- صعّدت حكومة نتنياهو شروطها بفرض مناطق عازلة في غزة ولبنان وسوريا وحرية العمل في أجواء الجوار، ولا تملك أي حكومة مقبلة القدرة أو الاستعداد لدفع أثمان سياسية للتراجع عنها.
- 66% من اليهود الإسرائيليين يصنّفون أنفسهم في خانة اليمين، وتؤيّد الأغلبية طرد سكان غزة واستئناف القتال، مما يدحض افتراض الغرب بأن التطرف ينحصر في شخص نتنياهو.
- تتبنى قوى المعارضة الصهيونية (بينيت، ايزنكوت، ولابيد) الخطوط الحمر ذاتها تجاه ملفات غزة وسلاح حزب الله والاشتراطات في سوريا، وتنحصر خلافاتها في الداخل فقط.
- الخوف هو استغلال الغرب لحكومة ليبرالية جديدة كذريعة لتبييض صورة الاحتلال واستئناف الشراكات، بالتركيز على إصلاح القضاء داخلياً وتجاهل استمرار الاستيطان والاحتلال.
- يجب أن يُقاس أي تغيير بالانسحاب من الأراضي السورية واللبنانية المحتلة، وإنهاء حرب غزة، ووقف الاستيطان، لا بتعديل الخطابات أو الوجوه.
مقدّمة
يستعد الإسرائيليون يوم 27 أكتوبر للتوجه إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الكنيست السادس والعشرين منذ تأسيس دولة الاحتلال، في استحقاق وصفته قراءات غربية وعربية بأنه قد يكون الأكثر أهمية في تاريخ الدولة.
يتفق جانبٌ كبيرٌ من الإسرائيليين مع هذا الوصف وفق استطلاع الرأي الذي أجراه “معهد أبحاث سياسة الشعب اليهودي” الشهر الماضي إذ يرى نحو 39% أن هذه هي الانتخابات الأهم منذ “تأسيس” إسرائيل، فيما يرى 40% آخرون أنها هامة “بدرجة خاصة”. أي أن أهمية هذه الانتخابات لا تخفى عن أربعة من أصل خمسة إسرائيليين، بين من يرى أنها الأهم أو بالغة الأهمية لدولة الاحتلال.
وهذا، من المنظور الداخلي الإسرائيلي على الأقل، ليس بالأمر المستغرب، ولعل أكثر سببٍ مباشرٍ لذلك هي أن هذه أول انتخاباتٍ تُجرى بعد هجمة 7 أكتوبر، وما تلاه من حرب مدمرة على قطاع غزة، وحرب مع حزب الله في لبنان، وحرب مع إيران، إضافة إلى التوغّل والاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري بعد سقوط نظام الأسد.
وعلى خلاف الجولات الانتخابية المتكررة بين 2019 و2022، التي غلب عليها أنها شأنٌ داخلي إسرائيلي تحكمه القضايا الراهنة بواقع الأراضي المحتلة ودولة الاحتلال، تُتابع عواصم كثيرة حول العالم هذا الاستحقاق باعتباره لحظة مفصلية قد تحدّد مسار سياسات دولة الاحتلال وعلاقاتها مع المجتمع الدولي.
يضعنا كل ذلك أمام سؤالين جوهريين تحاول هذه المقالة الإجابة عنهما: لماذا تبدو هذه الانتخابات “مصيرية” للعالم أجمع، لا للإسرائيليين وحدهم؟ وهل التعويل عليها هو أمرٌ في محله للشعب السوري وغيره من الشعوب؟
أولاً: اختبارٌ لنتائج الحرب وخطاب “النصر المطلق”
تشكّل هذه الانتخابات أول اختبار انتخابي لنتائج الحرب التي شنتها دولة الاحتلال منذ أكثر من ثلاث سنوات. فالناخب الإسرائيلي الذي يرى أن حكومة نتنياهو حقّقت ما وعدت به من “نصر مطلق” وإنهاء للتهديدات الأمنية سيصوّت لصالح استمرارها، فيما سيصوّت ضدها من يعتقد أنها أخفقت، أو أنها ورّطت دولته في مستنقع مكلف عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً.

إعلان ترويجي يجمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنافسه المعارض غادي آيزنكوت – 23 سبتمبر 2026 | مصدر الصورة: وكالة أسوشيتد برس
وحتى الآن، تعكس استطلاعات الرأي صورةً غير حاسمة، مع تفوّقٍ طفيفٍ لمعسكر المعارضة في معظمها، وإن ظلّ هذا التفوّق رهناً بتجاوز بعض الأحزاب عتبة دخول الكنيست. فحتى تاريخ 23 أكتوبر 2026، منحت استطلاعات القنوات 12 و13 وهيئة البث الإسرائيلية معسكر ايزنكوت ما بين 52 و56 مقعداً، مقابل 50 مقعداً لمعسكر نتنياهو، فيما خالف استطلاع قناة i24 هذا الاتجاه، مانحاً معسكر نتنياهو 55 مقعداً مقابل 47 لمعسكر ايزنكوت. وتراوحت حصة الأحزاب العربية بين 14 و16 مقعداً، من دون احتسابها ضمن أيٍّ من المعسكرين.
وكما ذكرنا، فإن نسبة الحسم هنا ترتبط كثيراً بقدرة الأحزاب الصغرى على تجاوز عتبة الحسم. حصل حزب فينتر على أربعة مقاعد في استطلاع «i24» وحده، فيما نال حزب الاقتصاديين والاحتياط أربعة مقاعد في استطلاع هيئة البث فقط، ولم يتجاوز أيٌّ منهما العتبة في استطلاعي القناتين 12 و13. وبذلك، لا يمنح أيٌّ من هذه الاستطلاعات أحد المعسكرين أغلبيةً من 61 مقعداً بمفرده، وتبقى إمكانية تشكيل الحكومة مرتبطةً بنتائج الأحزاب المتأرجحة عند عتبة الحسم، وبالتحالفات الممكنة بعد الاقتراع.
وتفهم مراكز الأبحاث هذه العلاقة إلى حدٍّ كبير، وينعكس ذلك في الأسئلة التي تطرحها في استفتاءاتها خلال الأشهر الماضية. من ذلك مثلاً المؤشّر الصادر عن معهد سياسة الشعب اليهودي في يوليو 2026 الذي أظهر تراجع الشعور بتحقيق النصر بين من يعرّفون أنفسهم بالوسط من 37% إلى 14% خلال عام واحد، بينما بقي مرتفعاً (74%) لدى اليمين وحده. وهو ما يعني أن الحكومة تدخل الانتخابات وهي غير قادرة على تسويق مسألة الحسم الموعودة خارج قاعدتها الأيديولوجية، رغم حجم الدمار الذي ألحقته بغزة ولبنان وجرائم الحرب الموثقة التي رافقت ذلك والحروب اللا متناهية على مختلف الجبهات، ولعلّ الخطاب الإسرائيلي مرتفع السقف الذي وعد مثلاً بإسقاط النظام الإيراني وبنزع سلاح حزب الله كما تحدث كاتس له دوره في ذلك.

تصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على مدينة غزة – 24 أغسطس 2026 | مصدر الصورة: وكالة أسوشيتد برس
يكشف استطلاع معهد دراسات الأمن القومي بمناسبة مرور ثلاثة سنوات على 7 أكتوبر أيضاً فجوة ليست مفاجئة بين ثقة الإسرائيليين بالمؤسسة العسكرية في مقابل الحكومة الإسرائيلية، وبين ما سوّقه المستوى السياسي وما يراه الإسرائيليون بشأن ما يتعلق بصورة النصر، فتصور “النصر” يبقى متدنياً في جميع الجبهات: 27% فقط من الجمهور يرون أن دولة الاحتلال انتصرت في جبهة غزة، و38% في جبهة لبنان، و23% فقط في المواجهة مع إيران. 38% يرون أن الوضع الأمني تحسّن مقارنة بما قبل 7 أكتوبر، و32% يرون أنه تدهور، و26% يرون أنه لم يتغير جوهرياً. فيما قال 61% أنهم راضون عن إدارة الجيش للحرب مقابل 34% حين يتعلق الأمر بإدارة الحكومة لها.
كل هذه التفاصيل تحول صناديق الاقتراع إلى محكمة رأي عام إسرائيلية على الحرب نفسها من حيث النتائج ذات البعد الأمني، لكن بكل تأكيد تبعات السابع من أكتوبر ليست وحدها محدد المصوّت الإسرائيلي، فقضايا داخلية مترسخة كمسألة تقليص صلاحيات المحكمة، وطريقة إدارة الدولة، وهوية إسرائيل بين الدينية والعلمانية اليهودية كلهما عوامل مفصلية توجّه صوت الناخب، وأحياناً قبل حتى الاعتبارات الأمنية.
ثانياً: عواصم تبحث عن مدخل لإعادة العلاقات مع إسرائيل
قد يكون هذا أحد أكثر أبعاد الانتخابات أهميةً بالنسبة إلى العالم؛ فقد شهدت علاقات إسرائيل بعدد من الدول الغربية تدهوراً ملحوظاً خلال الحرب. فإسبانيا استدعت سفيرها في سبتمبر 2025 من تل أبيب، وأقرّت حظراً على الأسلحة ضمن إجراءات قالت إنها تستهدف وقف الإبادة في غزة، فيما اعترفت فرنسا بالدولة الفلسطينية في 22 سبتمبر 2025. أمّا بريطانيا، فأبقت على تعليق تراخيص الأسلحة المستخدمة في غزة، وعددها أكثر من ثلاثين ترخيصاً، وأعلنت في سبتمبر 2026 عزمها حظر استيراد بضائع المستوطنات وفرض إجراءات تستهدف المساهمين في توسّعها. وفي الشهر نفسه، التزمت فرنسا وكندا، إلى جانب بريطانيا، باتخاذ خطوات لحظر استيراد بضائع المستوطنات، ضمن بيان مشترك شمل الدنمارك وفنلندا والنرويج ودولاً أخرى، مع تفاوت بين إجراءات اتُّخذت بالفعل وأخرى أُعلنت أو بقيت قيد النظر.

أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيزحظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل ومنع سفن الوقود العسكري من الرسو في الموانئ الإسبانية لوقف الإبادة في غزة، واستدعت مدريد سفيرها للتشاور – 8 سبتمبر 2025 | مصدر الصورة: وكالة فرانس برس
وامتدّ الضغط إلى أوساط دبلوماسية سابقة، إذ طالب أكثر من مئة دبلوماسي فرنسي وبريطاني سابق حكومتيهما بفرض عقوبات على إسرائيل، شملت مقترحاتهم تعليق اتفاقات تجارية ووقف نقل الأسلحة والتعاون العسكري وحظر التجارة مع المستوطنات. واعتبر الموقّعون أن العالم لم يعد ينظر إلى دولة الاحتلال بوصفها ديمقراطية حقيقية.
وتتيح حكومة جديدة بوجه ليبراليٍّ جديد القول إن صفحة نتنياهو طُويت، وإن بالإمكان العودة إلى الشراكة المعتادة واتفاقات التعاون التجاري والأمني المعلّقة.
ويمكن لمس هذا التأمّل عند هذه الدول في صياغتها للتصريحات الناقدة لدولة الاحتلال، فدائماً ما تشدّد على أن النقد موجه لحكومة نتنياهو، لا للشعب الإسرائيلي نفسه. والمفارقة في ذلك أن استطلاعات الرأي، التي تستفتي رأي الشعب نفسه، لم تُظهر اعتراضاً على الممارسات الإسرائيلية العدائية الخارجية، بل على العكس تمامَاً، عادة ما أظهرت تعاطفاً وتأييداً حتى للسياسات الأكثر تطرّفاً كالمطالبة بالتطهير العرقي لقطاع غزة، ولعلّ بين آخر التصريحات ما صدر عن وزير الخارجية البريطاني مشدداً أن خلاف بريطانيا “ليس مع شعب إسرائيل، الذي تربطه بالمملكة المتحدة روابط لا تتزعزع، بل خلاف مع سلوك حكومة نتنياهو“.
ثالثاً: ملفات إقليمية مجمدة تنتظر ما بعد الانتخابات
تأتي الانتخابات الإسرائيلية في وقتٍ تزال فيه ملفات إقليمية أساسية عالقة بين تفاهمات سياسية وتنفيذ متعثّر. وقد يؤثر شكل الحكومة المقبلة في مسار هذه الملفات وما قد يلحق بها من ترتيباتٍ سياسيةٍ وأمنية بعد الانتخابات.
أ. ملف غزة وخطة ترامب
رغم إعلان المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية في 14 يناير 2026، وتشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة القطاع برئاسة علي شعث، ظلّ التنفيذ متعثراً، فيما كانت عناصر أساسية من المرحلة الأولى، بما فيها وقف إطلاق النار بصورة كاملة، لم تُستكمل بعد. وتعمل اللجنة، وفق التصور المعلن، تحت إشراف مجلس السلام.

ترامب يرفع ميثاق “مجلس السلام” بعد توقيعه وسط قادة دول مشاركة، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس – 22 يناير 2026 | مصدر الصورة: غيتي
وفي 9 أغسطس، أعلن نتنياهو رفض الوثيقة المكوّنة من 15 بنداً التي طرحها مجلس السلام، مؤكّداً رفض الانسحاب قبل نزع سلاح حماس بالكامل. ثم نفى مكتبه في 20 أغسطس أن تكون القيادة السياسية قد أجازت دخول قوة الاستقرار الدولية إلى القطاع، وشدّد على عدم بدء إعادة الإعمار قبل نزع سلاح الحركة، مع وجود تقارير لاحقة تحدّثت عن موافقات أولية ومشروطة. وحتى أكتوبر، ظلت بعض مشاريع القوة الدولية وإعادة الإعمار بانتظار موافقات إسرائيلية، بما يعكس استمرار التعثر في تنفيذ الخطة.
ب. الملف اللبناني
شهد عام 2026 مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، أفضت، بعد خمس جولات في واشنطن، إلى توقيع اتفاق إطار ثلاثي في 26 يونيو. وقام التصور على انسحاب إسرائيلي تدريجي وتولّي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية، ضمن مسار لبسط سلطة الدولة ونزع سلاح حزب الله، مع اعتماد مناطق تجريبية لاختبار التنفيذ.

اجتماع بين وفدَي إسرائيل ولبنان في مقر وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن، بحضور سفيرَي البلدين لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر وندى حمادة – 3 يونيو 2026 | مصدر الصورة: وكالة فرانس برس
لكنّ تطبيق هذه التفاهمات بقي محدوداً؛ إذ أظهرت متابعة ميدانية في أكتوبر تعثّر نموذج المناطق التجريبية، فيما استمرت دولة الاحتلال في تثبيت وجودها العسكري في مواقع أخرى. وأعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر تعزّز ما سمّاه «المنطقة الأمنية»، مؤكداً أن القوات لن تنسحب من الموقع. ومع ذلك، لم يتوقف التفاوض بالكامل، فقد بدأت محادثات عسكرية وتقنية في فلوريدا يوم 20 أكتوبر لمراجعة تنفيذ اتفاق يونيو ومناقشة المناطق المقرر أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية. ولذلك، فإن وصف المسار بأنه متعثّر أدقّ من اعتباره مجمّداً دون جولات جديدة.
ج. الملف السوري
قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن المفاوضات مع إسرائيل قطعت من طريق التوصّل إلى تفاهم على القضايا المطروحة نحو 90%، قبل أن يتراجع الجانب الإسرائيلي أو يضيف شروطاً جديدة، مؤكّداً أن المفاوضات لا تزال مستمرة. وشدّد على أن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتُلّت بعد سقوط النظام السابق والعودة إلى ترتيبات عام 1974 يسبقان الانتقال إلى بحث سلام دائم.
وكانت جولات باريس برعاية أمريكية قد أسفرت في 6 يناير 2026 عن إعلان آلية تواصل مشتركة، هدفها التنسيق في تبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري والتواصل الدبلوماسي والفرص التجارية. غير أن هذا المسار لم يمنع استمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب السوري، طوال العام، بل رصد مركز سجل تصعيداً خطيراً في شهر أكتوبر تحديداً تمثّل في خطط لبناء نقطة استطلاعٍ جديدة، قُبيل الانتخابات، كان آخرها قتل مواطن سوري في قرية جملة بريف درعا. عمليات دهم في درعا خلال أكتوبر. وكانت إسرائيل قد دخلت المنطقة العازلة ومواقع مجاورة عقب سقوط النظام السابق، بعدما أعلن نتنياهو أن اتفاق عام 1974 قد انهار.

رابعاً: ملفات إسرائيلية داخلية أزاحتها الحرب ولم تحسمها
قبل 7 أكتوبر 2023، كانت إسرائيل غارقةً في أزمة دستورية حول مشروع التعديلات القضائية الذي دفع به ائتلاف نتنياهو لتقليص القيود القضائية على الحكومة وتعزيز نفوذه في تعيين القضاة. وأثارت هذه الخطوات احتجاجات واسعة امتدت إلى قطاعات اقتصادية وشبكات جنود الاحتياط، وصولاً إلى التهديد بوقف التطوع للخدمة. وبعد إقرار تعديل يلغي رقابة المحاكم على «معقولية» قرارات الحكومة والوزراء في يوليو، عقدت المحكمة العليا جلسة بكامل هيئتها للنظر في الطعون عليه في سبتمبر، لتدخل إسرائيل الحرب والمواجهة بين الحكومة والقضاء في ذروتها.

إسرائيليون يشاركون في احتجاج وقّع فيه جنود احتياط تعهداً بتعليق خدمتهم العسكرية التطوعية إذا أقرّت الحكومة تشريعات التعديلات القضائية، قرب وزارة الدفاع في تل أبيب – 19 يوليو 2023 | مصدر الصورة: رويترز
وتداخلت هذه الأزمة مع محاكمة نتنياهو بتهم الفساد، بما أضفى بُعداً شخصياً على صراعه مع المؤسسات القانونية، ومع الخلاف حول إعفاءات الحريديم من الخدمة العسكرية وتوزيع الأعباء بين فئات المجتمع. وكانت موازنة عامَي 2023–2024 قد كشفت حجم اعتماد نتنياهو على شركائه من اليمين الصهيوني المتطرّف؛ إذ ساعدت زيادة مخصصات المؤسسات الدينية وطلاب المعاهد الحريدية على احتواء خلافات الائتلاف، لكنها أثارت احتجاجات على أولويات الإنفاق في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. وهكذا، لم يكن الخلاف مقتصراً على صلاحيات القضاء، بل شمل أيضاً من يخدم، ومن يحصل على التمويل، ومن يتحمّل الأعباء الاقتصادية.
ولم تُنهِ الحرب هذه الملفات بقدر ما أعادت ترتيب حضورها؛ فقد عُلّق الدفع بمشروع التعديلات القضائية في إطار ترتيبات حكومة الطوارئ، لكن النزاع المؤسسي لم يختفِ، فيما استؤنفت المحاكمة في ديسمبر 2023، وأصدرت المحكمة العليا حكمها بإبطال تعديل المعقولية في يناير 2024. لذلك، تبدو الانتخابات المقبلة ساحةً لإعادة طرح خلافات سبقت الحرب ولم تُحسم خلالها. فكما ذكرنا، فإلى جانب سؤال الأمن، تبقى أسئلة حدود السلطة واستقلال القضاء وتوزيع الموارد والالتزامات جزءاً من المنافسة الانتخابية، ولعلها عند شرائح من الإسرائيليين ملفات تسبق في أهميتها الملف الأمني.
خامساً: السؤال الأهم… هل تستطيع حكومة جديدة النزول عن السلّم؟
يشكّل هذا التعويل الدولي والإقليمي على تغير حكومة نتنياهو تحدياً كبيراً، فحكومة نتنياهو صعّدت عالياً على سلّم التصعيد والتوسع: مناطق أمنية عازلة في غزة ولبنان وسوريا، وممارسات استيطانية هي الأعنف في الضفة الغربية، وحروبٌ ذات طابع تأثير دولي كالحربين على إيران. وشروط سيادية تفرضها على محيطها تتعلق بمسائل كحرية العمل في أجواء هذه الدول. كل هذه المعطيات تطرح تساؤلاً منطقياً حول إذا ما كانت تستطيع أي حكومة جديدة النزول عن هذا السلّم؟ المؤشرات لا تبشّر كثيراً، فالمجتمع الإسرائيلي ازداد تطرفاً خلال سنوات الحرب: 66% من اليهود الإسرائيليين باتوا يصنّفون أنفسهم في خانة اليمين، أكثر من 65% مثلاً يؤيدون العودة للحرب على غزة.

دبابة و عربة لقوات الاحتلال الإسرائيلي تقطع طريق جبا – أم باطنة بريف القنيطرة الأوسط – 8 أكتوبر 2026 | مصدر الصورة: مركز سجل
ويرى مركز سجل أن تقبّل الحلول السياسية القائمة على ما يوصف إسرائيلياً “بالتنازلات” أضعف من أي وقت مضى، حتى لدى قوى المعارضة الصهيونية من بينيت إلى ايزنكوت ولابيد التي لا تختلف برامجها في الملفات الخارجية جوهرياً عن برامج الائتلاف الحاكم: فهي تتبنّى الخطوط الحمر ذاتها تجاه غزة وسلاح حزب الله ومواقف غبير واضحة تجاه الاشتراطات الأمنية في سوريا. فيما تعد نقاط الاختلاف الجوهرية في الأولويات الداخلية، وبالتالي فإن حقيقية هذا التعويل موضع شك كبير: تغيير الوجوه لا يعني تغيير المعادلات التي رسّختها الحرب، ولا يعني بالضرورة أو بشكل مضمون قيادة مستعدة لدفع أثمان سياسية مقابل التسويات، لكنه في المقابل يفتح طريقاً لفحص سقف المتطلبات الإسرائيلية وقياس حجم التغيير فيها، وقابلية قبولها أو التفاوض عليها وتطبيقها على أرض الواقع.
خاتمة: الخشية من “تغيير شكلي” يعيد تسويق الاحتلال
ما ذُكر في الفصل السابق يسوق المرء إلى خشية أعمق: هل تبحث الدول الراغبة بإعادة علاقاتها مع إسرائيل عن تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية وتصرُ عليه كشرط أساسي لإعادة العلاقات إلى سابق عهدها، أم أنها قد تقبل تغيراً شكليا نحو حكومة أكثر ليبرالية تتيح لها تسويق إعادة إسرائيل إلى المجتمع الدولي وإلى شعوبها؟ التجربة التاريخية تقول إن هذه الخشبة وارد بقوة، فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، يمينها ووسطها ويسارها الصهيوني، لم تختلف في جوهر سياسة الاستيطان والتوسّع، وإن اختلفت في لغتها وأسلوب تسويقها. فحكومة “تغيير” تتراجع عن تغييرات النظام القضائي، وتعيد الاعتبار لصورة إسرائيل الديمقراطية داخلياً قد تكون كافية لبعض العواصم الأوروبية لتبرير فتح صفحة جديدة، من دون أي تغيير حقيقي في الملفات الخارجية.
وهنا يجب التأكيد على أن جوهر السياسات الإسرائيلية وهو ما يهم العالم والمنطقة يجب أن يرتبط بالقضايا الخارجية: بمسار واضح يتعلق بمنع التوسع الاستيطاني وممارسات المستوطنين، والانسحاب من الأراضي اللبنانية والسورية المحتلة، وإنهاء الحرب على قطاع غزة والانسحاب منها وفق خطة دولية عادلة، واحترام سيادة الدول المجاورة، لا بالتغيّرات الداخلية الإسرائيلية. فالتراجع عمّا تصفه المعارضة بالانقلاب القضائي مثلاً مشكلة إسرائيلية داخلية بحتة.
لذلك فالتعويل على هذه الانتخابات بشكل يفرط في التفاؤل، وخصوصاً لدى دولةٍ مثل سوريا، قد يعني قراءة استراتيجية خاطئة، وسيظل ناقصاً إذا اختار أن يقيس التغيير بمقياس الوجوه والخطابات، لا بمقياس السياسات والممارسات على الأرض. فالحكومة الإسرائيلية الجديدة أيّاً كانت يجب أن تُختبر في الملفات الخارجية أولاً، وفي مدى قابلية التوصل لتفاهمات سياسية تتراجع فيها عن بعض ممارسات حكومة نتنياهو.
حكومة نتنياهو وصلت حداً لم تصله الحكومات الإسرائيلية السابقة، وتحولت إلى عبئ حتى على كثير من حلفائها كما وصفها مثلاً وزير الخارجية التركي الذي قال إنها باتت عبئاً حتى على إسرائيل نفسها، وبالتالي مراقبة أي تغيير قادم يجب أن تكون مراقبة حذرة ولصيقة، لكل ملف من الملفات التي أوغلت إسرائيل في ممارساتها فيها.





