إحاطة: تصعيد واشتباكات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في ريف درعا (27-28 يونيو 2026)

شهدت قرية عابدين والمناطق المحيطة بها في ريف درعا الغربي تصعيداً ميدانياً لافتاً يومي 27 و28 يونيو 2026، تخلّلته توغلات إسرائيلية ليلية واشتباكات مع السكان المحليين وقصف مدفعي أسفر عن حركة نزوح.  وتأتي هذه الأحداث كامتداد مباشر لسلسلة من الانتهاكات والحوادث المشابهة التي شهدتها المنطقة خلال شهر يونيو، والتي شملت توغلات عسكرية مكثفة وإقامة حواجز لفرض واقع ميداني جديد والتضييق المباشر على الأهالي. 


تفاصيل الحادثة

في الساعة 22:30 من مساء يوم 27 يونيو، تحرّكت قوة إسرائيلية مؤلفة من أربع ناقلات جند من ثكنة الجزيرة الواقعة على أطراف قرية معرية (التي حوّلتها قوات الاحتلال إلى قاعدة عسكرية نهاية عام 2024) باتجاه قرية عابدين ثم إلى قرية جملة.

تلة المغر غرب قرية عابدين بريف درعا الغربي – 29 يونيو 2026

في جملة، نفّذت قوات الاحتلال حملة تفتيش واسعة للمنازل قبل أن تتوجه إلى منطقة تل المغر، حيث يُوجد هناك ثكنة عسكرية تابعة لقوات النظام السابق.

وخلال الليل، أطلقت القوات الرصاص والقنابل المضيئة في محيط التل، وعلى أطراف قرية عابدين، بالتزامن مع تحليق مكثّف للطائرات المسيّرة في أجواء المنطقة. وتعرّض المزارعون المتجهون إلى أراضيهم في المنطقة القريبة لإطلاق نار مباشر من الجانب الإسرائيلي. 

حوالي الساعة 08:30 من صباح يوم الأحد، نصبت قوات الاحتلال حواجز عسكرية وخياماً ورفعت العلم الإسرائيلي على الطريق الواصل بين قريتي جملة وصيصون، وفي قرية عابدين أيضاً، فضلاً عن نصب حاجز آخر عند مدخل سرية جملة، باستخدام ثلاث سيارات عسكرية بعد ظهر اليوم نفسه.

توغل لقوات الاحتلال الإسرائيلي على تلة المغر غرب قرية عابدين بريف درعا الغربي ونصب خيام عسكرية – 28 يونيو 2026

وفي قرية عابدين، أقامت القوات حاجزين إضافيين فتّشت المارة عبرهما. وعندما حاول الأهالي إغلاق الطريق بالحجارة احتجاجاً، رد الجنود بإطلاق النار في الهواء لترهيب السكان، مما أدّى إلى مواجهات بالحجارة من جانب الشباب.

أثناء انسحاب القوات الإسرائيلية من منطقة تل المغير حوالي الساعة 22:00، أطلق شبان من القرية النيران باتجاه الآليات المنسحبة. وردّاً على ذلك، استهدفت قوات الاحتلال قرية عابدين بعدة قذائف مدفعية وقذائف هاون، كما حلّقت مروحية حربية فوق القرية وأطلقت نيران رشاشاتها بشكل مباشر على المنازل والممتلكات مما أدى إلى نزوح عدد كبير من سكان القرية.

تخلّل ذلك أيضاً استهدافاً لطاقم قناة الإخبارية السورية مساء بتاريخ 28 يونيو أثناء تغطية التطوّرات في المنطقة.

قوات الاحتلال الإسرائيلي تتوغل قرب سرية جملة بريف درعا الغربي – 28 يونيو 2026

كيف نفهم هذه الحادثة؟

يندرج هذا التصعيد العسكري ضمن سياسة الإرهاب المستمر ومحاولات الاحتلال الإسرائيلي لقياس الحدود الممكنة، وذلك من خلال التوغل داخل مساحات جديدة، واستفزاز السكان، والتضييق الممنهج عليهم. 

يُضاف إلى ذلك قيام الاحتلال الإسرائيلي في الآونة الأخيرة بنصب المزيد من الحواجز على الأرض، كالأسلاك الشائكة، والبوابات الصفراء، والخيم العسكرية، وهو ما قد يُوحي بنية للتوسّع والسيطرة على المزيد من الأراضي وتثبيت الوجود فيها، خصوصاً أن المنطقة المستهدفة في ريف درعا الغربي تحتوي على ثكنات وسرايا عسكرية تابعة لنظام الأسد المخلوع.

مقتل سوريين في حادثة منفصلة

أعلن الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أيضاً أن قوات من “لواء عتسيوني” أقدمت يوم السبت 27 يونيو على قتل عدد من المسلحين (السوريين) أثناء نشاط لها في المنطقة الأمنية جنوب سوريا، مبرراً ذلك بأنه يأتي في إطار مواصلة العمل لإزالة أي تهديد يشكل خطراً على القوات الإسرائيلية ومواطنيها. 

وقد تأكّد مركز سجل من حدوث استهداف لقوات الاحتلال الإسرائيلي أودى بحياة ضحايا في منطقة سحيتا جنوبي بلدة حضر بريف القنيطرة الشمالي، ويجري العمل حالياً على جمع المزيد من التفاصيل.

الروايات الرسمية

ذكرت المصادر الإسرائيلية أن التصعيد في ريف درعا وقع نتيجة “قيام إرهابي واحد بإطلاق النار على قواتنا في جنوب مرتفعات الجولان، داخل الأراضي السورية”، مؤكّدة أن الإرهابي لاذ بالفرار، ولم تسجل إصابات في صفوف القوات، التي شرعت بعمليات تمشيط.

كما أفادت المصادر ذاتها بأن مروحية قتالية أطلقت النار بعد رصد “تجمع مشبوه” في المنطقة التي انطلق منها إطلاق النار، ووصفت الحادث بأنه “غير معتاد”، مؤكّدة أن القوات ردت بقذائف الهاون والمدفعية واستهداف جوي بطائرة هليكوبتر في منطقة مفتوحة، وأن الحدث انتهى دون وقوع إصابات إسرائيلية.

في المقابل، أصدرت وزارة الخارجية السورية بياناً شديد اللهجة في 29 يونيو أدانت فيه الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا، معتبرةً إياها انتهاكاً صارخاً للسيادة السورية، وخرقاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 وميثاق الأمم المتحدة.

تصعيد واضح في شهر يونيو

تأتي هذه الحادثة بعد عددٍ من الحوادث البارزة في شهر يونيو. منها مثلاً التمركز الطويل لأكثر من 12 ساعة في تلة أبو قبيس بريف القنيطرة الجنوبي بتاريخ 23 يونيو، وإجراءات العزل بوضع أسلاك شائكة بعمق 150 متراً بتاريخ 9 يونيو غرب بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي، وإقامة بوابات حديدية تقضم الأراضي بتاريخ 24 يونيو غرب بلدة الرفيد أيضاً.

قوات الاحتلال الإسرائيلي تقيم حاجزاً حديدياً مدعّماً بكتل إسمنتية غربي بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي– 24 يونيو 2026 | مصدر الصورة: وكالة سانا

وحتى بداية يوم 29 يونيو شهد هذا الشهر ما لا يقل عن 28 مداهمة، أكثر من أي شهرٍ سابق منذ بداية العام، حيث لم تتجاوز عدد المداهمات في كلٍّ من شهري أبريل ومايو 19 مداهمة على سبيل المثال.

وفي درعا تحديداً، وقعت ثمانية حوادث منفصلة على الأقل بين إطلاق نار وقصف مدفعي في شهر يونيو في قرى جملة ومعرية ووادي الرقاد، وقد وقعت جميع هذه الحوادث في النصف الأول من شهر يونيو.

كما شهد شهر يونيو سلسلة من الاقتحامات بأرتال عسكرية ضخمة، من أبرزها: توغل 10 سيارات عسكرية في قرية عين زيوان بريف القنيطرة الجنوبي بتاريخ 2 يونيو، ومداهمة قرية رويحينة بريف القنيطرة الأوسط بـ 19 آلية عسكرية بتاريخ 7 يونيو، واقتحام قرية أم باطنة بريف القنيطرة الأوسط بأكثر من 30 آلية عسكرية بتاريخ 14 يونيو.

وفي قرية عابدين نفسها، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بمداهمة بـ 10 آليات ودبابتين بتاريخ 21 يونيو، تلاها توغل تسع آليات عسكرية في قرية جملة بريف درعا الغربي بتاريخ 26 يونيو.

بقايا تركها الاحتلال الإسرائيلي على تلة المغر بريف درعا الغربي – 29 يونيو 2026

تصريحات قائد لواء الجولان السابق والتطوّرات الأخيرة

يمكن قراءة هذه التطوّرات في ضوء تصريحات بني كاتا (אלוף־משנה בני קטה) القائد السابق للواء الجولان 474 في عددٍ من المقابلات الميدانية في الأراضي السورية التي أجراها مع صحيفة يديعوت أحرونوت، وقناة i24 News.  فقد شدّد كاتا بوضوح على أن الحلول العسكرية باتت تتركّز بشكل أساسي على “جوانب التحصين وتطوير الوسائل القتالية” وهو ما قد يفسّر إقامة خيمٍ وحواجز وبوابات في شهر يونيو. وقد سبق ذلك إدخال معدات لوجستية وغرف مسبقة الصنع إلى نقاط مثل تل أحمر شرقي بريف القنيطرة الجنوبي للقيام بأعمال تحصين هندسية، بالإضافة إلى حفر الخنادق والتجريف المستمرة، ووضع العوائق الفيزيائية لمنع أي تقدم.

في تصريحاته أيضاً، قال كاتا أن الحكومة السورية حالياً تلتزم بالـ”قواعد”، مع التأكيد على ضرورة التنبّه لأي محاولات لبناء القدرات العسكرية السورية. وأضاف كاتا أنه يتوقّع البقاء في سوريا لمدة خمس سنوات قادمة إذا بقي الحال على ما هو عليه.

بني كاتا القائد السابق للواء الجولان 474  – 22 أبريل 2024

توازى ذلك أيضاً مع تشديد مسؤولين إسرائيليين على البقاء في المناطق الأمنية في سوريا ولبنان. منها تصريح وزير الدفاع يسرائيل كاتس في 24 يونيو بشكل حاسم: “لن نغادر المنطقة الأمنية في سوريا. . .  الجنود في الداخل والسكان في الخارج. نحن لا ننسحب”، وهو ما أكّده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتصريحاتٍ مشابهة تبرّر بقاء قوات الاحتلال في سوريا.