التهديد الإيراني في خطاب ألما وتسويغ التدخّل الإسرائيلي في سوريا

  • سبب الأهمية: يوظف مركز “ألما” الإسرائيلي حوادث أمنية محدودة وفرضيات غير مثبتة لتسويغ استمرار التدخل العسكري وتوسيع نطاقه في جنوب سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
  • صورة أوسع: يعتمد الخطاب الأمني الإسرائيلي على الربط التعسفي بين ضربات فردية وافترض وجود شبكات عملياتية واسعة لإيران وحزب الله، مع تجاهل التغيرات السياسية والهيكلية في دمشق.
  • تجاهل فاعلية الدولة: يتم اقتطاع العمليات الناجحة للأجهزة الأمنية السورية ضد الخلايا المسلحة وتحويرها لتأكيد التهديد المستمر، بدلاً من اعتبارها دليلاً على قدرة الدولة على ضبط أمنها.
  • تغييب المدنيين والسيادة: تدرج التحركات اليومية للمدنيين العزل ضمن نطاق الخطر العسكري لتبرير استخدام القوة، بالتوازي مع التغاضي عن الخرق الصريح للسيادة السورية واتفاق فض الاشتباك.
  • الخطوة التالية: يتطلب الوضع استراتيجية سورية متكاملة تثبت كفاءة المؤسسات الوطنية وتوثق الانتهاكات الإسرائيلية للتمسك بالانسحاب الكامل وإنهاء الاحتلال وفق القرارات الدولية.

مقدمة

يعرض المقال الذي نشره مركز ألما الإسرائيلي في 11 أكتوبر 2026، بعنوان “إيران ما زالت نشطة في جنوب سوريا: شبكات محلية وتهديد مستمر لإسرائيل“، مجموعة من الحوادث التي تستند إليها كاتبته للحديث عن استمرار نشاط إيران وحزب الله في الجنوب السوري بعد سقوط نظام الأسد، ومن ثم أتبعت الباحثة نفسها مقالاً آخر يمسّ الموضوع نفسه بعنوان “ليس إيران وحزب الله والتنظيمات الفلسطينية فقط التهديد الجهادي العالمي القادم إلى إسرائيل وجيشها من جنوب سوريا ودوافع استهدافهم “. غير أن الإشكالية لا تكمن في الحوادث التي أوردها المقال بحد ذاتها، وإنما في تفسيرها والنتائج التي بنيت عليها، إذ يجري التعامل مع معلومات محدودة، بعضها قائم على افتراضات لم يجر التحقق منها، باعتبارها أدلة على وجود تهديد أمني مستمر يستدعي بقاء القوات الإسرائيلية وتوسيع نطاق تدخّلها، ويظهر هذا التوجه بصورة أوضح عند تناول تحركات السكان قرب المواقع العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، حيث تُقرأ هذه التحركات من منظور التهديد المحتمل لتلك القوات، دون التوقف عند تداعيات وجودها العسكري على حياة السكان أو الأساس القانوني لهذا الوجود.

تنطلق هذه الورقة من مناقشة الكيفية التي يوظف بها المقال المخاوف الأمنية الإسرائيلية لتبرير استمرار التدخل العسكري في سوريا، عبر توسيع دائرة الاشتباه وتغييب دور الدولة السورية والمدنيين. وتكمن المسألة في ضرورة الفصل بين الوقائع المثبتة والاستنتاجات التي تبنيها الكاتبة، خصوصاً عندما تتحول احتمالات وجود نشاط مسلح محدود إلى حجة لتبرير انتشار عسكري داخل أراضي دولة أخرى. وتستند الورقة إلى النقاشات التي سبق أن تناولها مركز سجل حول الخطاب الأمني الإسرائيلي لتفكيك حجج المقال وبيان مدى اتساقها مع الواقع.

التعريف بكاتبة المقال ومركز “ألما”

نشرت دانا بولاك مقاليتها بتاريخ 11 و13 أكتوبر 2026. ولبولاك مساهمات سابقة تناولت الأوضاع في سوريا ولبنان ونشاط حزب الله، وتكتسب معرفة الخلفية البحثية للكاتبة أهمية عند قراءة المقال، الذي يقدم تحلياً أمنياً للأحداث في الجنوب السوري انطلاقاً من المخاوف الإسرائيلية، وليس تحقيقاً مستقلاً في الوقائع التي يستعرضها. كما أن جزءاً من المعلومات الواردة يستند إلى الرواية العسكرية الإسرائيلية، في حين تبني الكاتبة على بعضها استنتاجات تتجاوز ما تؤكده المعلومات المنشورة، وهو تمييز ضروري لفهم طبيعة الحجج التي يقوم عليها المقال وتقييم مدى صحتها. وتتضح هذه المقاربة بصورة أكبر عند النظر إلى طبيعة المؤسسة التي صدر عنها المقال، إذ يعرّف مركز ألما نفسه بأنه مؤسسة بحثية مستقلة وغير ربحية، تركّز على التحديات الأمنية التي تواجه إسرائيل على حدودها الشمالية، وتسعى إلى مخاطبة الجمهور الناطق بالإنكليزية من خلال الأبحاث والإحاطات، وقد أسّسته ساريت زهافي (שרית זהבי)، وهي ضابطة احتياط برتبة مقدّم خدمت 15 عاماً في الجيش الإسرائيلي وتخصّصت في الاستخبارات العسكرية، كما يضم مجلسه الاستشاري شخصيات سبق أن شغلت مواقع عسكرية ورسمية، وتساعد هذه الخلفية على تفسير حضور الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية في المواد التي ينشرها المركز عن سوريا، حيث تُناقش التطورات الميدانية غالباً من زاوية انعكاساتها على أمن الاحتلال وقواته، في مقابل حضور محدود للأسئلة المتعلقة بالسيادة السورية وأمن السكان المحليين، ولا يستدعي نقد هذه المقاربة افتراض وجود توجيه رسمي للمركز من حكومة الاحتلال الإسرائيلية، إذ يكفي النظر في طبيعة الحجج التي يقدمها وطريقة تفسيره للوقائع لتحديد الانحيازات التي تحكم تحليلاته.

ولا تُعد مقالات بولاك الأخيرة حالة منفصلة، فقد تناول مركز سجل في ورقة نشرها بتاريخ 19 مارس 2026 مقالاً سابقاً لها ناقش تقديم إجراءات دمشق لضبط الحدود كمؤشرات على تهديد أمني. وتظهر المقارنة بين المادتين استمرار هذا التوجه في القراءة الإسرائيلية؛ حيث يُقدَّم استعادة الدولة السورية لقدراتها والتحذير من نشاط إيران وحزب الله كبرهان دائم لتسويغ التدخل العسكري.

أولاً: من ضربة في لبنان إلى شبكة مفترضة في سوريا

يستهل مقال مركز ألما حديثه باستعراض الضربة الإسرائيلية التي استهدفت يوسف علي الحسون في 9 أكتوبر 2026 بالبقاع اللبناني. ورغم عدم وضوح نتائج الضربة وغياب المعلومات عن هويته، تمضي الكاتبة في طرح احتمالات تبعيته للوحدة 840 أو الوحدة 4000 في الحرس الثوري، لتجعل من حادثة استهداف فردية مدخلاً لاقتراض وجود شبكة عملياتية واسعة في سوريا دون ادلة كافية.

ويستند هذا الربط إلى إعلان الجيش الإسرائيلي أن الحسون كان يعمل بتوجيه إيراني، وهي اتهامات تتبناها الكاتبة دون أدلة مستقلة. فحتى لو صحت الاتهامات، فإنها لا تكفي وحدها لتحديد الوحدة المسؤولة أو تفسير أسباب وجوده في المنطقة الحدودية، في ظل غياب أي بيانات قابلة للتحقق.

إن إثبات وجود شبكات مسلحة عابرة للحدود يتطلب تقديم معطيات عن التمويل والتسلسل القيادي والاتصالات. وغياب هذه العناصر عن المقال يجعله يعتمد على القياس مع أنماط سابقة فقط، لينتقل من واقعة محددة في لبنان إلى رسم تصور شامل عن خطر داهم انطلاقاً من سوريا، مفتقراً للأسس الإثباتية.

ثانياً: استمرارية الشبكات تحتاج إلى إثبات جديد

يعتمد المقال في إثبات التهديد الحالي على فرضية استمرار عمل شبكات قديمة نشطت خلال حكم النظام السابق. لكن وجود هذه التشكيلات سابقاً لا يعني احتفاظها بقدراتها التمويلية والتنظيمية بعد التغيير السياسي في دمشق وما رافقه من إعادة هيكلة للمؤسسات الأمنية، مما يجعل افتراض استمراريتها مجرد قفزة تحليلية تفتقر للبينة الجديدة.

وكان مركز سجل قد ناقش هذه الإشكالية في ورقة سابقة أشار فيها إلى تحويل الفرضيات الأمنية إلى مبرر دائم للمراقبة والتدخل. كما أظهرت ورقة أخرى للمركز الميل نحو المبالغة في تقييم قدرات حزب الله مقابل التجاهل الممنهج لفاعلية الإجراءات الأمنية السورية على الحدود.

ويتجلى الهوان الإثباتي أيضاً في تناول حادثة مقتل شخصين قرب حضر في 28 يونيو 2026؛ إذ يفترض المقال إرسالهما من قبل إيران أو حزب الله دون تقديم أدلة على التكليف أو التواصل القيادي، معتمداً فقط على مكان قدومهما أو خلفيتهما المذهبية لتأكيد الفرضية.

وعليه، يغيب عن المقال أي تقييم حقيقي لحجم خسائر تلك الشبكات ومدى قدرتها الفعالية على استعادة الاتصال والتمويل، وبدون هذه المعطيات، لا يمكن جزم ما إذا كانت الحوادث المعروضة تعبر عن خطر منظم متنامٍ أم مجرد محاولات فردية معزولة.

ثالثاً: العمليات الأمنية السورية ضد الشبكات المسلحة ودلالاتها المغيّبة في الخطاب الإسرائيلي

في 29 سبتمبر 2026، أعلنت قوى الأمن الداخلي السورية، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، إحباط مخطط لخلية وصفتها بأنها مرتبطة بحزب الله في منطقة حوض اليرموك بدرعا، وأوضح البيان الذي نشرته وكالة سانا السورية أن العملية أسفرت عن اعتقال 3 أشخاص وتفكيك منصات صواريخ كانت الخلية قد جهزتها، مع استمرار التحقيقات تمهيداً لإحالة الموقوفين إلى القضاء، وتكتسب هذه الواقعة أهمية في سياق مناقشة مقال ألما، لأنها تشير إلى وجود نشاط أمني سوري يستهدف شبكات يُشتبه بارتباطها بجهات خارجية، بصرف النظر عن النتائج النهائية للتحقيقات أو مدى ثبوت الاتهامات الموجهة إلى أفراد الخلية.

يتعامل المقال مع حادثة حوض اليرموك كدليل على التهديد المستمر، مستنتجاً أن الخلية كانت تجهز لإطلاق صواريخ نحو إسرائيل، رغم أن بيان سانا لم يحدد الوجهة. هذا التحوير يتجاهل الدلالة الأهم: إن القدرة التشغيلية للأجهزة الأجهزة الأمنية الرسمية هي التي أحبطت المخطط واعتقلت أفراده، مما يعكس فاعلية الدولة السورية في ضبط أمنها.

إن تغييب فاعلية الدولة ومؤسساتها يجعل من أي عملية أمنية ناجحة تُنفذها دمشق حجة إضافية لتثبيت الخطر في الخطاب الإسرائيلي بدل اعتبارها مؤشراً على بسط السيطرة وتفكيك التهديدات، مما يعكس منطقاً ينكر حقيقة المؤسسات الوطنية السورية.

رابعاً: حادثة الحميدية وتغييب المدنيين في القراءة الأمنية الإسرائيلية

يتناول المقال حادثتي منطقة الحميدية (4-5 أكتوبر 2026) بافتراض أن اقتراب الأشخاص من المواقع الإسرائيلية كان لاختبار الاستجابة العسكرية. غير أن المقال يتجاهل البعد الميداني والحقوقي المتمثل في مقتل الشاب محمد أيمن الدبور، الذي أكدت عائلته أنه كان مدنياً أعزل لا صلة له بأي تنظيم.

وتؤكد الإحاطة الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (9 أكتوبر 2026) أن الشاب كان يسير ليلاً في منطقة لا يعرفها ولم يلحظ وجود الموقع العسكري، مشيرة إلى غياب أي تحذيرات قبل إطلاق النار، ومطالبة بتحقيق مستقل في الحادثة.

تكشف هذه الحادثة الانحياز في القراءة الأمنية الإسرائيلية؛ إذ تُجرد المدنيين من حقوقهم وسلامتهم وتضع تحركاتهم اليومية في خانة التهديد المباشر لتبرير القوة المميتة بدلاً من مساءلة الوجود العسكري غير القانوني الذي يخلق نقاط الاحتكاك هذه أساساً.

خامساً: السيادة القانونية والرد السوري المطلوب

تتجاوز خطورة الخطاب الأمني الإسرائيلي التقديرات الاستخباراتية لتصل إلى تبرير الانتهاك المستمر للسيادة السورية. فوفقاً لـ تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن قوة “الأندوف” (10 مارس 2026)، يشكل التواجد العسكري الإسرائيلي خرقاً صريحاً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974 ولمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وخاصة المادتين 2(4) و51، إذ لا يمنح مجرد الاشتباه بالخطر حقاً عسكرياً مفتوحاً داخل أراضي دولة ذات سيادة.

كما أوضحت دراسة لمركز سجل مركز سجل حول تحولات الخطاب الإسرائيلي، فإن المخاوف الأمنية تُستغل لاحتواء السيادة السورية ومنع دمشق من بسط نفوذها الكامل، حتى وإن أثبتت كفاءتها في ملاحقة التنظيمات غير الشرعية.

ويتطلب هذا الوضع استراتيجية سورية متكاملة تثبت فاعلية المؤسسات الأمنية في الميدان وتوثق الخروقات الإسرائيلية وحالات استهداف المدنيين ودعم مهام “الأندوف”، مع التمسك بالانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود ما قبل 8 ديسمبر 2024 لضمان عدم شرعنة الوجود العسكري للاحتلال.

خاتمة

تكشف قراءة مقال مركز ألما عن إشكالية منهجية تقوم على توظيف وقائع متباينة وصنع ربط تعسفي بينها لتأطير الجنوب السوري كمصدر خطر دائم يستدعي التدخل العسكري الإسرائيلي. ورغم نجاح الأجهزة السورية في تفكيك بعض الخلايا وكون الحوادث الأخرى تطال مدنيين عزلاً، يصر المقال على تحويل كل واقعة إلى مبرر لتجاوز سيادة الدولة السورية.

إن تحقيق الاستقرار الحقيقي في الجنوب لا يقاس بمدى قدرة إسرائيل على حماية نقاطها العسكرية غير القانونية داخل سوريا، بل بتمكين الدولة السورية من ممارسة سيادتها الكاملة وحماية مواطنيها وإنهاء الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية وفق القوانين والقرارات الدولية.

ومن هنا، فإن مواجهة التحديات الأمنية في الجنوب السوري لا ينبغي أن تتحول إلى مسألة تقاس بمدى قدرة إسرائيل على حماية مواقعها داخل الأراضي السورية، وإنما بقدرة الدولة السورية على ضبط أمنها ومحاسبة الجهات التي تهدد سكانها، مع ضمان انسحاب القوات الإسرائيلية وإنهاء انتهاكاتها، فاستمرار وجود تهديدات محتملة لا يمنح إسرائيل حقاً دائماً في التدخل، كما أن حماية الأمن لا يمكن أن تقوم على انتهاك سيادة الدولة التي يُفترض أن يتحقق الاستقرار على أراضيها.