أهمية قاعدة التنف العسكرية في سورية: قراءة تحليلية في خطاب مركز ألما الإسرائيلي

مقدمة: نبوءة التدخل الأمني المستمرة

لا تأتي ورقة “أهمية قاعدة التنف” بمعزل عن المسار البحثي الموجه الذي ينتهجه مركز ألما، فهي المادة الثالثة التي يتم إخضاعها للتفكيك بعد مادتين استراتيجيتين اعتمدتا المنطق الاستخباري ذاته لشرعنة التدخل الأمني، حيث كانت المادة الأولى هي دراسة “البنية الإرهابية المحتملة لإيران وحزب الله في الجنوب السوري” المنشورة في 15 أكتوبر 2025، والثانية تقرير “جهود استعادة أسلحة حزب الله في سورية” المنشور في يناير 2026. وتبرز أوجه الشبه بين هذه المواد الثلاث فيما يمكن تسميته بـ “نبوءة التدخّل الأمني”، حيث يصر مركز ألما على اتباع نهج الاستقراء الأمني بدلاً من المعاينة الميدانية، محولاً الاحتمالات الاستخبارية إلى مبررات لوجود عسكري دائم عبر ثلاث سمات بنيوية تتمثل في تأطير الخطر الكامن بادعاء وجود بنى تحتية خامدة أو جهود ترميم بدائية لتبرير بقاء القواعد الأجنبية، وتقويض السيادة المركزية بتصوير الحدود السورية كأماكن غير خاضعة لسيطرة حكومة دمشق المركزية وتجاهل قدرة نظام الشرع الجديد على ضبط جغرافيا البلاد.

أولاً: ملخّص المادة

تتناول الورقة البحثية الصادرة عن مركز ألما بتاريخ 15 فبراير 2026 التداعيات الاستراتيجية للتقارير التي تتحدث عن انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة “التنف” العسكرية في سورية. وتوضّح المادة أن الهدف الأصلي للقاعدة كان العمل ضد تنظيم داعش في المنطقة الحدودية بين سورية والعراق والأردن، إلا أن دورها المحوري تطور مع تأسيس البنية التحتية للممر البري الإيراني عام 2017. وتؤكد المادة أن موقع القاعدة على طول الطريق السريع (Highway 2M) والمنطقة الأمنية المحيطة بها ساهم في تعطيل خطوط الإمداد الإيرانية، حيث منع استخدام الطريق القصير عبر الممر البري نحو جنوب سورية ولبنان. كما تعيد وتكرر الورقة نفس السرديات السابقة التي نشرتها، وهي ادعاء أن التهديد الإيراني لم يختف بزوال نظام الأسد، بل يزعم المركز أن الإيرانيين يواصلون محاولاتهم لزعزعة استقرار المنطقة وإعادة بناء بنيتهم التحتية مع حزب الله، مستفيدين من قصر المسافة (250 كم) بين العراق وجنوب سورية. وتخلص الورقة إلى أن القاعدة، رغم صغر حجمها بوجود 200 جندي أمريكي فقط، كانت تمتلك قيمة استراتيجية هائلة في توفير الاستخبارات والمراقبة والرد السريع، وأن التخلي عنها سيضر بالأمن القومي الأمريكي والإسرائيلي وبمصالح “نظام أحمد الشرع” الجديد في دمشق.

ثانياً: تحليل خطاب ورقة مركز ألما

يكشف خطاب مركز ألما في ورقة “أهمية القاعدة الأمريكية في التنف” المنشورة في 15 فبراير 2026 عن محاولة دقيقة لتثبيت شرعية الوجود العسكري الأجنبي عبر تحويل الجغرافيا السورية إلى “أدوات ضبط” إقليمية تتجاوز مفهوم السيادة الوطنية. يعتمد الخطاب على “أدلجة” الموقع الجغرافي للقاعدة، حيث ينتقل من تبرير الوجود بذريعة مكافحة الإرهاب إلى تأطيرها كمرتكز حصري لتعطيل “الممر البري الإيراني”، وهو تكتيك يهدف لانتزاع صفة “المؤقت” عن القاعدة وتحويلها إلى بنية أمنية دائمة. كما يبرز في تحليل الخطاب استخدام لغة “الاستمرارية القسرية”، حيث يزعم أن التهديد الإيراني “لم يختفِ بسقوط نظام الأسد” بل “يسعى لإعادة البناء”، وهذا المصطلح (إعادة البناء) يمثّل جوهر سردية ألما التي تحوّل أي فراغ سياسي أو تحول نظامي إلى مبرّر إضافي لتكثيف الرقابة الأمنية. ومن أكثر النقاط دقة في الخطاب هو محاولة بناء “تقاطع مصالح زائف” بادعاء أن بقاء القاعدة يخدم “نظام الشرع الجديد”؛ وهو تكتيك استراتيجي يهدف لتصوير حكومة دمشق المركزية كفاعل قاصر يحتاج لوصاية أمنية أمريكية-إسرائيلية لضبط حدوده الشرقية، مما يفرغ مفهوم “السيادة الوطنية” من محتواه الفعلي ويجعل استقرار المركز رهينة لبقاء “الأطراف” تحت السيطرة الأجنبية.

ثالثاً: ملاحظات نقدية (نسف الفرضيات)

يمكن دحض السردية التي يقدمها مركز ألما عبر نقطتين جوهريتين، تتمثّل الأولى في تجاهل “واقع السيادة الناشئ”، حيث يصور المركز القاعدة كضامن وحيد للأمن، متجاهلاً أن استقرار سورية عام 2026 ومكافحة التمدد المليشياوي مرتبطان بقدرة حكومة دمشق المركزية على بسط سيادتها المؤسساتية. إن نجاح نظام الشرع في تنفيذ اتفاقات دمج القوات واستعادة السيطرة على المعابر والموارد النفطية يثبت أن “مركز الحكم الجديد” في سورية بات هو الفاعل الحقيقي في ضبط الحدود وليس القواعد المعزولة. أما النقطة الثانية فهي تهافت فرضية “البنية التحتية الإرهابية الكامنة”، إذ يعتمد ألما على سردية احتمالية تفتقر للوقائع الميدانية بعد عام 2025، مما يجعل الخطاب أقرب إلى “نبوءة استخباراتية” تهدف للحفاظ على زخم التدخل الإسرائيلي وتبرير استمرار استراتيجية “المعركة بين الحروب” (Mabam) عبر اختلاق تهديدات في مناطق تقع ضمن السيادة الكاملة للدولة السورية الجديدة.

بالمحصلة، لا يمكن قراءة مادة مركز ألما حول قاعدة التنف بوصفها مجرد تحليل أمني تقني يتعلق بقاعدة عسكرية محدودة العدد والانتشار، بل باعتبارها نصاً يعكس تحوّلاً أعمق في مقاربة الأمن الإقليمي كما تراه المؤسّسة الإسرائيلية. فالقلق الذي يتبدّى في ثنايا الخطاب لا يرتبط حصرياً بخطر عسكري مباشر، بل بفقدان “نقطة ارتكاز” استخباراتية كانت تمثل عيناً متقدمة داخل الجغرافيا السورية، تمكن من مراقبة التحوّلات الميدانية، وتعطيل أي مسارات إقليمية لا تنسجم مع التصور الإسرائيلي لمعادلات الردع. من هنا، تتحول القاعدة في خطاب ألما من أداة ظرفية لمكافحة تنظيم داعش إلى ركيزة بنيوية في هندسة المجال الحدودي السوري-العراقي، بما يمنع اكتمال التشبيك الجغرافي والسيادي للدولة السورية الجديدة.

إن الإصرار على ربط بقاء القاعدة بالأمن القومي الأمريكي والإسرائيلي، بل وبـ”مصلحة” الحكومة السورية، يكشف عن محاولة لإعادة تعريف مفهوم السيادة ضمن إطار وظيفي مشروط، حيث تصبح الدولة مقبولة دولياً بقدر ما تسمح باستمرار أدوات الضبط الخارجية داخل أراضيها. وبهذا المعنى، فإن خطاب ألما لا يناقش فقط أهمية موقع التنف، بل يسعى إلى تكريس نموذج أمني يرى في الحدود السورية فضاءً مفتوحاً لإدارة التوازنات الإقليمية من الخارج، لا مجالاً خاضعاً لقرار سيادي مركزي.

وعليه، فإن أهمية قاعدة التنف، كما تُطرح في خطاب مركز ألما، لا تنبع من حجمها العسكري أو عدد جنودها، بل من رمزيتها بوصفها أداة لتعليق اكتمال السيادة السورية على أحد أهم مفاصلها الاستراتيجية. ومن هنا يتناغم تفكيك هذه السردية مع جوهر هذه الورقة، التي ترى أن معركة ما بعد عام 2025 لم تعد معركة قواعد عسكرية معزولة، بل معركة تعريف السيادة وحدودها، ومن يمتلك حق إدارة المجال الجغرافي السوري: الدولة المركزية، أم منظومات المراقبة الخارجية التي تسعى إلى تثبيت حضورها تحت لافتة “الضرورة الأمنية المستمرة”.