولا يعد معيار الخطر مقصوراً على وجود نية وقدرة لتنفيذ هجوم، بل يمتد إلى كل نشاط يمكن أن يقلص حرية العمل الإسرائيلية أو يعيد للدولة السورية حضورها قرب الحدود.
تكمن المفارقة الأساسية في أن الاحتلال الإسرائيلي يحذّر من الفراغ الأمني، ثم يقيّد الجهة السورية القادرة على ملئه، وتنتقد ضعف السلطة الحكومية، ثم يعتبر بناء نقطة شرطة أو بنية ثابتة مؤشراً يستوجب المتابعة، ويؤكّد غياب القوات الثقيلة، ثم يستند إلى احتمال وجود نشاط غير مرئي لتبرير استمرار السيطرة. بهذا المعنى، تكشف المادة عن انتقال العقيدة الإسرائيلية من مراقبة الحدود إلى إدارة المجال الواقع خلفها.
في الختام، نص التقرير لا يثبت أن “المشهد خادع” بقدر ما يوضح أن العدسة الأمنية الإسرائيلية باتت تنظر إلى المشهد كله باعتباره مشبوهاً، ومن خلال هذه العدسة، لا تعود المسألة مقتصرة على منع هجوم محتمل، بل تتحول إلى منح إسرائيل حق تحديد من يتحرك، ومن يتمركز، وأي نوع من الدولة يمكن أن يتشكّل على الجانب السوري من الجولان.





