مقدمة
يشكّل الانهيار المتسارع لمنظومة الإدارة الذاتية وقسد في شمال شرق سوريا، بالتوازي مع صعود حكومة مركزية في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع، “صدمة استراتيجية” مركّبة لصانع القرار في دولة الاحتلال الإسرائيلي. لهذه الصدمة صدى تجاوز مجرد سقوط نظام بشار الأسد يومَ 8 ديسمبر 2024، حتى ملامسته جوهر العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي استندت لعقود على ركيزتين: “الشيطان المألوف” في دمشق، و“المصدات الوظيفية” (الأقليات) في الأطراف.
تسعى هذه الورقة إلى تقديم تحليلٍ سياسي وأمني لتداعيات التصعيد العسكري المتسارع في شمال شرق سوريا على الاحتلال. وتحاجج الورقة إلى أن الاحتلال أصبح أمام معضلة جيوسياسية غير مسبوقة. فمن جهة، تلاشت قسد كفاعل عسكري وازن وكحليف ضمني كان يُعوّل عليه لقطع التواصل الجغرافي بين طهران ودمشق، ومن جهة أخرى، يتبلور في دمشق نظام “سني مركزي” يحظى بشرعية شعبية، ويمتلك أدوات دولة (نفط، جيش موحد، دعم إقليمي)، وهو ما تعتبره المؤسسة الأمنية للاحتلال تهديداً كامناً يفوق في خطورته التهديد الإيراني المتهالك.
يركّز هذا التقرير الموسع على تفكيك الموقف الإسرائيلي الراهن، ليس فقط من زاوية ردود الفعل والتصريحات حول ما يحدث في شمال شرق سوريا، بل من خلال ربط هذه التحركات بالمسار الدبلوماسي المعقّد الذي يجري في باريس (مفاوضات الترتيبات الأمنية). نسعى هنا لفهم كيف تحاول تل أبيب استخدام “القوة الخشنة” في الجنوب السوري، و”القوة الناعمة” مع الأقليات، كورقات ضغط لفرض شروطها في الغرف المغلقة بباريس، وسط بيئة إقليمية متحولة تتسم بصعود النفوذ التركي وتراجع النفوذ الإيراني.
أولاً: تفكيك مشهد انهيار قسد – التداعيات الأمنية على إسرائيل
لفهم الموقف الإسرائيلي، يجب أولاً تشريح الكيفية التي انهارت بها قسد والسرعة القياسية التي تم بها تسليم مفاصل القوة لحكومة أحمد الشرع، وكيف قرأت تل أبيب هذا التحول. واجهت قسد معادلة صفرية عقب سقوط الأسد، فالغطاء الأمريكي بات هشاً مع عودة إدارة ترامب المحتملة وسياسات الانكفاء، والتهديد التركي باجتياح شامل أصبح وشيكاً. في المقابل، عرضت حكومة الشرع “اتفاق اندماج كامل وفوري”، تتضمن 14 بند، ومنها الاندماج في الجيش والمؤسسات الأمنية. بالنسبة للاحتلال، وعلى الرغم مما واجهه هذا المقترح من عوائق كانت هذه الصفقة “كارثية” لعدة أسباب:
1. توحيد الجغرافيا العسكرية: انتقال قوات قسد لتصبح جزءاً من وزارة الدفاع السورية الجديدة يعني أن الجيش السوري، لأول مرة منذ 2011، يسيطر على كامل الحدود الشرقية والشمالية، مما يعقّد الحسابات الإسرائيلية التي كانت تعتمد على “الثقوب السوداء” في الجغرافيا السورية.
2. خسارة العيون الاستخباراتية: كانتمناطق سيطرة قسد توفر للاحتلال هامشاً للمناورة الاستخباراتية ومراقبة التحركات الإيرانية عبر الحدود العراقية. عودة هذه المناطق لسيادة دمشق تعني “إعماء” جزئي للقدرات الإسرائيلية.
لعل الأخطر إسرائيلياً هو انتقال السيطرة على حقول النفط والغاز (العمر، التنك، كونيكو) من إدارة قسد إلى حكومة الشرع. حيث يفضّل الاحتلال بقاء هذه الموارد بيد فاعل ما دون الدولة (Non-state actor) يعتمد على الدعم الخارجي، بدلاً من عودتها لمركز الدولة. تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن عوائد النفط ستمكّن الحكومة السورية من:
- تمويل عملية إعادة بناء الجيش بسرعة دون الاعتماد الكامل على المساعدات الخارجية المشروطة.
- تثبيت الاستقرار الاقتصادي والخدمي، مما يمنح الحكومة شرعية شعبية واسعة تجعل من الصعب على الغرب أو الاحتلال العمل على زعزعتها.
ثانياً: التحول من “احتواء الفوضى” إلى “مواجهة الدولة”
لقد انتقل الاحتلال من استراتيجية “المعركة بين الحروب” (Mabam)، التي صممت لمواجهة التموضع العسكري الإيراني داخل دولة ضعيفة (سوريا الأسد)، إلى استراتيجية “الإجهاض المسبق” لقدرات دولة ناشئة (سوريا الشرع). فالاحتلال الإسرائيلي يدرك أن سيطرة حكومة الشرع على مقدرات قسد الاقتصادية (حقول النفط) والبشرية، تعني ولادة دولة سورية قادرة على الاستقلال عن التبعية لإيران، ولكنها قد تتحول إلى “قلعة سنية” معادية لإسرائيل، مدعومة من محور “تركيا-قطر-الإخوان”.
لم يكن انهيار قسد وتسليمها لمناطق نفوذها في دير الزور والرقة وريف حلب لحكومة الشرع مجرد حدث ميداني، بل هو انهيار لرهان إسرائيلي طويل الأمد على “فدرلة” سوريا. كانت تل أبيب ترى في الكيان الكردي “حاجزاً” جغرافياً وسياسياً يمنع وحدة الأراضي السورية، وهو أمر لا تحبّذه، ويعطّل المشاريع التركية والإيرانية على حد سواء، ومع انصهار قسد في هياكل الدولة الجديدة إن تم، فقد يفقد الاحتلال ورقة “الأقليات” الأهم في الشمال، مما قد يدفعها للتركيز بشكل جنوني وأوضح على ورقة “الأقليات” في الجنوب (الدروز).
ثالثاً: ردود الفعل الإسرائيلية – الغضب والشعور بالخديعة
عكس الخطاب السياسي الإسرائيلي حالة من الإحباط الشديد تجاه الانهيار الكردي. تصريحات وزراء مثل عميحاي شكلي، الذي هاجم تركيا واتهمها بـ “التطهير العرقي” ودعا لدعم استقلال الأكراد كانت تعبيراً عن “قلق جيوسياسي”، أكثر منها ربما تعاطفاً مع قضية أخلاقية أو إنسانية. فيدرك الاحتلال أن تركيا وحكومة الشرع نجحتا في تفكيك “اللغم الكردي” الذي كانت تراهن عليه تل أبيب لتفجير وحدة سوريا مستقبلاً.
تابع الاحتلال هذه الأحداث عن كثب، نظراً لاعتبارها الأكراد حليفاً غير معلن وصمام توازن استراتيجي في سوريا. وعلى عكس تدخلاتها السابقة المحدودة في الشأن السوري، تحلّى هذا الاحتلال هذه المرة بضبط النفس ولم تتدخّل عسكرياً لنجدة قسد، بل اكتفت برد فعل سياسي وإعلامي. ففي الوقت الذي كانت قوات الشرع تحقق مكاسب ميدانية، أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية تصريحات تدين الإجراءات السورية ضد الأكراد. غدعون ساعر وزير الخارجية كتب على منصة إكس بتاريخ 8 يناير 2026: “إن هجمات قوات النظام السوري على الأقلية الكردية في مدينة حلب خطيرة للغاية”. وأضاف أن المجتمع الدولي مدين للأكراد بفضل دورهم الحاسم في دحر تنظيم داعش، محذراً من أن صمت العالم سيؤدي إلى تصعيد اضطهاد الأقليات في سوريا. وأكد ساعر أن القمع المنهجي والوحشي للأقليات يتناقض مع وعود النظام الجديد ببناء “سوريا جديدة”، داعياً إلى حماية الأكراد وضمان أمنهم ضمن أي تسوية قادمة.
إلى جانب وزارة الخارجية، صدرت تعليقات من مسؤولين إسرائيليين آخرين تعكس القلق والغضب. عميحاي شيكلي، وزير شؤون الشتات في حكومة الاحتلال، هاجم عبر حسابه في منصة X تحركات جماعة هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني (التي شاركت في القتال ضد قسد). ووصف شيكلي تلك الجماعة بأنها عصابة من القتلة المغتصبين، وزعم أن هدفها الرئيسي هو تحرير سجناء داعش والقاعدة من سجون الرقة. وسخر الوزير الإسرائيلي من اعتقاد البعض بوجود فرق بين تنظيم داعش وجماعة الجولاني، قائلاً إنهما وجهان لعملة واحدة. تعكس هذه التصريحات تخوّف الاحتلال الإسرائيلي من تصاعد نفوذ الجماعات الجهادية في سوريا تحت مظلة الفوضى الحالية، لا سيما وأن الشرع نفسه وُصف في الإعلام العبري بأنه قيادي جهادي سابق في القاعدة تسلّم زمام الحكم في دمشق.
من جهة أخرى، ورغم اللهجة الحادة لبعض التصريحات، تجنّب الاحتلال أي التزامات عسكرية مباشرة تجاه الأكراد. وقد أوضح معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن إسرائيل اختارت ضبط النفس وتجنب الانخراط عسكرياً في هذه الجولة، خاصة بعد عودة قنوات الاتصال التفاوضية بينها وبين دمشق مؤخراً. اقتصر الدعم الإسرائيلي العلني على التأييد السياسي والإعلامي للأكراد، بهدف عدم استفزاز النظام السوري أو الاصطدام مع الولايات المتحدة التي أبدت دعماً ضمنياً لتحركات الشرع. مع ذلك، يوصي باحثو المعهد بأن تستغل إسرائيل قنوات الاتصال مع كل من دمشق وواشنطن لطرح توقعاتها حول ضمان سلامة الأكراد وإدماجهم في المؤسسات الأمنية والمدنية للدولة، الأمر الذي يمكن أن يساهم في استقرار سوريا وتوازن تركيبتها الداخلية بما يخدم المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية.
ردود فعل الإعلام والمحللين الإسرائيليين
عكست وسائل الإعلام العبرية ومحلّلوها طيفاً واسعاً من المشاعر إزاء التطورات الأخيرة، تراوحت بين الصدمة والتحسّر والخشية على المصالح الإسرائيلية. فيما يلي أبرز التفاعلات:
مدوّنة “أبو علي إكسبريس” الإسرائيلية (تحليل غير رسمي): علّقت على الاتفاق بين دمشق وقسد بأنه خيار اضطراري للأكراد. وأشارت إلى أن القيادة الكردية لم يكن أمامها بديل سوى القبول بشروط دمشق بعد أن خسرت أوراقها الاستراتيجية. سمح الاتفاق للأكراد بالاحتفاظ بهامش ضيق من الإدارة الذاتية في محافظة الحسكة فقط، مقابل تخليهم عن مناطق الرقة ودير الزور وأجزاء من حلب. واعتبر التحليل أن الوضع الجديد وضع الأكراد “في حال أسوأ بكثير”، حيث باتوا تحت رحمة نزوات النظام السوري الذي لا يعتبرهم مواطنين متساوين بالحقوق.
الباحث والمعلق الإسرائيلي جاي بخور (صاحب صفحة Gplanet): سخر من أداء المقاتلين الأكراد ووصف استسلامهم السريع بأنه دليل على غياب استحقاقهم للاستقلال. وقال بخور إن المقاتلين الدروز (في إشارة إلى دروز السويداء الذين تحصنوا سابقاً) صُدموا من ضعف المقاتلين الأكراد الذين استسلموا دون قتال. وأضاف: “من لا يقاتل لا يستحق الاستقلال. هذا حال الأكراد منذ أكثر من 100 عام: ضعف وانقسام واستسلام دائم. لذلك لم نحرص يوماً على التقرب منهم لأنهم مهزومون”. تعكس هذه الكلمات نظرة ازدراء لدى بعض النخب الإسرائيلية تجاه الحركة القومية الكردية، وتبرّر ضمنياً فتور دعم إسرائيل التاريخي للأكراد بسبب إخفاقاتهم المتكررة.
صحيفة معاريف (تقرير إيلي ليون): جاءت تغطيتها أكثر صراحة في ربط التطورات بالمصالح الإسرائيلية المباشرة. إذ عنونت معاريف خبرها بوصف ما جرى بأنه “صفعة قوية لإسرائيل: الجولاني يتغلّب على قوات الوكيل”. التقرير اعتبر نجاح حكومة الشرع في التغلب على قوات قسد (التي وُصفت بأنها قوات بروكسي مدعومة غربياً) انتكاسة لإسرائيل، كونه أتاح لدمشق السيطرة على أكبر حقول النفط والغاز في شرق سوريا. ويخشى الكاتب أن تعميق الشرخ بين النظام السوري والأكراد نتيجة هذه المعركة سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي على نحو يضر بأمن إسرائيل. فإسرائيل كانت تعوّل ضمنياً على بقاء كيان كردي شبه مستقل كحاجز يحدّ من تمدد القوى المعادية (سواء النظام السوري الجديد أو داعميه).
صحف عبرية أخرى (يديعوت أحرونوت، جيروزاليم بوست، هآرتس، يديعوت): صاغت التطورات بنبرة تحذيرية، مسلّطة الضوء على ماضي أحمد الشرع المتشدد. فقد ذكّرت بأن الشرع كان عنصراً سابقاً في تنظيم القاعدة، وأبدت تخوفاً من اضطهاد الأقليات تحت حكمه. ونقلت بعض هذه الصحف مناشدة القيادي في وحدات حماية الشعب الكردية سيبان حمو لإسرائيل بالتدخّل لصالح الأكراد. وفي التفاصيل، صرّح حمو لوكالة رويترز بأنهم «يأملون تدخل إسرائيل لصالح الأكراد في سوريا»، معتبراً إسرائيل دولة قوية في المنطقة ولها تجربة في حماية أقليات أخرى. وعند سؤاله إن كان يقصد موقف إسرائيل حيال الأقلية الدرزية في الصيف الماضي، حين شنّت غارات جوية على مواقع للنظام لمنع اقتحام مدن درزية، أجاب حمو «طبعاً» مؤكّداً رغبته في موقف مشابه تجاه الأكراد. هذه المناشدة العلنية غير المسبوقة تسلط الضوء على اليأس الكردي بعد تخلي الحلفاء الدوليين، وعلى السمعة التي اكتسبتها إسرائيل لدى بعض الأقليات السورية بأنها ملاذ أخير يمكن أن يتدخل عسكرياً لحمايتهم (كما حصل مع الدروز في السويداء خلال مواجهات سابقة). الجدير بالذكر أن الإعلام الإسرائيلي تناول هذه التصريحات بحذر، فبينما أيّد البعض ضمنياً نجدتهم، حذّر آخرون من التورط في مستنقع الحرب السورية بشكل مباشر.
رابعاً: عقيدة “الشرع”: التهديد الجديد في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي
إذا كان انهيار قسد يمثل خسارة ورقة، فإن صعود أحمد الشرع (الجولاني) يمثل ظهور “تهديد مركب”. تحاول مراكز الأبحاث الإسرائيلية (INSS, JISS) تشكيل سردية جديدة حول “سوريا الشرع”، تنتقل من الخوف من “الهلال الشيعي” إلى التحذير من “الجدار السني”.
تواجه الاستخبارات الإسرائيلية معضلة في تصنيف الشرع. فبينما يحمل تاريخاً جهادياً (النصرة/القاعدة)، فإنه يمارس سياسة “الدولة البراغماتية” بامتياز. ترى الاحتلال في اعتدال الشرع،وخطابه التصالحي تجاه الأقليات، وتعاونه مع الغرب، “تكتيكاً” (Hudna) وليس تحولاً استراتيجياً. وتعتقد أن عقيدته الجهادية الكامنة ستظهر بمجرد تمكنه من مفاصل الدولة وامتلاكه للقوة. على عكس الأسد الذي كان يعتمد على أقلية ويحتاج لحماية خارجية، يستند الشرع إلى أغلبية سنية.هذا يعني أن أي صراع مستقبلي مع إسرائيل سيكون “صراعاً شعبياً” ذا بعد ديني عميق، وهو ما تخشاه إسرائيل أكثر من صراع الأنظمة.
كما يسود قلق في الأوساط اليمينية الإسرائيلية (نتنياهو، ساعر) من أن تتحول سوريا تحت حكم الشرع إلى نسخة عملاقة من “حماس” في غزة، ولكن بمساحة وقدرات أكبر بكثير. الخشية هي أن يتبنى الشرع نموذج “أردوغان” في دعم حركات الإسلام السياسي، مما يوفر عمقاً استراتيجياً للحركات الفلسطينية، حتى لو أبدى عداءً لإيران.
خاتمة
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن التحوّل الذي فرضه انهيار منظومة قسد في شمال شرق سورية وصعود حكومة مركزية قوية في دمشق لا يمثّل مجرد تبدّل في موازين القوى داخل الساحة السورية، بل يشكّل إعادة صياغة جذرية لمعادلة التهديد في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. فقد وجدت تل أبيب نفسها، وللمرة الأولى منذ عام 2011، أمام مشهد لا تقوم فيه سوريا على التفكك والفوضى، ولا تُدار عبر شبكات وكلاء متنازعين، بل تتجه نحو إعادة بناء الدولة بوصفها فاعلاً موحداً يمتلك الجغرافيا والموارد والشرعية السياسية والاجتماعية. هذا التحول ينهي عملياً مرحلة “إدارة المخاطر عبر التفكك”، ويدفع الاحتلال إلى مواجهة سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن التعامل مع دولة سورية جديدة لا تدور في الفلك الإيراني، لكنها في الوقت ذاته لا تنسجم مع المنظومة الأمنية الإسرائيلية؟
يكشف التقرير أن الاحتلال لم يخسر قسد بوصفها حليفاً ميدانياً فحسب، بل خسرت نموذجاً كاملاً لإدارة سوريا عبر الأطراف والهويات الفرعية. لقد كان الرهان الإسرائيلي طويل الأمد قائماً على إدامة التعددية المسلحة والفجوات الجغرافية باعتبارها آلية لضمان استنزاف الدولة السورية ومنع تشكّل مركز سياسي وعسكري فاعل. ومع اندماج قسد في هياكل الدولة، وانتقال الموارد الاقتصادية الحيوية إلى يد الحكومة المركزية، يصبح هذا الرهان غير قابل للاستمرار، ما يفرض على تل أبيب الانتقال من استراتيجية “احتواء الفوضى” إلى استراتيجية أكثر كلفة وتعقيداً عنوانها “مواجهة الدولة”.
في هذا السياق، لا يبدو أن الحذر الإسرائيلي الراهن نابع من ضعف أو تردد، بقدر ما يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة المرحلة الانتقالية. فالاحتلال يدرك أن أي انخراط عسكري مباشر أو تصعيد غير محسوب قد يسرّع في بلورة هوية عدائية للدولة السورية الجديدة، ويمنحها سردية تعبئة وطنية وشعبية يصعب احتواؤها لاحقاً. لذلك، فضّلت تل أبيب توظيف أدوات أقل صخباً: ضغط دبلوماسي، رسائل إعلامية، تفاهمات أمنية محدودة، وإعادة تموضع استراتيجي في الجنوب، مع الإبقاء على التفوق الاستخباري كضمانة أخيرة.
في المقابل، يظهر أن “عقيدة الرئيس الشرع” باتت تشكّل بؤرة القلق الأساسية في التفكير الإسرائيلي، ليس بسبب ماضيها الجهادي فحسب، بل لأنها تمثّل نموذجاً هجيناً يجمع بين البراغماتية السياسية والشرعية الشعبية، وبين خطاب الدولة وأدوات التعبئة الدينية. هذا النموذج، من وجهة النظر الإسرائيلية، أكثر إرباكاً من النظام السابق، لأنه لا يقوم على عزلة دولية أو ارتهان خارجي، بل يسعى إلى التموضع كدولة طبيعية ذات علاقات إقليمية ودولية متوازنة. ومن هنا، تنتقل المخاوف الإسرائيلية من “الخطر الإيراني القابل للردع” إلى “الخطر السني القابل للانتشار”، أي إلى احتمال نشوء صراع طويل الأمد ذي طابع هوياتي وشعبي، لا يمكن ضبطه بالآليات التقليدية.
وعليه، فإن السلوك الإسرائيلي تجاه شمال شرق سوريا لا يمكن قراءته بوصفه موقفاً ظرفياً أو رد فعل آني، بل كجزء من عملية إعادة تقييم شاملة لعقيدتها الأمنية في مرحلة ما بعد الأسد. فالاحتلال الإسرائيلي تحاول كسب الوقت، وتفكيك التحولات، واختبار نوايا دمشق الجديدة، دون أن تغلق الباب أمام خيارات أكثر خشونة إذا ما شعرت بأن التوازن يميل ضدها. وفي هذا الإطار، تبقى ملفات الجنوب السوري، والأقليات، والموارد، وحدود التدخل الخارجي، أدوات ضغط كامنة قد تُستخدم عند الحاجة.
ختاماً، يمكن القول إن انهيار تجربة الإدارة الذاتية الكردية لا يشكّل نهاية فصل في الصراع السوري فحسب، بل بداية فصل أكثر تعقيداً في العلاقة السورية-الإسرائيلية. فصل تنتقل فيه تل أبيب من إدارة ساحة مفككة إلى التعامل مع دولة في طور إعادة التشكل، ومن سياسة “الهامش” إلى سياسة “المركز”. وكيف سيدير الاحتلال هذا الانتقال، وما إذا كانت ستنجح في التكيف مع واقع سوري جديد أكثر تماسكاً وأقل قابلية للاختراق، سيبقى أحد الأسئلة المفتوحة الأكثر تأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي خلال السنوات القادمة.





