سوريا في قلب المواجهة الإقليمية: تفكيك سردية “الحياد النشط” في خطاب معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي

لا تأتي ورقة “سوريا في ظل الحرب في إيران” بمعزل عن المسار البحثي الذي يتبعه معهد أبحاث الأمن القومي (INSS)، بل تبدو امتداداً له. فهي المادة الثانية التي يعمل مركز سجل على تفكيكها وتحليلها ضمن هذا السياق، بعد الورقة التي نشرها المعهد في 19 يناير 2026 بعنوان “نهاية الحكم الذاتي الكردي؟”. ويكتسب نشر هذه المادة دلالة خاصة من حيث التوقيت، إذ يتزامن مع ذروة المواجهة الإقليمية المباشرة التي أطلق عليها الاحتلال اسم زئير الأسد (Roaring Lion) في حين تسمّيها واشنطن الغضب الملحمي (Epic Fury).

في قراءة مركز سجل، تندرج هذه الورقة ضمن ما يمكن تسميته نمط التفكير القائم على توقع التدخل الأمني. يميل العقل الاستراتيجي الإسرائيلي إلى بناء تقديراته انطلاقاً من فرضيات أمنية استباقية أكثر من اعتماده على قراءة الوقائع الميدانية. وضمن هذا الإطار، تُقدَّم ممارسات الدولة السورية المرتبطة باستعادة السيادة، أو اتباع ما تصفه دمشق بـ”الحياد النشط”، بوصفها مؤشّرات تهديد أو فرصاً أمنية تستدعي المتابعة والاحتواء.

الاستجابة السورية للمواجهة الإقليمية: قراءة في خيار “الحياد النشط”

تقدّم المادة الصادرة عن المعهد بتاريخ 29 مارس 2026 قراءة تحليلية لكيفية تعامل الحكومة السورية مع الحرب الجارية بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى. وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع تتبع مقاربة يمكن وصفها بـ”الحياد النشط”. يعني ذلك الامتناع عن الانخراط المباشر في القتال، مقابل تحرّك دبلوماسي وأمني يهدف إلى إدارة تداعيات الصراع والاستفادة من هوامش الحركة التي يتيحها.

في هذا السياق، ترى الورقة أن سوريا تحوّلت عملياً إلى ممر جغرافي يسمح بهامش واسع من حرية الحركة الجوية لكل من الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي داخل المجال السوري، ولا سيما في عمليات اعتراض التهديدات الإيرانية. وتتوسّع المادة في استعراض التحرّكات الدبلوماسية التي يقودها الشرع لتقديم سوريا بوصفها طرفاً قادراً على لعب دور بنّاء في إعادة ترتيب بعض المسارات الإقليمية. يُطرح تصوّر لسوريا كمحور بري بديل يربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط، بما يخفف من تداعيات التوترات الأمنية.

على المستوى الأمني، تشير الورقة إلى خطوات اتخذتها الحكومة السورية لتعزيز حضورها العسكري على الحدود اللبنانية بهدف تقليص نفوذ حزب الله. وتذهب بعض التقديرات إلى الحديث عن مؤشّرات قد تعكس نوايا أكثر هجومية تجاه الحزب، من بينها سيناريوهات تتعلّق بإمكانية القيام بعمليات عسكرية داخل لبنان. ومع ذلك، تلفت الورقة إلى أن هذه الطموحات تصطدم بعدد من التحديات البنيوية، في مقدّمتها أزمة الطاقة التي أدّت إلى انخفاض إمدادات الكهرباء بنحو 50% بعد توقف تدفّق الغاز المصري عبر الأردن. وتضيف إلى ذلك تعقيدات المشهد المحلي في السويداء، حيث تتهم مصادر إسرائيلية دمشق بمحاولة تصفية الحسابات مع تشكيلات محلية مرتبطة بالمكوّن الدرزي، مستفيدة من الحرب الإقليمية الدائرة.

ضمن هذا الإطار، تلمّح الورقة إلى أن قدرة الدولة السورية على تحويل “الحياد النشط” إلى سياسة طويلة الأمد تتوقّف على نتائج المواجهة الإقليمية، وعلى قدرتها على معالجة أزمات داخلية متراكمة، في مقدمتها ملف الطاقة وإعادة ضبط المجال الأمني في الأطراف.

تفكيك مفردات “التموضع”: كيف يشرعن الخطاب الإسرائيلي استباحة الجغرافيا السورية

يكشف تفكيك بنية الخطاب في تقرير الباحثة كارميت فالنسي عن مجموعة من الأدوات المستخدمة لإعادة تفسير تحرّكات الحكومة السورية ضمن إطار يجرّدها من بعدها السيادي ويقدّمها كسلوك انتهازي مرتبط بظروف الأزمة الإقليمية. يتضح ذلك من خلال عدة أنماط في بناء السردية التحليلية للتقرير.

أولاً، يجري تأطير مفهوم السيادة بوصفه شكلاً من أشكال الاستغلال السياسي. يستخدم التقرير عبارة مفادها أن سوريا تتبنى “نمط عمل يمكن تعريفه بالحياد النشط، مما يسمح لدمشق باستغلال الأزمة الإقليمية”. يؤدّي هذا التأطير إلى تحويل فكرة استعادة الدولة لقرارها العسكري والسياسي من ممارسة سيادية طبيعية إلى مناورة تكتيكية مرتبطة بالظرف الإقليمي.

ثانياً، يقوم الخطاب على ربط شرعية التحرّك السوري بوظيفته الأمنية في الاستراتيجية الغربية. ففي مواضع مختلفة من التقرير يُطرح أن “الجهد الأميركي – الإسرائيلي لاحتواء وإضعاف إيران يتماشى مع المصالح السورية”. بهذا التصوير، تُقدّم دمشق كساحة أو كشريك أمني مشروط، تُقاس شرعية دوره بمدى انسجامه مع أهداف واشنطن وتل أبيب في تقليص النفوذ الإيراني.

ثالثاً، يعتمد التقرير ما يمكن تسميته بخطاب “تصفية الحسابات” في توصيف بعض التحرّكات العسكرية السورية. تُستخدم عبارات من قبيل “فرصة لتصفية الحسابات مع القوى التي تعتبر مسؤولة عن الحملة العنيفة ضد المتمردين” لتأطير أي انتشار عسكري للجيش السوري في مناطق مثل السويداء أو محيط الجولان باعتباره خطوة ذات دوافع انتقامية، بدلاً من تقديمه في سياق إعادة بسط سلطة الدولة على أراضيها.

وأخيراً، يركّز الخطاب كثيراً على عناصر الهشاشة الداخلية، ولا سيما أزمة الطاقة. يشير التقرير إلى أن اضطرابات إمدادات الطاقة أدّت إلى تفاقم أزمة الكهرباء في البلاد وانخفاض حاد في توافرها. يرسّخ هذا التركيز صورة الدولة السورية ككيان هش يمكن التأثير عليه أو الضغط عليه سياسياً عبر أدوات اقتصادية وخدمية.

ملاحظات نقدية على فرضيات تقرير معهد الأمن القومي حول سوريا

في ضوء المعطيات الميدانية والتحولات الجيوسياسية التي شهدتها سوريا منذ عام 2025، يعتري المحاججات التي يقدّمها التقرير بناءً على افتراضاته شيءٌ من الضعف. من ذلك أن استنتاجاته تقوم على قراءات جزئية، أو على تأطير انتقائي لبعض التطورات، أو على تجاهل سياقات مؤسّسية وتشريعية تبلورت في السنوات الأخيرة.

يتجاهل التقرير، على سبيل المثال، البعد المؤسّسي للتحولات الجارية في بنية الدولة السورية. ما يقدّمه بوصفه “استغلالاً للفرص الإقليمية” يمكن فهمه ضمن مسار أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز مركزيتها منذ صعود الرئيس أحمد الشرع. هنا لا يتعلق الأمر فقط بتحركات عسكرية ظرفية على الحدود، بل بسلسلة إجراءات ذات طابع بنيوي، من بينها إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية، وإعادة هيكلة بعض الوحدات العسكرية، ومحاولات إصلاح الإطار القانوني لضبط السلاح المنفلت في الأطراف.

يمكن، في هذا السياق، قراءة الإجراءات المرتبطة بضبط الحدود، أو إحباط عمليات تهريب السلاح، بوصفها جزءً من هذا المسار. حادثة ضبط صواريخكونكورس في منطقة جريجير الحدودية مع لبنان، على سبيل المثال، لا يمكن قراءتها فقط كخدمة مجانية لطرف خارجي، بل تندرج أيضاً في محاولة إعادة ترسيخ مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وإعادة تنظيم المجال الأمني تحت سلطة الدولة المركزية.

يعتمد التقرير كذلك على ثنائية مبسطة بين “الحياد” و”السيادة”. يصوَّر الحياد بوصفه وضعاً سلبياً يجعل الجغرافيا السورية مجرد “ممر استراتيجي” في الصراع الإقليمي. في المقابل، تقدَّم السيادة كحالة صدامية مباشرة مع القوى الإقليمية والدولية. هذه الثنائية تغفل إمكانية فهم ما تصفه دمشق بـ”الحياد النشط” كأداة سياسية تهدف إلى توسيع هامش الحركة الدبلوماسية، واستعادة قدر أكبر من الاعتراف الدولي، وتهيئة شروط إطلاق مسار التعافي الاقتصادي بما يعزز استقلالية القرار السيادي.

من المفيد هنا التذكير بأن سياسات “الحياد النشط” ليست ظاهرة سورية حصراً، بل عُرفت في تجارب عدة لدول صغيرة أو متوسطة وجدت نفسها في قلب صراعات إقليمية أو دولية. في هذه الحالات، استُخدم الحياد النسبي لتقليل كلفة الانخراط المباشر في الحرب، وفي الوقت نفسه لفتح قنوات تفاوض مع أطراف متعددة وتحسين شروط إعادة البناء بعد الصراع.

يبرز أيضاً قدر من التناقض في الخطاب المتعلق بملف “حماية الأقليات”. يعبّر التقرير عن قلق تجاه أوضاع الدروز في السويداء، لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن دمشق تسعى إلى إرساء سيادتها وبسط سيطرة تدريجية على المنطقة الجنوبية. في هذا الإطار، يتجاهل التحليل كيف تسهم التدخلات الخارجية، ولا سيما الإسرائيلية، في تعقيد المشهد الأمني في الجنوب والحد من قدرة الدولة على بناء منظومة أمنية مستقرة ومتماسكة.

عند قراءة التقرير في مجمله، يتضح أنه يعيد تأطير التحركات السورية من منظور أمني إسرائيلي بالدرجة الأولى. تُعرض خطوات استعادة الدولة لوظيفتها السيادية، وإعادة تنظيم المجال الأمني، على أنها سلوك انتهازي مرتبط بظرف إقليمي، في حين تعكس هذه الخطوات في جوهرها مساراً أوسع لإنهاء حالة التشتت الأمني التي عرفتها الجغرافيا السورية خلال سنوات النزاع، وإعادة تثبيت الدولة السورية بوصفها مركز القرار السيادي في البلاد.

في المقابل، قلّما يتوقف التقرير عند كيفية تلقي فاعلين آخرين – مثل إيران أو حزب الله أو تركيا أو روسيا – للسياسات السورية الجديدة، أو عند أثر هذه السياسات على توازنات القوى داخل سوريا نفسها. إدخال هذه الأبعاد في التحليل لا يعني تبرئة دمشق من الأخطاء أو التجاوزات، لكنه يسمح بتكوين صورة أكثر شمولاً عن موقع سوريا في قلب المواجهة الإقليمية الحالية.