رشّ الاحتلال الإسرائيلي للمبيدات على الأراضي الزراعية في جنوب سوريا خيار استراتيجي لتهجير المزارعين من أراضيهم

لتحميل هذا التقرير بصيغة PDF من هنا

طرأت تغييرات كبيرة وجذرية على طول خط فض الاشتباك منذ سقوط نظام الأسد. فبات جنوب غرب سوريا مسرحاً لعمليات إسرائيلية غالبيتها في محافظة القنيطرة، تنوّعت بين التوغّل وإقامة نقاط التفتيش والقصف ومداهمة المنازل، وغير ذلك، بالإضافة إلى احتجازات المدنيين، كما وثّق مركز سجل. ولكن برز مؤخّراً نمطٌ جديد من الانتهاكات الإسرائيلية، هو رشّ مبيدات كيماوية على الأراضي الزراعية والرعوية المحاذية للشريط الفاصل. 

يرصد مركز سجل في هذا التقرير الموجز رشّ المبيدات على الأراضي الزراعية وما لها من ارتباطات بالسياق العام في الجنوب السوري وعمليات الاحتلال الإسرائيلية هناك.

ويستند هذا التقرير على الجهود الميدانية التي قام بها فريق سجل، بما في ذلك جمع للشهادات من مزارعين ومسؤولين حكوميين، بالإضافة إلى البحث في المصادر الثانوية. 

تسلسل عمليات الرش

كانت أولى عمليات الرش، كما رصد مركز سجلّ، ظهر الأحد 25 يناير 2026، مستهدفة قرى كودنة والعشة والأصبح في ريف القنيطرة الجنوبي. واستمرت الطائرات بالتحليق لنحو أربع ساعات متواصلة، ناشرة مادة لم تُعرف طبيعتها في حينه.

بعد يومين، بتاريخ 27 يناير 2026، انتقلت العمليات إلى قرية صيدا الحانوت، حيث استُهدفت مزرعة الرزانية الواقعة غرب البلدة. وفي 30 يناير،توسّعت دائرة الاستهداف لتشمل ريف القنيطرة الشمالي، وتحديداً قرى جباثا الخشب وأوفانيا والحرية والحميدية، إضافة إلى العدنانية ورويحينة وبلدة بئر عجم في الريف الأوسط. وبهذا امتدت عمليات الرش على طول خط فضّ الاشتباك لمسافة تجاوزت 65 كيلومتراً.

مساحات خضراء تبدّل لونها للأصفر: أضرار واسعة خلال أيام

خلال أسبوع واحد فقط، يبست مساحات خضراء واسعة. في ريف القنيطرة الجنوبي وحده، تضرّرت مراعي تقدّر بنحو 3500 دونم، منها 1500 دونم من الأحراج كانت قوات الاحتلال قد قصّت أشجارها مطلع عام 2025. كما تضرّر نحو 450 دونماً من المزروعات الشتوية (قمح، شعير، فول)، إضافة إلى قرابة 50 دونماً من أشجار الزيتون. وذلك بحسب إحصائية مديرية الزراعة في تصريح لمركز سجل.

الأراضي الرعوية المتضررة في قرية كودنة بريف القنيطرة الأوسط- 12 فبراير 2026

وتأثّر بشكل مباشر مئات المزارعين ورعاة الأغنام في منطقة يعتمد سكانها بصورة أساسية على الزراعة وتربية المواشي كمصدر دخل رئيسي. ولم تُسلَّم حتى نبتة “الخبيزة”، التي تعد طبقاً شتوياً رئيسياً لدى أهالي القنيطرة، إذ يبست واصفرت بفعل المبيد، ما حرم العائلات من مورد غذائي موسمي اعتادوا عليه.

قال خالد شمس الرحيل، أحد المتضرّرين، في شهادته لمركز سجل إن المراعي فُقدت بالكامل، ما اضطر المربين للاعتماد على الأعلاف مرتفعة الثمن، وهو ما قد يدفع بعضهم لبيع جزء من قطعانهم لتأمين غذاء ما تبقى منها. وأضاف أن ابنه كان يرعى الأغنام أثناء الرش، وأصيب باحمرار شديد في العينين لساعات طويلة، فيما بدت الأغنام في اليوم التالي مرهقة وغير قادرة على الخروج للرعي.

وفي مزرعة الرزانية، أفاد المزارع فادي المغتري لمركز سجل بنفوق عدد من الأغنام بعد عملية الرش بثلاثة أيام مضيفاً: “منذ أسبوع رشّ الطيران الإسرائيلي رش الأراضي على طول الشريط من أراضي رعوية واراضي مزروعات شتوية وشجر الزيتون. الموسم الفائت كان موسم جفاف وهذا الموسم خسارة كاملة بفعل الاحتلال”. 

أشجار الزيتون المتضرّرة في قرية كودنة بريف القنيطرة الأوسط – 12 فبراير 2026

نتائج التحاليل وردود الفعل

أوضح مدير مديرية الزراعة في القنيطرة في تصريح لمركز سجل أن فريقاً فنياً مختصاً باشر، منذ اليوم التالي لأول عملية رش، بجمع عينات من المياه والتربة والنباتات من المواقع المتضررة في ريف القنيطرة الجنوبي، وذلك بالتنسيق مع الجهات العلمية المعنية. وأشار إلى أن المديرية طلبت من المواطنين والمزارعين تجنّب دخول المناطق التي طالتها عمليات الرش مؤقّتاً، إلى حين صدور نتائج التحاليل المخبرية، حرصاً على السلامة العامة.

وفي بيان توضيحي صدر عن دائرة الإعلام في وزارة الزراعة السورية بتاريخ 11 فبراير، أكّدت الوزارة أن جميع العينات كانت غير سامة وفق اختبارات السمية الحادة المعتمدة، ولم تُسجّل مواد عضوية ضارة في عينات المياه بحسب طرق التحليل المستخدمة، مع وجود آثار لبعض المبيدات العشبية عريضة ورفيعة الأوراق في بعض العينات النباتية ضمن التحليل الكيفي. 

 وشدّدت الوزارة على متابعة سلامة المياه والتربة والنباتات بشكل دوري، والتعاون مع الجهات العلمية لرصد أي مؤشرات غير طبيعية، مع إبقاء المواطنين على اطلاع مستمر، والعمل لمنع تكرار مثل هذه التعديات، وحماية صحة السكان وسلامة البيئة والإنتاج الزراعي.

ويجدر في هذا السياق الإشارة إلى أنّ نتائج اختبارات السمية الحادة لا تنفي وجود أثر بيئي أو زراعي لهذه المبيدات. إذ قالت المديرية في تصريحاتٍ لها لمركز سجل تعليقاً على بيانها أنّ المواد كان لها تأثير واضح وكبير على الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية في المناطق المستهدفة، على الرغم من عدم سميّتها، وهو ما انعكس على المراعي والمزروعات خلال فترة قصيرة. كما وصف الأورومتوسّطي لحقوق الإنسان أنّ المواد المستخدمة في الرشّ في القنيطرة غير معروفة التركيب.

شهدت الحدود اللبنانية حالاتٍ مشابهة لما حدث في القنيطرة في الفترة نفسها. فقد أفادت صحيفة الغارديان بقيام طائرات إسرائيلية برش مبيدات أعشاب على مساحات زراعية واسعة، فيما وصف الرئيس اللبناني جوزيف عون تلك العمليات بأنها “جريمة بيئية وصحية” وانتهاك للسيادة.

وفي حالة لبنان، كشفت التحليلات المخبرية التي أجرتها السلطات اللبنانية أن المادة المستخدمة هي “الغليفوسات” (Glyphosate)، بحسب ما كشفت عنه السلطات اللبنانية مطلع فبراير 2026، والغليفوسات هو مبيد أعشاب صنّفته منظمة الصحة العالمية على أنه “مسرطن محتمل للبشر”. وبحسب بيان مشترك أصدرته وزارتا الزراعة والبيئة في لبنان، أظهرت العينات تركيزات تفوق المستويات العادية بـ20 إلى 30 ضعفاً، ما يؤدي إلى تدمير خصوبة التربة، وضرب التوازن البيئي، وتهديد الأمن الغذائي وسبل عيش المزارعين.

تجربة الرش الإسرائيلي على غزة

إلا أنه حتى اللحظة لم تصدر أي بيانات أو تصريحات رسمية تفيد أنّ المادة المستخدمة في سوريا هي ذات مادة الغليفوسات التي استُخدمت في لبنان.

يشكّل ما حدث في القنيطرة امتداداً لسياسة مستمرة للاحتلال الإسرائيلي في استخدام المبيدات العشبية على المناطق الحدودية. فقد بدأ الرش على طول حدود غزة بشكل موثّق منذ أواخر عام 2014 كما ورد في تقرير لفريق Forensic Architecture، واستمر بشكل متكرّر في السنوات التالية، وليس في حادثة واحدة فقط.

وقد كشفت وزارة الدفاع الإسرائيلية وقتها أنها تستخدم مزيجاً مؤلّفاً من ثلاث مبيدات عشبية هي الغليفوسات (المادة نفسها التي ظهرت في الاختبارات التي قامت بها السلطات اللبنانية) والأوكسيجال (Oxygal) والدوركس (Diurex).

أول توثيق للرش الجوي الإسرائيلي على طول السياج الفاصل كان بين 11 و13 أكتوبر 2014، حيث اشتكى مزارعو غزة من تضرر محاصيلهم بسبب مواد مجهولة تبيّن لاحقاً أنها مبيدات أعشاب. ومنذ ذلك العام، أصبح الرش الإسرائيلي ممارسة متكررة عادةً مرتين سنوياً في أشهر ديسمبر، يناير، وأبريل، تصل آثارها مئات الأمتار داخل الأراضي الزراعية في غزة بحسب تقرير للأورومتوسّطي لحقوق الإنسان نُشر عام 2020.

واعترفت وزارة الدفاع الإسرائيلية بأن الجيش نفّذ عمليات رش جوي على طول حدود غزة ما لا يقل عن 30 مرة بين نوفمبر 2014 وديسمبر 2018، ما أدى إلى تدمير آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية. ومن الحالات الموثقة لاحقاً جولات متكررة من الرش في ديسمبر 2018 ويناير وأبريل 2020، أدّت إلى أضرار كبيرة للمزارعين والأمن الغذائي في القطاع.

ويخلص الرصد إلى أن الرش الكيميائي الإسرائيلي على المناطق الحدودية ليس حادثة معزولة، بل سياسة مستمرة منذ أعوام، مع امتداد تأثيرها إلى الأراضي الزراعية الواقعة داخل المناطق المستهدفة.

إبادة بيئية: الأبعاد القانونية لعمليات الرش

تثير ممارسات الاحتلال بالرشّ الكيميائي في القنيطرة، في ظلّ حدوث ممارساتٍ مشابهة في لبنان وغزة، أسئلةً جوهريةً عن التوصيفات القانونية لهذه الممارسات. فالتدمير المتعمّد أو واسع النطاق لهذه الأعيان، دون ضرورة عسكرية محدّدة وراهنة ومتناسبة، يمكن أن يرقى إلى “جريمة حرب” تتمثّل في تدمير الممتلكات بصورة تعسفية، كما يحظر القانون الدولي استخدام أساليب حرب تهدف عملياً إلى حرمان السكان المدنيين من سبل عيشهم أو دفعهم للنزوح القسري، والأهم من ذلك حظر استهداف “الأعيان التي لا غنى للمدنيين عنها لبقائهم”، وهو ما قد ينطبق على المجتمعات الزراعية في القنيطرة. وكان ذلك مما ذهب إليه تحليل الأورومتوسّطي لحقوق الإنسان لحالتي سوريا ولبنان بتقريرٍ نشرته بتاريخ 4 فبراير 2026. كما عبّرت الأمم المتحدة أيضاً عن قلقها من هذه التقارير.

في السياق اللبناني، وصفت هيئات حقوقية رسمية وغير رسمية – بينها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان ومنظّمات حقوقية دولية –  عمليات رش الغليفوسات على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بأنها انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني، يمسّ جوهر الحق في الصحة والبيئة السليمة والغذاء، ووصفت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان في بيانٍ لها بتاريخ 4 فبراير هذه الممارسات بأنها قد ترقى إلى جريمة إبادة بيئية (Ecocide).

أما في غزة، فقد وثّقت منظمات حقوقية، فلسطينية وإسرائيلية، مثل عدالة والميزان استخدام إسرائيل الرش الجوي للمبيدات العشبية على طول السياج كأداة لفرض “منطقة عازلة” على حساب أرزاق المزارعين، وطالبت بوقف هذه الممارسة باعتبارها “إجراءً غير متناسب وغير قانوني” يقوّض الحق في الحياة وفي الغذاء والصحة لسكان مدنيين واقعين تحت الاحتلال. ويُضاف إلى ذلك أيضاً دراسات أكاديمية، كان منها مقالة في المجلة المحكّمة مجلة العدالة الجنائية الدولية (Journal of International Criminal Justice)، ومؤسّسة الدراسات الفلسطينية.

يضع هذا النمط المتكرّر من الرش في غزة ولبنان عمليات الرش في القنيطرة ضمن إطار أوسع يمكن فهمه كسلوك منهجي يستهدف تفريغ المناطق الحدودية من سكانها عبر ضرب أساس معيشتهم، بما يجعل هذه الممارسات قابلة للنقاش ضمن تصنيفات متعددة: جريمة حرب، وعقاب جماعي محظور، وانتهاك لحقوق أساسية منصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتجاهات الناشئة في القانون الدولي بشأن حماية البيئة في النزاعات المسلحة.

خنق الأرزاق والحزام الأمني

لا تبدو هذه الحوادث معزولة عن سياق أوسع من الإجراءات التي طالت المنطقة العازلة في سوريا منذ التوغّل الإسرائيلي فيها، إذ شملت تجريف أراضٍ، وقطع أشجار، وفرض قيود على وصول المزارعين إلى أراضيهم، إضافة إلى استهداف رعاة الأغنام بالرصاص أو اعتقالهم، وتسجيل حوادث إطلاق نار على قطعان الماشية ومصادرتها.

إذ أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياسة أمنية تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة العازلة وفرض وقائع جديدة على الأرض، عبر توسيع نطاق السيطرة وتقليص الوجود الزراعي والبشري في المناطق المحاذية للشريط الفاصل. فإضعاف النشاط الزراعي والرعوي لا يقتصر أثره على الخسائر الاقتصادية المباشرة، بل يفضي تدريجياً إلى تفريغ الأرض من سكانها أو دفعهم لتقليص ارتباطهم بها، ما يخلق حزاماً شبه خالٍ يعزّز الرؤية الأمنية الإسرائيلية للمنطقة.

خاتمة

في المحصّلة، تكشف هذه التطورات عن واقع هش تعيشه المناطق المحاذية لخط فضّ الاشتباك، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التأثيرات البيئية والمعيشية، في مشهد يضع مستقبل الزراعة والرعي في جنوب القنيطرة أمام تحدّيات غير مسبوقة. ويعيد رسم ملامح الجغرافيا السكانية والاقتصادية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الجنوب السوري.