ملخّص تنفيذي
- تتناول هذه الورقة التداعيات الاستراتيجية للحرب الإسرائيلية-الإيرانية المفتوحة التي اندلعت مع الضربة الأمريكية-الإسرائيلية المنسّقة على طهران في نهاية فبراير 2026، وبلغت ذروتها باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وتحول الصراع من حروب الظل والوكالة إلى مواجهة مباشرة متعددة الجبهات. تنطلق الورقة من فرضية أن هذا التحول لا يعيد رسم توازنات القوة في الخليج فقط، بل يفتح مرحلة جديدة من إعادة هندسة الإقليم سياسياً وأمنياً، ستكون لسوريا – في ظل الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع – مكانة حساسة فيها بحكم موقعها الجيوسياسي وتشابك ملفاتها الداخلية مع خرائط النفوذ الإقليمي.
- تبدأ الورقة باستعراض ديناميات التصعيد من حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، التي استهدفت خلالها إسرائيل بمشاركة أمريكية مواقع نووية وحسّاسة داخل إيران، مروراً بفشل تحويل التنازلات الجزئية في مسار مفاوضات جنيف إلى اتفاق نووي شامل، وصولاً إلى الضربة الكبرى المسماة إسرائيلياً “زئير الأسد” وأمريكياً “الغضب الملحمي”. توضح الورقة أن هذه الضربة، رغم تبريرها بخطاب “التهديد النووي الوشيك”، استندت إلى قراءة إسرائيلية-أمريكية ترى في اللحظة الراهنة فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، وتفكيك بنية الردع التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين.
- التحول المفصلي تمثّل في اغتيال خامنئي وعدد من أبرز قادة الحرس الثوري، وما ترتب عليه من فراغ عميق في هرم القيادة الإيرانية، ونقاشات داخلية حادة حول ترتيبات الخلافة ودور الحرس في ترجيح أجنحة أكثر تشدداً، مع بروز اسم مجتبى خامنئي كأحد أبرز المرشحين. تتعامل الورقة مع هذا الحدث باعتباره نقطة انتقال من حرب أدوات إلى حرب على “رأس النظام” نفسه، مع ما يفتحه ذلك من احتمالات زعزعة داخلية في إيران، لكن أيضاً من احتمالات تشدد أكبر ورهان على صبر استنزافي طويل.
- في موازاة ذلك، توسّعت المواجهة إلى جبهات إقليمية متعددة. فقد تكثّفت هجمات حزب الله على الشمال والوسط الفلسطيني المحتل، وردّت إسرائيل بحملة جوية ومدفعية قاسية وبتوغلات محدودة في جنوب لبنان، ما دفع الرئاسة والحكومة اللبنانيتين إلى طرح مسار تفاوضي برعاية أمريكية يتضمن نقاشاً حول نزع سلاح الحزب وترتيبات أمن حدودية جديدة. كما فعّلت طهران شبكات “محور المقاومة” في العراق واليمن وساحات أخرى، وأرسلت إشارات عملية على توسيع المواجهة إلى المسرح البحري عبر محاولات تلغيم محدودة وتهديد أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ما رفع منسوب القلق العالمي على أمن الطاقة وسلاسل التوريد.
- تحلل الورقة آليات التسويغ السياسي التي اعتمدتها كل من تل أبيب وواشنطن. على الجانب الإسرائيلي، استُثمرت صدمة 7 أكتوبر 2023 لبناء إجماع داخلي نادر حول “الحرب الاستباقية”، جرى خلاله تعليق الخلافات السياسية حول ملفات حساسة مثل تجنيد الحريديم، واصطفاف المعارضة خلف حكومة نتنياهو تحت شعار القضاء على “رأس محور المقاومة” في طهران. أما في الولايات المتحدة، فقد بررت إدارة الرئيس دونالد ترامب الانخراط المباشر بمبدأ “التهديد الوشيك” للقوات والمصالح الأمريكية، وقدمت العملية للجمهور الأمريكي باعتبارها خطوة حاسمة لإنهاء التهديد النووي الإيراني وتغيير النظام، رغم الجدل القانوني داخل الكونغرس حول تجاوز صلاحيات إعلان الحرب.
- في القسم السوري، تشير الورقة إلى أن سوريا تموضع نفسها اليوم في موقع شديد الحساسية بين الجبهتين اللبنانية والعراقية، وبين مسرح الطاقة في شرق المتوسط والممرات البرية المتجهة إلى العراق والخليج. تستعرض الورقة كيف استغل الاحتلال الإسرائيلي الانشغال الإقليمي لتعزيز هندسته الجغرافية الأمنية في الجنوب السوري، لا سيما في القنيطرة ومرتفعات الجولان، عبر إنشاء شريط تحصينات متصل يمتد عشرات الكيلومترات داخل الأراضي السورية العازلة، وتجريف أراضٍ زراعية، ونصب حواجز وأنظمة دفاع جوي متقدمة. تخلص الورقة إلى أن هذه السياسات تشكل عملياً تقويضاً لاتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، وتهيئة لواقع احتلالي أكثر رسوخاً يصعّب استعادة السيادة السورية لاحقاً.
- على مستوى الاقتصاد السوري، تبرز الورقة هشاشة قطاع الطاقة الذي يعتمد نسبياً على الغاز المار عبر منظومة خط الغاز العربي والمبادلات مع الأردن، وتوضح كيف أن القرارات الإسرائيلية الأحادية بقطع جزء من الإمدادات إلى الأردن ومصر انعكست ارتدادياً على سوريا، مهددة بتعطيل محطات توليد الكهرباء المتبقية وتعميق أزمات الإنتاج والخدمات. كما تتناول الورقة موجات النزوح العكسي من لبنان إلى سوريا مع تصاعد القصف على الجنوب اللبناني، وتبرز التحديات الإنسانية والأمنية التي تخلقها عودة آلاف اللاجئين في وقت قصير إلى بنية خدمية هشة، وما يستدعيه ذلك من خطط استجابة طارئة وضبط دقيق للحدود.
- تولي الورقة أهمية خاصة لـ “العامل الكردي” في معادلات الصراع الإقليمي. تشير إلى محاولات قوى إقليمية ودولية فتح قنوات مع فاعلين أكراد كجزء من أوراق الضغط المتبادلة، لكنّها تؤكد في المقابل على الأثر الاستراتيجي لاتفاق 30 يناير 2026 بين الحكومة السورية وقسد الذي ينص على دمج تدريجي لوحدات من قسد ضمن بنية الجيش السوري مع الحفاظ على بعض الهياكل المحلية. ترى الورقة أن هذا الاتفاق – رغم جدليته – يقلص المساحات التي يمكن استثمارها خارجياً لتفجير الساحة الكردية، ويعزز قدرة الدولة السورية على تحصين جبهتها الداخلية ضد توظيف الورقة الكردية في سياق الحرب الراهنة.
- بالاستناد إلى مفهوم “عتبة التحمل” لكل طرف، تقدّم الورقة قراءة مقارنة لقدرة الاحتلال وإيران والولايات المتحدة ودول الخليج على مواصلة حرب استنزاف طويلة. يمتلك جيش الاحتلال تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً مدعوماً أمريكياً، لكنه يواجه ضغوطاً اقتصادية وديموغرافية وسياسية متصاعدة تجعل قدرتها على تحمّل حرب طويلة مرهونة باستمرار جسر الدعم الأمريكي، ومعرّضة لكلفة متزايدة على جبهتها الداخلية وشرعيتها الدولية مع مرور الوقت. في المقابل، تمتلك إيران خبرة طويلة في “اقتصاد المقاومة” وشبكات نفوذ عابرة للحدود، وتستفيد في المدى القصير من زخم تعبوي-قومي ناتج عن الحرب، لكنها تقف على قاعدة اقتصادية واجتماعية هشة تجعلها عرضة لاضطرابات داخلية عميقة إذا استُهدفت بنيتها التحتية الحيوية واستمر الاستنزاف لوقت أطول. أما الولايات المتحدة فتمتلك القدرة التقنية واللوجستية على إدارة حرب ممتدة، لكنها مقيدة باعتبارات داخلية وانتخابية متشددة، ومعرّضة لفاتورة سياسية واقتصادية متزايدة تجعلها حريصة على تجنب الانزلاق إلى مستنقع جديد طويل الأمد في الشرق الأوسط، رغم استمرار تفوقها العسكري.
- انطلاقاً من هذه المعطيات، ترسم الورقة ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل سوريا في ظل الحرب الراهنة. السيناريو الأول هو “الهدوء النسبي والانتصار المعنوي”، حيث تنجح دمشق في تحييد الجبهة السورية عن المواجهات المباشرة، وتكسب بذلك نقطة سياسية لصالح الإدارة الجديدة من خلال ضبط الحدود ومنع تحويل البلاد إلى ساحة حرب بالوكالة. السيناريو الثاني هو الانخراط الجزئي في مسار تسويات إقليمية أوسع، وربما إدماج سوريا في ما تسميه الورقة “مسار باريس”، أي ترتيبات أمنية-اقتصادية مع الاحتلال الإسرائيلي برعاية دولية، مقابل حوافز في ملف إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي، وهو سيناريو يبقى مشروطاً بنتائج الصراع مع إيران وميزان القوى الإقليمي. أما السيناريو الثالث فهو الانزلاق إلى تصعيد غير مباشر عبر تحريك خلايا أو شبكات مرتبطة بإيران أو أطراف أخرى داخل سوريا، أو إعادة توظيف العامل الكردي إذا تعثّر تنفيذ اتفاق 30 يناير.
- في قسم خاص، تتوقف الورقة عند سيناريو أكثر قتامة يتمثل في تحوّل سوريا إلى جزء من مشروع أوسع للهيمنة الإسرائيلية الإقليمية، مستفيد من حالة انكفاء القوى الدولية الأخرى وانشغالها بملفات أخرى. تقارن الورقة بين سياسات الضم الفعلي في الضفة الغربية وما يجري في الجولان والجنوب السوري، لتبيّن أن حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل تتبنى عقيدة “الحسم الديموغرافي والجغرافي” لا مجرد إدارة الصراع. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذا السيناريو يواجه عقبات بنيوية عديدة، وأن تحصين الموقف السوري – قانونياً ودبلوماسياً وميدانياً – يمكن أن يحدّ من فرص تحوله إلى واقع نهائي.
- تختتم الورقة بمجموعة توصيات عملية لصناع القرار في سوريا، تركّز على: تثبيت سياسة عدم الانخراط المباشر في الحرب، وتعزيز مراقبة الحدود وضبط عمل الفاعلين المسلحين غير النظاميين، وتحويل اتفاق 30 يناير مع قسد إلى رافعة لإعادة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية. كما تدعو إلى توظيف اللحظة الإقليمية لإعادة طرح ملف الاحتلال الإسرائيلي للجولان والجنوب السوري في المحافل الدولية، وربط أي مسارات تطبيع إقليمي محتملة، وهو سيناريو لا يزال مستبعداً لأسباب لا يتسع المقام لتفصيلها، بضمانات حقيقية تتعلّق بالسيادة السورية وأمنها القومي. ترى الورقة أن قدرة سوريا على تحويل هذه الحرب من تهديد وجودي إلى فرصة لإعادة تموضع استراتيجي ستعتمد على سرعة بناء مؤسسات الدولة الجديدة، ووضوح أولوياتها، وحسن إدارتها للتوازن الدقيق بين ضرورات الأمن وبين متطلبات الانفتاح الإقليمي.
لتحميل الورقة:
ما هو مركز سجل؟
سجل هو مركز يُعنى برصد العمليات الإسرائيلية في سوريا، وتحديداً جنوب سوريا. أُسّس المركز ليوفّر بيانات موثّقة ومُرتّبة للباحثين والأكاديميين وصناع القرار، ولإعلاء وعي الشعب السوري بخطر التجاوزات الإسرائيلية في سوريا.
يُتيح موقع سجل خدمة لعرض الإحصاءات بشكل تفاعلي عبر صفحته الرئيسية، بحيث يمكن للمستخدم عرض الانتهاكات التي وثّقها مركز سجل وتصنيفها بحسب الفترة الزمنية، ونوع الانتهاك، والمحافظة.





