كيف يقرأ مركز ألما تحولات الجيش السوري؟

مقدمة

لا يمكن قراءة ورقة دانا بولاك حول إعادة هيكلة الجيش السوري بمعزل عن الخط العام الذي يتبنّاه مركز ألما الإسرائيلي في مقاربته للملف السوري. فالورقة لا تتعامل مع عملية بناء المؤسسة العسكرية في سورية بوصفها مساراً سيادياً طبيعياً تسعى من خلاله دمشق إلى ضبط السلاح وتجاوز الحالة الفصائلية، بل تنظر إليها أساساً من زاوية التهديد المحتمل لدولة الاحتلال.

بهذا المعنى، يحاول التقرير تقديم عملية الانتقال من الفصائل المسلحة إلى جيش نظامي موحد باعتبارها خطراً أمنياً ناشئاً على الحدود، لا بوصفها جزءاً من إعادة بناء الدولة بعد سقوط النظام السابق. وتكمن إشكالية هذه القراءة في أنها تميل إلى تفسير أي خطوة باتجاه مأسسة القوة العسكرية داخل سورية كدليل على إعادة إنتاج تهديد أيديولوجي أو عسكري، بما يتيح تبرير استمرار التدخل الإسرائيلي في الجغرافيا السورية تحت عنوان الوقاية الأمنية.

ومن هنا، لا تكشف الورقة فقط عن موقف من الجيش السوري الجديد، بل عن طريقة تفكير إسرائيلية أوسع ترى في استعادة الدولة السورية لأدواتها السيادية احتمالاً أمنياً مقلقاً، حتى عندما تكون هذه العملية مرتبطة بضبط الفوضى، وتوحيد القرار العسكري، واحتكار استخدام القوة داخل مؤسسات الدولة.

أولاً: القراءة الإسرائيلية لإعادة هيكلة الجيش السوري وتوزيع المهام

تتناول مادة مركز ألما الصادرة بتاريخ 9 يوليو 2026، التقارير التي تتحدث عن توجه وزارة الدفاع السورية إلى إعادة تنظيم الجيش ضمن خمسة فيالق إقليمية، بدلاً من الاعتماد على فرق عسكرية تعمل بصورة شبه مستقلة. ووفق هذه القراءة، يتولّى كل فيلق مسؤولية قطاع جغرافي محدد، ويشرف على عدد من الفرق العسكرية، بما يعزز مركزية القيادة وسرعة الحركة والتعبئة. غير أن المادة لا تعرض هذه الهيكلية بوصفها خطوة تنظيمية داخلية فقط، بل تربطها بالدور التركي في إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية ودمج الفصائل السابقة ضمن جيش نظامي جديد منذ مطلع عام 2025، ويظهر أصلاً الاهتمام المتزايد لمركز ألما بالشأن التركي وحديثه عن دور تركي متعاظم في الإقليم، بالتزامن مع تصريحات متعدّدة من مسؤولين إسرائيليين عن تهديدٍ تركي.

بالعودة إلى المادة، تعرض بولاك التوزيع المفترض للفيالق في الجيش السوري على النحو الآتي:

1. الفيلق الشرقي: بقيادة العميد أحمد محمد الجاسم، القائد السابق لفرقة سليمان شاه التابعة للجيش الوطني المدعوم تركياً. ويغطي دير الزور، والبوكمال، والرقة، والحسكة، والحدود العراقية. وترتبط مهامه بمكافحة تنظيم داعش، وتأمين الحدود الشرقية، والتعامل مع ملف قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى بسط سلطة المركز على حقول النفط.

2. الفيلق الشمالي: بقيادة العميد عواد الجاسم، القيادي السابق في جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام. ويشمل حلب، وعفرين، ومنبج، والحدود التركية. وتربط المادة مهامه بضبط الحدود الشمالية، ومواجهة الجيوب الكردية، والحفاظ على الترتيبات القائمة في مناطق النفوذ التركي.

3. الفيلق الأوسط: بقيادة العميد هيثم خالد العلي، القيادي السابق في جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام. ويغطي حمص، وحماة، والبادية السورية. وتركز المادة على دوره في تأمين الطريق الدولي M5 بين دمشق وحلب، وملاحقة خلايا داعش في العمق الصحراوي.

4. فيلق دمشق والجنوب: بقيادة العميد عمر محمد جفتشي، المعروف بـ”مختار التركي”، وهو مواطن تركي تذكر المادة أنه مقرب من الاستخبارات التركية والرئيس أحمد الشرع، ومن مؤسسي الهيئة. ويشمل دمشق، وريف دمشق، ودرعا، والقنيطرة، وخطوط التماس مع الاحتلال الإسرائيلي والحدود اللبنانية. وتمنح المادة هذا الفيلق أهمية خاصة لأنه الأكثر اتصالاً بجبهة الجولان والمنطقة العازلة وجنوب سورية.

5. الفيلق الغربي والساحلي: بقيادة العميد منير الشيخ، القيادي السابق في الهيئة. ويغطي الساحل السوري، وجبال العلويين في اللاذقية وطرطوس وجبلة. وترتبط مهامه، وفق المادة، بحماية الموانئ والمنشآت الحيوية، وضبط المنطقة المحيطة بالوجود العسكري الروسي في قاعدة حميميم.

بهذا المعنى، لا تتعامل مادة ألما مع إعادة الهيكلة كمسألة إدارية داخل الجيش السوري فقط، بل تستخدمها لقراءة توزع القوة داخل سورية، وترسيخ سردية التغلغل التركي في المنظومة العسكرية السورية، والجبهات التي يمكن أن تشكل مصدر قلق أمني لإسرائيل، وفي مقدمتها الجنوب السوري.

ثانياً: منطق التهديد في قراءة مركز ألما

لا تقتصر مادة دانا بولاك على عرض الهيكلية المفترضة للجيش السوري الجديد، بل تحاول بناء قراءة أمنية تقوم أساساً على ربط إعادة التنظيم العسكري بخلفيات القادة السابقين. فبدلاً من التعامل مع عملية دمج الفصائل ضمن مؤسسة رسمية تابعة لوزارة الدفاع بوصفها جزءاً من مسار بناء الدولة واحتكار السلاح، تميل المادة إلى تقديمها كاستمرارية لبنية أيديولوجية سابقة، مع التركيز على أن عدداً من قادة الفيالق مرّوا بتجارب عسكرية داخل جبهة النصرة أو لاحقاً داخل هيئة تحرير الشام.

تبدو إشكالية هذه القراءة في أنها تختزل التحول الجاري داخل المؤسسة العسكرية السورية في السيرة السابقة لبعض القادة، وتتجاهل السياق الجديد الذي يعملون ضمنه اليوم. فهؤلاء لم يعودوا يتحركون ضمن تنظيمات مستقلة أو مشاريع عابرة للحدود، بل ضمن تشكيلات عسكرية رسمية مرتبطة بوزارة الدفاع، ومحكومة بتوازنات داخلية وتفاهمات إقليمية ودولية تجعل إعادة إنتاج السلوك القديم أمراً أكثر تعقيداً مما توحي به المادة.

ويظهر هذا المنطق بوضوح أكبر في تناول المادة لـ فيلق دمشق والجنوب وقائده عمر محمد جفتشي، المعروف بـ”مختار التركي”. فالمادة تمنح هذا الفيلق وزناً خاصاً بسبب موقعه الجغرافي المتصل بدرعا والقنيطرة والجولان المحتل، وتتعامل مع انتقال الجنوب من حالة الفصائل المحلية المتعددة إلى قيادة عسكرية مركزية بوصفه تطوراً مقلقاً للاحتلال. هنا لا يكون مصدر القلق هو الفوضى أو ضعف الضبط، بل العكس تماماً: عودة المركزية العسكرية السورية إلى منطقة شديدة الحساسية.

كما تستخدم المادة البعد التركي في سِير بعض القادة لتقديم إعادة هيكلة الجيش باعتبارها امتداداً لنفوذ أنقرة داخل سورية. فالتركيز على جنسية جفتشي، وعلى صلات بعض القادة السابقين بالفصائل المدعومة تركياً، لا يأتي في سياق توصيف محايد فقط، بل يخدم سردية ترى في الجيش السوري الجديد بنية واقعة تحت تأثير تركي واسع. غير أن هذه القراءة تبقى انتقائية، لأنها تفترض أن أي دور تركي في مرحلة إعادة البناء يلغي بالضرورة هامش حركة دمشق وقدرتها على إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية وفق حساباتها السيادية الخاصة.

بهذا المعنى، تكشف مادة ألما عن قلق إسرائيلي مزدوج، متمثّل في القلق من الخلفيات الأيديولوجية لبعض القادة، وقلق أكبر من انتقال سورية تدريجياً من حالة التشتت العسكري إلى بنية أكثر تنظيماً ومركزية. ولذلك تبدو إعادة الهيكلة، في هذه القراءة، أقل ارتباطاً بإصلاح المؤسسة العسكرية السورية، وأكثر ارتباطاً بالسؤال الإسرائيلي التقليدي حول حدود القوة التي يمكن السماح للدولة السورية باستعادتها في الجنوب وعلى مقربة من الجولان.

ثالثاً: ملاحظات نقدية على قراءة مركز ألما لتنظيم الفيالق

تبدو قراءة مركز ألما لإعادة تنظيم الجيش السوري محكومة إلى حد كبير بالهاجس الأمني الإسرائيلي. فهي تتعامل مع الانتقال من بنية فصائلية متفرقة إلى تشكيلات عسكرية أكثر انتظاماً بوصفه مؤشراً على تهديد جديد، في حين يمكن النظر إلى المسار نفسه من زاوية مختلفة. بوصفه محاولة لإعادة ضبط السلاح، وتوحيد القرار العسكري، وربط التشكيلات السابقة بوزارة الدفاع بدل بقائها خارج التسلسل المؤسسي للدولة.

لا يعني دمج قادة سابقين في بنية عسكرية رسمية أن خلفياتهم السابقة لم تعد مهمة، أو أنها لا تستحق المتابعة. لكن تحويل هذه الخلفيات وحدها إلى دليل على استمرار البنية الأيديولوجية القديمة يختزل المشهد كثيراً. الفارق الأساسي هنا أن هؤلاء القادة لم يعودوا يعملون ضمن فصائل مستقلة، بل داخل إطار رسمي يحد من هامش الحركة الفردية، ويجعل القرار العسكري أكثر ارتباطاً بحسابات الدولة وتوازناتها الداخلية والخارجية.

ومن الواضح أن مصدر القلق في قراءة ألما لا يرتبط فقط بماضي بعض القادة، بل أيضاً بفكرة استعادة دمشق جزءاً من قدرتها على تنظيم القوة داخل البلاد. فوجود جيش أكثر مركزية في الجنوب، أو على خطوط التماس القريبة من الجولان، يقلص المساحة التي اعتادت إسرائيل التعامل معها كمنطقة رخوة أمنياً. بهذا المعنى، لا تخشى إسرائيل الفوضى بالضرورة، بل قد يكون قلقها الأكبر من أن تنتهي الفوضى بطريقة تعيد للدولة السورية قدرة أكبر على إدارة حدودها ومناطقها الحساسة.

كما أن ربط المادة بين إعادة الهيكلة العسكرية وبين نوايا هجومية أو أيديولوجية لا يبدو مقنعاً بما يكفي. فالمهام المطروحة للفيالق، وخصوصاً في الشرق والوسط والساحل، ترتبط بملفات أكثر إلحاحاً بالنسبة لدمشق: مكافحة تنظيم داعش، ضبط الحدود، تأمين الطرق الرئيسية مثل طريق M5، حماية الموانئ والمنشآت الحيوية، والتعامل مع ملف حقول الطاقة. هذه الملفات لا تلغي الهواجس الأمنية المحيطة ببناء الجيش الجديد، لكنها تضعها في سياق أوسع يرتبط بإعادة بسط السلطة، وتحسين قدرة الدولة على إدارة الأمن الداخلي، وخلق بيئة أكثر استقراراً للتعافي الاقتصادي.

لذلك، يمكن القول إن إشكالية تقرير ألما ليست في متابعة إعادة هيكلة الجيش السوري بحد ذاتها، فهذا أمر مفهوم من زاوية إسرائيلية. الإشكالية تكمن في الطريقة التي يعيد بها التقرير تفسير كل خطوة تنظيمية باعتبارها تهديداً مباشراً، وكل عملية دمج عسكري باعتبارها استمراراً للماضي نفسه. مثل هذه القراءة لا تشرح التحول الجاري داخل سورية بقدر ما تعيد إنتاج سؤال أمني إسرائيلي قديم: إلى أي حد ينبغي السماح للدولة السورية باستعادة أدوات القوة قرب حدود الجولان وجنوب سوريا؟