سردية “الغزو” وإعادة إنتاج الشرعية العسكرية: تفكيك خطاب i24NEWS حول الجولان السوري

مقدّمة: استراتيجية التوقّع الأمني وإعادة إنتاج الخطر

لا تأتي ورقة “نحو غزو سوري للجولان؟” بمعزل عن المسار البحثي الموجّه الذي تنتهجه الماكينة الإعلامية والأمنية للاحتلال؛ فهي تعزز السردية ذاتها التي فكّكها مركز سجل سابقاً في دراسات مركز ألما ومعهد الأمن القومي (INSS) حول “التهديد الإيراني الكامن” و”نهاية الحكم الذاتي الكردي“. وتبرز أوجه الشبه بين هذه المواد فيما يمكن تسميته بـ “نبوءة التدخّل الأمني”، حيث يصرّ الإعلام العبري على اتباع نهج الاستقراء الأمني بدلاً من المعاينة الميدانية، محوّلاً الاحتمالات الاستخبارية إلى مبرّرات لوجود عسكري دائم عبر تأطير الخطر الكامن، وتقويض السيادة المركزية لحكومة دمشق، وإدامة حالة الهشاشة الأمنية في الجنوب السوري لخدمة أمن الاحتلال .

أولاً: من الاستقراء الاستخباري إلى شرعنة الوجود العسكري

استعرضت القناة العبرية i24NEWS في 12 فبراير 2026 إتمام لواء الجولان (474) التابع للفرقة 210 مناوراتِ واسعة في المستوطنات الجنوبية لهضبة الجولان المحتلة، في سياق يهدف إلى رفع الجاهزية الدفاعية وتعزيز الحضور العسكري في المنطقة. وقد حاكت التدريبات سيناريوهات غزو سوري محتمل، وشملت قتالاً في مناطق مأهولة، ولا سيما في مستوطنتي “ميتسار” و”أفيق”، إلى جانب تمارين إخلاء الجرحى والتعامل مع حالات الاشتباك داخل المواقع المحصنة والمنشآت المبنية، بما يعكس تركيزاً على بيئة قتال حضرية مركبة.

لواء الجولان (474) هو لواء إقليمي نظامي في الجيش الإسرائيلي يتبع للفرقة 210 (فرقة باشان)، وتكمن مهامه الأساسية في حماية الحدود الإسرائيلية في منطقة هضبة الجولان السورية المحتلة، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وإحباط التسلل والعمليات الهجومية، كما يضم وحدات استجابة سريعة متخصصة.

وفي موازاة ذلك، أكدت القناة استمرار انتشار قوات الفرقة 210 (فرقة باشان) في المنطقة بذريعة حماية أمن المستوطنين ومنع أي خرق للحدود، مستندة إلى توصيفها لـ”الواقع الأمني الهش” في الجنوب السوري بعد سقوط نظام الأسد.

الفرقة 210 ولقبها باشان (הבשן)، كذلك عُرفت سابقاً بأسماء (فرقة جولان، طريق النار، الفرقة 366، الفرقة 49)، هي فرقة إقليمية تتبع للقيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي، وهي مسؤولة عن قطاع هضبة الجولان وجبل الشيخ والحدود الإسرائيلية-السورية.

كما أشار التقرير إلى ما وصفه بفاعلية العمليات الوقائية، مستشهداً بإعلان جيش الاحتلال عن تدمير مخزن أسلحة تابع لتنظيم الجماعة الإسلامية في لبنان بمنطقة بين جن بريف دمشق بتاريخ 10 فبراير، حيث عثرت القوات على ألغام وأجهزة اتصال قيل إنها كانت معدة لتنفيذ هجمات ضد المستوطنات.

الجماعة الإسلامية في لبنان هي حركة إسلامية سنيّة تأسست رسمياً عام 1964 كفرع لجماعة الإخوان المسلمين، وتنشط سياسياً واجتماعياً ولها حضور في صيدا وبيروت والشمال. تمتلك جناحاً مسلحاً يسمى “قوات الفجر” نشط عسكرياً ضد إسرائيل، وتشهد حالياً تقارباً مع حزب الله وحماس، مما أدى لتعرض قيادييها للاستهداف.

وختمت المادة بالتأكيد على أن هذه التدريبات تُجرى بالتعاون الوثيق مع السلطات المحلية وفرق “الدفاع المدني الاستيطاني”، بهدف ضمان سرعة الاستجابة لأي تدهور أمني مفاجئ على الحدود، في إشارة إلى تكامل البعد العسكري مع البنية المدنية الاستيطانية ضمن منظومة الاستعداد الشامل.

ثانياً: صناعة التهديد وإدامة السيطرة – تحليل خطاب i24NEWS

يكشف تفكيك بنية الخطاب في تقرير i24NEWS المنشور في 12 فبراير 2026 عن ملامح استراتيجية تعكس رؤية المؤسسة الأمنية في دولة الاحتلال، ويمكن رصدها من خلال عدد من المستويات المتداخلة. إذ يعتمد العنوان بصيغة التساؤل “نحو غزو سوري؟” تكتيكاً نفسياً يهدف إلى إبقاء الجبهة في حالة تأهّب دائم، وتوجيه الرأي العام نحو ترسيخ فكرة “حتمية الصراع”. هذا التأطير يحوّل المناورات الدفاعية التقليدية إلى استعداد لصد غزو وشيك، بما يخدم خطاب اليمين الصهيوني الساعي إلى تقويض المسارات الدبلوماسية التي بدأت مع حكومة دمشق المركزية في واشنطن، ويعيد تقديم سورية كتهديد عسكري مباشر رغم انخراطها في تفاهمات تهدئة.

وفي السياق ذاته، يركّز التقرير على دور الفرقة 210 بوصفها الدرع الوحيد للمستوطنات الشمالية، بما يوحي بأن “نظام الشرع” السني الجديد يمثّل تهديداً وجودياً يستوجب استمرار السيطرة الإسرائيلية على المنطقة العازلة. ومن خلال تصدير سردية “الغزو”، يعمل الإعلام العبري على شرعنة رفض الانسحاب من المواقع التي احتلتها إسرائيل مؤخراً أو العودة إلى اتفاقات فض الاشتباك السابقة، عبر الادعاء بأن الطرف السوري يخطط لاستعادة الأرض بالقوة.

كما يبرز التقرير مشاركة “فرق الدفاع المحلية” والمستوطنين في التدريبات، في إطار عملية “عسكرة” للمجتمع الاستيطاني وتصوير الجولان كساحة معركة وشيكة. وبهذا الخطاب يجري تحويل المسألة من احتلال غير قانوني إلى دفاع مشروع عن النفس، الأمر الذي يعقّد أي نقاش دولي حول إنهاء احتلال الجولان أو الالتزام بالقرارات الأممية ذات الصلة.

ثالثاً: الاستعداد الدائم كعقيدة سياسية – خطاب الغزو في الإعلام العبري المعاصر

تكشف القراءة النقدية للتقرير عن مجموعة من الفرضيات التي تستوجب التفكيك والمراجعة. إذ يتجاهل الخطاب بشكل لافت مسألة السيادة الوطنية السورية، فلا يرد أي ذكر لجهود “حكومة دمشق المركزية” في مكافحة التنظيمات المتطرفة أو التزامها باتفاقيات “فض الاشتباك”، بينما يجري التركيز حصراً على “الحل العسكري الإسرائيلي” بوصفه البديل الوحيد لضبط الأمن، في إزاحة واضحة لفكرة الدولة السورية كفاعل مسؤول داخل حدودها.

كما تتناقض سردية “الغزو” التي تروجها i24NEWS مع المعطيات السياسية الراهنة؛ إذ تشير تقارير دولية إلى انخراط دمشق في مفاوضات “باريس” بوساطة أمريكية يقودها توم باراك، وتهدف إلى التهدئة والتعاون الاقتصادي وترتيبات أمنية حدودية، الأمر الذي يجعل خطاب الغزو أقرب إلى أداة تشويش سياسي على مسار دبلوماسي قائم، لا توصيفاً دقيقاً لواقع ميداني وشيك.

وفي السياق ذاته، يوظّف التقرير فزاعة “الجماعة الإسلامية في لبنان” لتبرير انتهاك السيادة السورية في “بيت جن”، رغم أن هذه الفواعل فقدت كثيراً من زخمها وباتت تحت ضغط ملاحقة قوات الأمن السورية الساعية إلى إثبات جديتها في مكافحة الإرهاب أمام المجتمع الدولي، وعلى الرغم من أن الجماعة نفسها أكّدت في وقتٍ سابق عدم وجود أي نشاطٍ لها في سوريا بالتزامن مع حادثة بيت جن التي ذهب ضحيتها 13 سورياً ويكشف هذا التضخيم لما يمكن تسميته بـ”الفواعل الهجينة” عن ميل متعمد لإعادة إنتاج بيئة تهديد تبرر استمرار التدخل العسكري.

وعليه، يمكن الاستنتاج أن خطاب i24NEWS يمثل ما يشبه “نبوءة أمنية” تستهدف إعاقة أي مسار للاستقرار في الجنوب السوري؛ فهو يصطنع تهديداً بـ”الغزو” لتبرير الاستباحة الجوية والبرية، ومنع تشكل سلطة وطنية سورية قادرة على إنهاء عهد “المصدات الوظيفية” وفرض سيادتها الكاملة على الجغرافيا الوطنية.