مقدمة: نبوءة التدخل الأمني المستمرة
تأتي ورقة الباحثة دانا بولاك المنشورة في 13 مارس 2026 كحلقة جديدة ضمن سلسلة “نبوءة التدخل الأمني” التي ينتهجها مركز “ألما” الإسرائيلي؛ وهي السلسلة التي خضعت للتفكيك الاستراتيجي من خلال مخرجات مركز “سجل” سابقاً من خلال تقرير “نبوءة التدخّل الأمني التي تصرّ على تبرير وجودها” في أكتوبر 2025، وتقرير “ترميم القدرات أم استنزاف الوكلاء؟” في يناير 2026، وتقرير ” أهمية قاعدة التنف العسكرية في سورية” في فبراير 2026.
تبرز هذه المادة في توقيت حساس تزامناً مع اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والاحتلال من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى، حيث يحاول الخطاب الإسرائيلي رصد تحركات حكومة الرئيس الشرع، محولاً ممارسة السيادة الوطنية السورية إلى “تهديدات أمنية” تستوجب الرقابة والردع.
أولاً: القراءة الإسرائيلية لفرص دمشق في ظل الحرب مع إيران
تتناول المادة الصادرة عن مركز “ألما” قراءة تحليلية لكيفية إمكان استفادة دمشق من الحرب الدائرة مع إيران، والتي يصفها المركز بـ”حرب إيران الثانية”، بوصفها فرصة سياسية وأمنية قد تسمح للحكومة السورية الجديدة بإعادة ترتيب بعض الملفات الداخلية والحدودية في ظل الانشغال الإقليمي الواسع. وتنطلق المادة من فرضية أساسية مفادها أن القيادة السورية الحالية، التي تشكلت من قوى معارضة سابقة لنظام الأسد، قد ترى في تراجع نفوذ إيران وحزب الله فرصة مواتية لتصفية إرث النفوذ الذي تراكم خلال سنوات الحرب السورية، سواء على مستوى البنية العسكرية أو شبكات النفوذ غير الرسمية، وذلك بهدف منع هذه القوى من تقويض استقرار السلطة الجديدة أو إعادة تشكيل مراكز نفوذ موازية داخل الدولة.
وفي هذا السياق، تشير المادة إلى ما تعتبره مؤشرات على إعادة تموضع ميداني للقوات السورية في الجنوب، حيث رصدت تحركات للجيش السوري باتجاه السيطرة على عدد من التلال الاستراتيجية في الجولان السوري مثل تل أحمر الشرقي وتل ترنجة وتلول الحمر، وهي مواقع مرتفعة تمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على الرصد والسيطرة النارية، وترى المادة أن هذه التحركات تتم تحت عنوان تعزيز الأمن الداخلي، لكنها قد تمنح دمشق في الوقت نفسه قدرة ميدانية متقدمة لمراقبة شمال فلسطين المحتلة دون الانخراط في مواجهة مباشرة.
كما تتوقف المادة عند ملف الحدود البرية، معتبرة أن الحكومة السورية تعمل على تشديد رقابتها على حدودها الشرقية مع العراق لمنع تسلل المليشيات المرتبطة بإيران أو إعادة تشكل شبكات تهريب السلاح، إضافة إلى مواجهة خلايا داعش، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات على الحدود السورية-اللبنانية للحد من انتقال السلاح والمسلحين عبر المعابر غير الرسمية. وفي سياق متصل، تتطرّق المادة إلى محافظة السويداء، حيث ترى أن دمشق قد تنظر إلى الانشغال الإقليمي بالحرب كنافذة محتملة لإعادة فرض سيادتها الكاملة على المحافظة وإنهاء حالة الاستقلالية الأمنية والسياسية التي شهدتها خلال الفترة الماضية، رغم التحذيرات الإسرائيلية التي صدرت في أكثر من مناسبة بشأن أي تحرك عسكري في تلك المنطقة، وهو ما يقدمه المركز بوصفه أحد الملفات الحساسة التي قد تتأثر بتداعيات الصراع الإقليمي الدائر.
ثانياً: تفكيك البنية الخطابية للتقدير الإسرائيلي تجاه تحركات الدولة السورية
يكشف تفكيك بنية الخطاب في تقرير دانا بولاك عن تكتيكات خطابية تهدف إلى نزع الشرعية عن تحركات الدولة السورية المركزية وإعادة تقديمها ضمن إطار تهديدي في سياق الصراع الإقليمي. ويظهر ذلك في الطريقة التي يجري من خلالها تأطير خطوات دمشق المرتبطة بضبط الحدود أو إعادة الانتشار العسكري داخل الأراضي السورية بوصفها سلوكاً انتهازياً يستغل ظروف الحرب الجارية، بدلاً من النظر إليها باعتبارها إجراءات سيادية طبيعية تسعى الدولة من خلالها إلى استعادة احتكار استخدام القوة وتنظيم المجال الأمني داخل حدودها.
وفي السياق ذاته، يبني الخطاب سردية تقوم على إبراز فكرة الصراع بين المحاور، إذ يركز التقرير على فرضية أن القيادة السورية الجديدة تسعى إلى تصفية حسابات مع إيران وحزب الله، وهي مقاربة تسعى إلى تصوير دمشق وكأنها تتحرك ضمن معادلة إقليمية تستهدف إعادة تشكيل توازنات القوى، مع الإبقاء في الوقت نفسه على خطاب حذر تجاه التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها العاصمة السورية. كما يعتمد التقرير على خطاب تحذيري يقوم على إبراز مواقع جغرافية محددة في الجولان السوري مثل التلال الاستراتيجية المرتفعة، وتقديمها باعتبارها نقاطاً قد تمنح دمشق في المستقبل قدرة على المراقبة أو التأثير العسكري، وهو توصيف يسهم في بناء تصور بوجود تهديد محتمل حتى قبل تحققه، بما يسمح بتبرير أي إجراءات استباقية ضد تحركات الجيش السوري رغم أنها تتم داخل أراضيه السيادية.
وبهذا المعنى، لا يكتفي الخطاب بعرض الوقائع الميدانية، بل يعمل على إعادة تفسيرها ضمن إطار تحليلي يربط بين التحركات السيادية الطبيعية وبين احتمالات تهديد أمني مستقبلي، الأمر الذي يمنح هذا النوع من الخطاب بعداً سياسياً يتجاوز مجرد الوصف الميداني.
ثالثاً: ملاحظات نقدية على فرضيات تقرير مركز “ألما” حول سورية
بناءً على المعطيات التي شهدتها سوريا في مرحلة ما بعد عام 2025، يتبين أن السردية التي يقدمها تقرير مركز “ألما” تفتقر إلى التماسك التحليلي، إذ تكشف قراءة الوقائع الفعلية أن ما يقدمه التقرير بوصفه “نافذة فرص” ليس سوى مسار سياسي وأمني بدأ يتبلور مع صعود السلطة الجديدة في دمشق، ويقوم على إعادة بناء مركزية الدولة وإنهاء مرحلة الفاعلين المسلحين خارج المؤسسات الرسمية. وفي هذا الإطار، فإن الخطوات المرتبطة باستعادة السيطرة على التلال الحدودية أو إعادة تنظيم الوضع في محافظة السويداء لا يمكن فهمها باعتبارها استغلالاً ظرفياً للحرب الإقليمية، بل تأتي ضمن سياق أوسع يهدف إلى توحيد الجغرافيا الوطنية وإعادة دمج الأطراف ضمن بنية الدولة المركزية.
كما يكشف تحليل الخطاب الوارد في التقرير عن قلق واضح من احتمال تراجع دور القوى المسلحة غير النظامية التي شكلت خلال سنوات الصراع عناصر توازن غير مباشر في البيئة الحدودية، إذ يخشى التقرير من بروز جيش سوري وطني أكثر تماسكاً وانتشاراً على خطوط التماس في الجولان، وهو ما ينهي مرحلة طويلة استفادت فيها إسرائيل من حالة التفكك الأمني ووجود قوى محلية متعددة لعبت دور حواجز غير رسمية بين الدولة السورية والحدود المحتلة.
وفي الوقت ذاته، يظهر تناقض واضح في منطق التقرير، فهو من جهة يلمح إلى إمكانية تقاطع المصالح بين دمشق وبعض القوى الإقليمية في مواجهة النفوذ الإيراني، لكنه من جهة أخرى يعبر عن مخاوف متزايدة من أي تحرك عسكري سوري داخل مناطقه السيادية في الجنوب، الأمر الذي يكشف أن مصدر القلق الحقيقي لا يقتصر على موازين القوى الإقليمية، بل يرتبط أساساً باحتمال عودة الدولة السورية بوصفها فاعلاً مركزياً يمتلك قراراً سيادياً مستقلاً.
وبذلك يمكن فهم التقرير باعتباره تعبيراً عن حالة قلق متنامية من تعافي الدولة السورية على المستويين المؤسسي والعسكري، حيث يجري تصوير خطوات إعادة بناء مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على أراضيها باعتبارها تهديداً أمنياً محتملاً، في حين أن هذه التحولات تعكس في جوهرها مساراً يسعى إلى إنهاء مرحلة ارتهان الجغرافيا السورية لصراعات المحاور الإقليمية وإعادة تثبيت مفهوم السيادة الوطنية الشاملة.





