قراءة في تصريحات قائد لواء الجولان 474 السابق ونظرة المنظومة العسكرية الإسرائيلية لسوريا

  • محور الأخبار: تكشف التصريحات والجولات الإعلامية لقائد لواء الجولان 474 المسرّح، من داخل الأراضي السورية، عن جانبٍ من نظرة المنظومة العسكرية الإسرائيلية لسوريا.
  • الصورة الأشمل: يتعمّد الاحتلال تضخيم مخاوف أمنية لا أساس لها، كالوجود التركي أو عودة نفوذ حزب الله وإيران، تبريراً لسياسته التوسعية واستمرار احتلالها للجنوب السوري.
  • ما بين السطور: يُصوِّر الاحتلال عملية إعادة بناء الجيش السوري وتطوير قدراته، وتحديداً استخدام تكنولوجيا مسيّرات الألياف الضوئية، كتهديد أمني مستقبلي لشرعنة استمرار مراقبته وتدخله العسكري.
  • الواقع الميداني: خلف بروباغندا تبييض صورة الاحتلال والادعاء بأخلاقية الجيش، توثّق الوقائع مئات الانتهاكات والمداهمات الإسرائيلية التي تفرض قيوداً خانقة على حركة المدنيين السوريين وأرزاقهم.
  • الخلاصة: يتبنّى الاحتلال، المتأثّر بهواجس ما بعد السابع من أكتوبر، مقاربة أمنية تتجاهل السيادة السورية تماماً، معلنةً اعتمادها على العمل الأحادي لتنفيذ الاحتجازات وفرض السيطرة نتيجة تشكيكها المستمر بالسلطة السورية الجديدة.

مقدّمة

ركّزت وسائل الإعلام الإسرائيلية، في تناولها للملف السوري مطلع يونيو، على الحديث عن إنهاء من وصفته “بقائد اللواء على الجبهة السورية” لمهامه، إذ استضافته يديعوت أحرونوت في تقرير مكتوب تحدث فيه عن التحديات الفائتة والمستقبلية المتعلقة بالجبهة السورية. فيما عرضت قناة i24 بنسختها العبرية تقريراً مصوراً ترافق فيه العقيد الذي أنهى مهامه للتو في جولة داخل الأراضي السورية مستعرضاً منها رسائل تحمل دعاية إعلامية إسرائيلية واضحة، ومفاهيم أمنية يتخذ منها الاحتلال ذريعة لسياساتها التوسعية والاحتلالية.

سنحاول من خلال هذا التقرير تحليل الخطاب الإسرائيلي الذي يستمر في اتجاه مشابه إلى حد كبير لتقارير سابقة، من حيث المفاهيم الأمنية والذرائع الدعائية المستخدمة، وذلك استكمالاً للمسار البحثي والتحليلي الذي ينتهجه مركز سِجِلْ في رصد وتفكيك بنية الخطاب الإسرائيلي الموجّه تجاه الجغرافيا السورية من قبل وسائل الإعلام والمراكز البحثية الإسرائيلية.

أعلن جيش الاحتلال أن العقيد بني كاتا أنهى مهامه كقائد للواء الجولان 474 وأقام مراسم خاصة سلّم فيها كاتا مهامه لعقيد جديد لم يكشف عن اسمه، وسياسة عدم الكشف عن الأسماء هي سياسة جديدة قرر جيش الاحتلال اتباعها نتيجة الملاحقات القانونية التي تقدم عليها مؤسسات حقوقية كثيرة في دول أوروبية مختلفة.

المبالغة في مخاوف أمنية مفتعلة في صدارة الخبرة

يبدأ تقرير يديعوت أحرونوت بعنوان يبرز مخاوف أمنية إسرائيلية تكرّرت على لسان مسؤولين إسرائيليين وأمنيين تتعلق بالنفوذ التركي في سوريا، فاختارت الصحيفة العنوان التالي “تحذير قائد اللواء على الجبهة السورية: “يجب عدم السماح بأي واقعة يتواجد فيها جنود أتراك على السياج”

هذا العنوان اللافت يضع الهواجس الأمنية من سوريا مقدّمةً لكل تناول إعلامي يتعلّق بالملف السوري، سواء كانت هذه المخاوف مرتبطة بالجانب السوري بصورة مباشرة، أو بالوضع الإقليمي المتغيًر والفرص المتوفرة نتيجة سقوط نظام الأسد البائد كالتقارب السوري التركي في هذه الحالة.

يختار العقيد كاتا أن يبرز مثل هذه المخاوف رغم عدم وجود أية مصادر موثوقة تحدثت عن نية تركية للتواجد قرب خط فض الاشتباك مع الجولان المحتل، كما أن كل النوايا التركية السابقة للتواجد عسكريًا في سوريا كانت تتعلق باحتمال إنشاء نقاط عسكرية أقربها الأراضي المحتلة يقع وسط سوريا، وقد شنّ طيران الاحتلال غارات استهدف مواقع ادّعى أنها كانت ستكون نقاط تواجد تركية محتملة كمطار التيفور في حمص، ومطار تدمر العسكري. وكلّها تبعد مئات الكيلومترات عن خط فض الاشتباك.

تعاطي تقارير إسرائيلية سابقة مع نصب رادار مدني تركي في مطار دمشق يبرز هذه الحالة المتواصلة من المبالغة في ادّعاء المخاوف الأمنية، وسياسة الاستعداء المبالغ بها حتى لمن تجمعهم علاقات دبلوماسية مع الاحتلال الإسرائيلي كالجانب التركي في هذه الحالة.

بالعودة إلى التقرير، تبدأ رحلة الصحفي في يديعوت أحرونوت مع العقيد كاتا في “جولته الوداعية” في بلدة كودنة بريف القنيطرة الأوسط، ويبدو أن التوجه نحو تلك المنطقة هو مسار روتيني بات يتخذه جيش الاحتلال مع الصحفيين الإسرائيليين إذ تقاطع ذلك مع تقرير سابق لقناة اي 24 العبرية من سد كودنة تناوله أيضاً مركز سجل.

يقول كاتا إن وجه سوريا تغيّر خلال العامين والنصف الأخيرين من فترة توليه المسؤولية. ويوضح أن المنطقة القريبة من الشريط الحدودي كانت، خلال ما وصفه بـ”الحرب الأهلية”، في إشارة إلى الثورة السورية، تعاني غياباً شبه كامل للسيطرة، ما أتاح لحزب الله والإيرانيين التمركز فيها وتثبيت وجودهم. أما اليوم، فيرى أن الوضع أصبح مختلفاً، مشيراً إلى الوجود الإسرائيلي “خلف السياج”، والذي يهدف، بحسب قوله، إلى منع تكرار ذلك والتأكد من عدم وجود أي “بنى تحتية معادية” في المنطقة.

تناسى كاتا أن سبب تغيّر هذا الأمر لا يعود لجيش الاحتلال الذي عجز عن تحييد التواجد الإيراني ونفوذ حزب الله رغم الغارات التي كانت تشن بصورة شهرية أحياناً في عهد النظام السابق وتستهدف بعض المطارات العسكرية، الأرتال وخطوط الإمداد، أو حتى ما نفذه الاحتلال من عمليات خاصة كالتي حدثت في مصياف. إنما يعود لحالة التغيير العامة التي جاءت بها عملية ردع العدوان وسقوط النظام السابق ما قوضّ من النفوذ الإيراني وحوله من سيطرة مكانية إلى خلايا تتحرك بالخفاء هذا إن وجدت.

رغم ذلك، فإن تسويق فكرة أن انسحاب الجيش الإسرائيلي سيؤدي تلقائياً إلى عودة نفوذ حزب الله وإيران يشكل محاولة إسرائيلية لشرعنة استمرار وجود قوات الاحتلال في الجنوب السوري. وقد سبق لبعض التقارير الإسرائيلية أن بالغت في الحديث عن نشاط حزب الله في ريف القنيطرة، رغم الوجود العسكري الإسرائيلي، كما ادعى الجيش الإسرائيلي اعتقال عدد من السوريين للاشتباه بارتباطهم بالحزب.

وعندما تحركت الدولة السورية واعتقلت بالفعل مجموعات قالت إنها مرتبطة بحزب الله، لم ينظر الاحتلال إلى ذلك بوصفه تطوراً مطمئناً أو دليلاً على قدرة دمشق على ضبط المنطقة، بل تعاملت معه باعتباره سبباً إضافياً للبقاء وتعزيز المراقبة والحذر. وقد ظهر هذا الطرح، على سبيل المثال، في تحليلات مركزألماالإسرائيلي المتخصص في الجبهة الشمالية.

يمكن قراءة هذا الموقف باعتباره مؤشراً على أن حزب الله والنفوذ الإيراني تحولا إلى ذريعة يسهل استخدامها لتبرير الوجود الإسرائيلي. فالمخاوف الإسرائيلية لا تقتصر في حقيقتها على احتمال عودة إيران وحزب الله، بل تمتد إلى السلطة السورية الجديدة نفسها، التي تنظر إليها إسرائيل بوصفها تهديداً محتملاً على المدى البعيد، ضمن هواجسها الأمنية التي تعمقت بعد هجوم السابع من أكتوبر.

تكنولوجيا جديدة ومواكبة بناء الجيش السوري وتسلحه

ويتابع العقيد في جيش الاحتلال حديثه بالإشارة إلى إدراكه حجم التحولات التكنولوجية التي باتت تنعكس مباشرة على ساحات القتال. ويوضح أن الجيش الإسرائيلي يراقب ما يجري في الحرب الروسية-الأوكرانية، ولا سيما محاولات حزب الله الاستفادة من تجاربها واستخدام مسيّرات FPV المفخخة في عملياته في جنوب لبنان.

ويرى أن هذا التطور يفرض الاستعداد لاحتمال انتقال الأسلوب نفسه إلى الجبهة السورية، قائلاً: “لا بد لي من افتراض أن الطائرات المسيّرة ستصل إلى هنا أيضاً في وقت ما. نحن ننقل الدروس المستفادة من غزة ولبنان إلى القطاع السوري، وعلينا أن نسبق العدو وأن نكون على أهبة الاستعداد”.

وهي الرسالة ذاتها التي تسعى إلى الإيحاء بوجود تهديدات راهنة، إلى جانب تهديدات أخرى قد تتشكل مستقبلاً، بما يبرر استمرار التدخل الإسرائيلي واحتلال مناطق في الجنوب السوري.

وفي هذا السياق، يبدو الحديث عن “أسلحة مستقبلية” محاولة إضافية لشرعنة استمرار السياسة الإسرائيلية نفسها، ولا سيما أن الجيش الإسرائيلي يشير، في الوقت ذاته، إلى متابعته الدقيقة، عبر قدراته الاستخباراتية، لعملية إعادة تسليح الجيش السوري وتطور قدراته.

لكن سلاح المسيّرات ليس جديداً أو غريباً عن الساحة السورية. فقد استخدمته فصائل المعارضة السورية قبل التحرير، كما وظفته خلال عملية “ردع العدوان”، ثم استخدمه الجيش السوري بعد التحرير في عملياته ضد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”. ويعني امتلاك هذه التكنولوجيا سابقاً أن تطويرها أو تعديلها ليس أمراً بالغ التعقيد، بما في ذلك تزويدها بإمكانات إضافية، مثل التحكم بها عبر أسلاك الألياف البصرية.

وعليه، فإن وجود هذا النوع من المسيّرات في سوريا ليس احتمالاً غريباً أو بعيداً، بل تطور مرجح في ضوء الخبرة المتراكمة وسهولة نقل التقنيات المستخدمة في ساحات قتال أخرى. غير أن إسرائيل توظف هذا الاحتمال المتوقع بوصفه تهديداً يستدعي بقاءها العسكري، بدلاً من التعامل معه كتطور طبيعي في قدرات الجيش السوري داخل أراضيه.

وإذا أردنا وضع هذه المقاربة ضمن إطار أوسع، فيمكن قراءتها في سياق الحرص الإسرائيلي المستمر على إظهار أن إسرائيل مطّلعة، أمنياً واستخباراتياً، على كل ما يجري داخل سوريا، مهما بدا محدوداً أو تفصيلياً. ولعل التقرير الذي نشرته صحيفةيسرائيل هيومقبل عدة أشهر، نقلاً عن مصادر في شعبة الاستخبارات العسكرية، يشكل مثالاً واضحاً على ذلك. فقد تناول التقرير نقل بضع آليات من تركيا إلى الجيش السوري، وصوّر الأمر بوصفه تطوراً كبيراً ولافتاً استدعى مراقبة وجهوداً استخباراتية مكثفة. ولا تكمن أهمية هذا الخطاب في الآليات نفسها بقدر ما تكمن في الرسالة التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها، وهي أن عملية إعادة بناء قدرات الجيش السوري تجري تحت مراقبتها المستمرة، وأنها تتابع أدق تفاصيلها.

يستمر كاتا بتطمين الإسرائيليين إلى أن عملية إعادة تسلح الجيش السوري تجري بعيداً عن “الحدود” مشيراً لسكان مستوطنات الجولان السوري المحتل قائلاً “يمكنني القول بثقة إنه لا يوجد تسلح في القرى الأمامية، وفي مواجهة أي محاولة لتعاظم القوّة، فنحن والمستويات التي فوقي (مستوى سياسي ورتب عسكرية أعلى) نعرف كيف نتصرف لضمان عدم دخول أسلحة كاسرة للتوازن إلى هنا”.

وبذلك يحافظ القائد السابق للواء الجولان على سياسة التهديد بشنّ عمليات إضافية، ويذكر بصورة غير مباشرة بالغارات الإسرائيلية واسعة النطاق التي أعقبت الساعات الأولى من تحرير سوريا.

أما في آخر فقرات التقرير فيحاول كاتا أن يسوق رسائل تحمل صورةً أخلاقية لجيش الاحتلال، فهو الجيش الذي يسميه الإسرائيليون وبقناعة تامة منهم  “بالجيش الأكثر أخلاقية في العالم” وقد استخدم نتنياهو هذا المصطلح مؤخراً حين رد على مهاجمة أردوغان لجيش وحكومة الاحتلال، ولكن بنفس الوقت يقرّ كاتا بما يصفها بأحداث تقع وتخضع للعلاج، كأحداث النهب والسرقة من قبل جنوده واصفًا إيّاها بالتحديات أثناء القتال، متناسياً  أن القتال يغيب عن الجبهة السورية وعن معظم عمليات التفتيش والمداهمة الإسرائيلية.

ثم ينتقل في حديثه إلى تبرير ممارسات النهب والسرقة، مشيراً إلى أن سكان البلدات السورية القريبة من خط فضّ الاشتباك كانوا ينظرون دائماً إلى الجيش الإسرائيلي بوصفه “شيطاناً خلف السياج”، قبل أن تتغير هذه الصورة، بحسب ادعائه، مع مرور الوقت.

ويقول: “أعدنا تنظيم المنطقة هنا، وأغلقنا بعض المحاور والطرقات، ونظمنا حركة المرور، ووجهنا رسائل واضحة إلى السكان بشأن الأماكن التي يُسمح لهم بالتحرك فيها. كما تُنجز بعض أعمالهم الزراعية بالتنسيق معنا، وهم يدركون أنهم إذا التزموا بالقواعد، فسيتمكنون من الحفاظ على نمط حياتهم”.

ويكشف هذا الخطاب محاولة لتقديم الاحتلال بوصفه جهة تدير حياة السكان وتنظمها، بينما تعكس عباراته في الواقع فرض قيود على الحركة والعمل الزراعي، وربط ممارسة الأهالي لحياتهم اليومية بالتزامهم بالتعليمات التي يضعها الجيش الإسرائيلي. ويضع كاتا هنا التحكم بحياة السوريين، بما في ذلك مصادر رزقهم وحركتهم اليومية، في صلب ما يقدمه بوصفه دليلاً على “أخلاقية” الجيش الإسرائيلي. فهو يربط قدرة السكان على الحفاظ على نمط حياتهم بالتزامهم بالقواعد التي يفرضها جيش الاحتلال، وكأن السماح لهم بالوصول إلى أراضيهم أو ممارسة أعمالهم الزراعية امتياز تمنحه إسرائيل، لا حقاً طبيعياً لأصحاب الأرض.

لكن الوقائع الميدانية تقدم صورة مختلفة تماماً. فقد وثّق مركز سجل خلال الأشهر الماضية مئات المداهمات والانتهاكات الإسرائيلية التي أثرت مباشرة في حياة سكان ريف القنيطرة وحوض اليرموك، وضيّقت على مصادر رزقهم وحريتهم في الحركة والتنقل، وفرضت قيوداً متزايدة على أنشطتهم اليومية. وهي ممارسات بعيدة كل البعد عن حالة القبول أو التعايش التي يحاول كاتا الإيحاء بوجودها.

تقاريرُ مختلفة، رسائلُ مشابهة

لا يحمل تقرير قناة i24 كثيراً من الاختلاف في الرسائل إلّا أن صورة البروباغندا الإسرائيلية تبدو  فيه أقوى حين تكون مرفقةً بمشاهد بصرية توضّح ما تحدث عنه كاتا لصحيفة يديعوت أحرونوت.

وكعادة كل تقرير إسرائيلي في سوريا، يبدأ مراسل القناة تقريره بالإشارة إلى إذا ما كان الآن داخل الأراضي السورية؟ وكأنه متفاجئ من ذلك رغم سذاجة هذا الأمر، إذ أن خط فض الاشتباك يحدهُ سياجٌ وأسلاك شائكة وبوابات واضحة.

يبدأ التقرير بالترويج لكاتا كشخصية استثنائية “لا أحد يعرف عن سوريا أكثر منه”، “ملك القطاع”  يقول معدّ التقرير في وصف شخصية كاتا ، وهذا ضمن محاولات تسويق حديث العقيد في جيش الاحتلال أمام الإسرائيليين كحديث ثقة يكاد لا يقبل النقض.

يسأل الصحفي العقيد إن كانت سوريا تبحث عن صداقة مع دولة الاحتلال أم أنها مرتدعة بعد السابع من أكتوبر، فيقول كاتا في جوابه إن السوريين يحاولون أولا استيعاب ما يقوم به الجيش الإسرائيلي، مؤكداً أن الجيش يعرف جيداً ما يجري وهو “توفير الحماية لسكان الجولان” في إشارة لمستوطنات الجولان المحتل عبر التواجد “في الداخل”، مضيفاً أن السوريين منشغلين الآن بقضايا داخلية كالأكراد والدروز.

الرسالة الدعائية هنا تشير للعقلية الإسرائيلية التي تحاول دائماً إبراز ادّعاء أن الجانب الإسرائيلي، وضباط الجيش العاملين في مختلف القطاعات يعرفون الآخر تمام المعرفة، ويعرفون كذلك أهدافهم والتي تصور دائماً على أنها “وقائية ودفاعية عن الإسرائيليين” فيما تغيب هذه المعرفة عن الطرف المقابل تجاه الإسرائيليين، وحتى تجاه أنفسهم في أحيان معينة.  فيتحدث كاتا في قضايا داخلية سورية كموضوع “قسد”، والسويداء، ويشير في ذات الجملة إلى أن الجانب السوري لا يزال يحاول فهم ما تريده دولة الاحتلال.

يمرّ العقيد أيضاً في التقرير المصور على ذكر أن الجيش السوري يعيد التسلح، وهنا يسأله المراسل إن كانت هناك محاولات سورية للوصول “للشريط الفاصل” ليجيب كاتا بالنفي لأن هناك خطوطاً واضحة، وقد أثبت الاحتلال أنه يهاجم حين يتمّ تخطي هذه الخطوط.

سياق هذا الحديث يهدف مجدداً لإظهار حالة المتابعة المستمرة من قبل دولة الاحتلال لأي تطور في قوات الجيش السوري، علماً أن مسألة إعادة تسلح الجيش السوري هي مسألة طبيعية فكل جيش يسعى لتعظيم قوته وبنائها بصورة مستمرة، وهذا ينطبق حتى على الحالات الروتينية ويصبح أكثر منطقية حين نتحدث عن جيش قيد التشكل كالجيش السوري عقب ثورة انتهت بتحرير سوريا وما أحدثه ذلك من تغيرّات.

يعيد كاتا التأكيد على الخطوط الحمر الأمنية بعد السابع من أكتوبر، وهي أن الاحتلال لن تقبل تواجد مهددات أمنية قرب “ما تصفه بحدودها” وهنا يشير طبعاً إلى خط فض الاشتباك، وهذا يتقاطع مع سياسات المناطق الأمنية التي يريدها المستوى السياسي والأمني في سوريا، لبنان، وقطاع غزة

وفي إطار الترويج للخوف الأمني المستمر من جبهة سوريا، يشير معد التقرير في إحدى فقراته إلى أن العودة إلى السابع من أكتوبر مع وضع المنطقة المتاخمة لخط فض الاشتباك في حينها كان يعني إمكانية أن يحدث ما يشبه السابع من أكتوبر، ولكن بمئة مرة مضاعفة من السوء، وهو خطابٌ يحمل لهجة مبالغة في تهديدات لا تبدو وفق الظروف الحالية منطقية على الإطلاق.

بعد ذلك، يظهر معدّ التقرير واقفاً داخل خندق حفرته الجرافات الإسرائيلية، ويقدمه مثالاً على ما يصفه بتغير العقلية الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر. وبحسب التقرير، يشكل هذا “العائق” جزءاً من الإجراءات الرامية إلى منع أي تقدم باتجاه الجولان السوري المحتل.

ويوضح أن منع العدو من الوصول بصورة كاملة قد لا يكون ممكناً، لكن يمكن إبطاء تقدمه وعرقلته، بما يمنح الجيش الإسرائيلي وقتاً إضافياً للتدخل. ويقدم هذه التحصينات والإجراءات بوصفها وسيلة لحماية سكان المستوطنات في الجولان المحتل وضمان عدم تكرار سيناريو السابع من أكتوبر على الجبهة السورية.

ويكرر قادة جيش الاحتلال، في أكثر من موضع، الإشارة إلى الخنادق التي جرى حفرها في المنطقة. وهذا بحد ذاته يعكس تحولاً لافتاً في التفكير الأمني الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر. فدولة الاحتلال التي طالما قدمت نفسها بوصفها قوة تعتمد على التفوق التكنولوجي، وأنظمة المراقبة الذكية، والجدران الإلكترونية، باتت اليوم تعود إلى أدوات تقليدية أكثر خشونة: خنادق، سواتر، إغلاق طرق، وتواجد عسكري مباشر على الأرض.

هذا التحول لا يعني التخلي عن التكنولوجيا، لكنه يكشف تراجع الثقة بقدرتها وحدها على منع التهديدات. فالعقلية الجديدة تمزج بين المراقبة الاستخباراتية والحضور الميداني الدائم، وتتعامل مع الأرض نفسها بوصفها خط دفاع أول. ومن هنا تأتي أهمية الخنادق في الخطاب الإسرائيلي، ليس كإجراء هندسي فقط، بل كدليل على انتقال أوسع من منطق “المراقبة عن بعد” إلى منطق السيطرة المباشرة على المساحة والسكان والحركة.

بروباغندا تبييض صورة الجيش

في الجزء الأخير من التقرير، تتكرر العبارة نفسها التي استخدمتها صحيفة “يديعوت أحرونوت” حرفياً تقريباً، ومفادها أن “السوريين كانوا يرون الجانب الآخر من الحدود بوصفه شياطين”. وتأتي هذه العبارة على خلفية مشهد يظهر فيه جنود من جيش الاحتلال وهم يقدمون الحلوى لطفلة سورية تقف إلى جانب أحد أفراد عائلتها في أرض زراعية. ويعلّق التقرير على المشهد بالقول إن السوريين أدركوا فجأة “أننا بشر”.

لا يبدو اختيار هذا المشهد عفوياً، بل يأتي ضمن محاولة واضحة لإعادة تقديم صورة الجيش الإسرائيلي أمام السكان السوريين، والانتقال به من قوة احتلال تفرض القيود على حركتهم وأرزاقهم إلى جهة تحاول الظهور بصورة إنسانية. ويختزل التقرير هذه الرسالة في قطعة حلوى تُمنح لطفلة، متجاهلاً السياق الأوسع من التوغلات والمداهمات والسيطرة على الأراضي وفرض التعليمات على السكان.

بعد ذلك، يصف كاتا سوريا بأنها ليست حتى من دول العالم الثالث، بل دولة فقيرة ومتخلفة بنحو مئة عام. ويندرج هذا الوصف ضمن خطاب إسرائيلي متعالٍ يشبه إلى حد بعيد الخطاب الذي رافق مرحلتي الانتداب البريطاني والفرنسي، حيث كانت القوى المحتلة تقدم نفسها بوصفها حاملة للتقدم والنور إلى مجتمعات تصفها بالتخلف والظلام. ووفق هذا المنطق، لا تظهر إسرائيل كقوة احتلال، بل كطرف يزعم أنه يجلب النظام والتحديث إلى سوريا والشرق الأوسط برمته.

لكن خاتمة التقرير تعيد النقاش إلى جوهر الموقف الإسرائيلي، وهو القلق من السلطة الجديدة في سوريا. فالمراسل يسأل كاتا عن رؤيته لهذه السلطة التي، بحسب وصفه، تتحرك بسرعة نحو الغرب رغم خلفيتها الجهادية المعروفة.

ويكشف جواب كاتا الأساس الذي تقوم عليه المقاربة الإسرائيلية تجاه سوريا. فهو يقول إنه يعرف جيداً خلفية النظام السوري الجديد، وإن التعامل معه يجب أن يبقى محكوماً بقدر كبير من الشك واليقظة، لأن أولوية الاحتلال هو أمنه ومصالحه قبل أي اعتبار آخر.

وعندما يُسأل عن الحاجة إلى التنسيق الأمني لاعتقال أشخاص يشتبه بهم الاحتلال، يجيب بأن الجيش الإسرائيلي يجب أن يعتمد على نفسه. ويضيف أنه يستطيع، ولا سيما في المناطق القريبة من “الشريط الفاصل”، الوصول إلى من يشاء واعتقاله من دون إبلاغ أي جهة بالعملية. وهنا يتضح أن الخطاب الذي يبدأ بالحديث عن الأمن وينتقل إلى “التواصل الإنساني” ينتهي عملياً بتأكيد حق الاحتلال، من وجهة نظره، في التحرك داخل الأراضي السورية وتنفيذ الاعتقالات بصورة أحادية، من دون تنسيق مع الدولة السورية أو اعتراف بسيادتها.

ويندرج هذا الحديث ضمن رؤية إسرائيلية أوسع تتبناها أعلى المستويات السياسية والأمنية. فقد حضرت لغة التشكيك نفسها عندما تصاعد الحديث عن احتمال التوصل إلى اتفاق أمني، بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة.

وقال نتنياهو حينها إن دولة الاحتلال تتعامل مع سوريا وفق مقولة: “ثق أو لا تثق، لكن تحقق دائماً“، مؤكداً أنه سيحكم على أفعال السلطة السورية لا على تصريحاتها. وربط ذلك بمدى استعداد الرئيس الشرع لاستبعاد من وصفهم بـ”الجهاديين” من الجيش السوري، وقبوله العمل مع دولة الاحتلال على نزع السلاح من جنوب غربي سوريا.

ويكشف هذا الخطاب أن التشكيك بالسلطة الجديدة لا يقتصر على قادة الجيش الموجودين ميدانياً في الجنوب، بل يمثل أساساً للموقف الإسرائيلي الرسمي. كما أنه يعيد صياغة المطالب الإسرائيلية مرتفعة السقف، التي تمسّ السيادة السورية وتفرض قيوداً على انتشار الجيش وتسليحه داخل أراضيه، بوصفها اختباراً لـ”حسن نية” دمشق، بدلاً من التعامل معها باعتبارها شروطاً أحادية تسعى دولة الاحتلال من خلالها إلى فرض ترتيبات أمنية تخدم مصالحها وحدها.