تحديث المنظومة الأمنية السورية والرهانات الإسرائيلية: قراءة في خطاب مركز ألما حول استعراض وزارة الداخلية السورية

تشكّل ورقة “وزارة الداخلية السورية تستعرض تحديث قوى الأمن الداخلي بمعدات حديثة وتسليح تركي” حلقة جديدة ضمن المسار البحثي الذي يتبعه مركز ألما في مقاربته للملف السوري، وهو مسار يقوم في جوهره على قراءة التحوّلات الأمنية في سورية من زاوية استخبارية تميل إلى استباق التهديدات وتوسيع نطاقها. ويأتي تناول مركز سجل لهذه الورقة في سياق متابعة نقدية لسلسلة من المواد الصادرة عن المركز ذاته خلال الأشهر الماضية، من بينها دراسة “البنية الإرهابية المحتملة لإيران وحزب الله في الجنوب” المنشورة في أكتوبر 2025، وتقرير “ترميم القدرات أم استنزاف الوكلاء؟” في يناير 2026، ثم تقرير “أهمية قاعدة التنف العسكرية” في فبراير 2026، وصولاً إلى ورقة “حرب إيران الثانية – نافذة فرص لسورية” الصادرة في مارس 2026.

أهمية هذه المادة لا تتصل فقط بمضمونها، بل كذلك بتوقيتها؛ إذ صدرت في مرحلة تعمل فيها الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع على إعادة تنظيم مؤسسات الدولة ومأسسة عمل أجهزتها الأمنية. ضمن هذا السياق، يعكس الخطاب الإسرائيلي الوارد في هذه الدراسات محاولة لرصد تحركات وزارة الداخلية السورية وقراءة عملية تطوير قوى الأمن الداخلي بوصفها تطوراً ذا أبعاد أمنية إقليمية، حيث يجري تقديم ممارسات ترتبط باستعادة الدولة لوظائفها السيادية على أنها مؤشرات تهديد محتملة. ويتكرّر في هذه المقاربة نمط تحليلي يقوم على تأطير الخطر الكامن وتفسير التحولات الداخلية السورية باعتبارها امتداداً لتوازنات إقليمية، بما يضعف فكرة السيادة المركزية ويعيد تصوير دمشق كساحة تنافس ونفوذ بين قوى خارجية.

قراءة مركز ألما لاستعراض وزارة الداخلية السورية لقوى الأمن الداخلي

تعرض المادة الصادرة عن مركز ألما بتاريخ 22 مارس 2026 قراءة تحليلية للاستعراض الميداني الذي نظمته وزارة الداخلية السورية في 17 مارس 2026 بمناسبة ذكرى الثورة السورية، حيث قُدم هذا الاستعراض بوصفه مؤشراً على محاولة إبراز صورة محدثة للوحدات الأمنية العاملة في دمشق. وتشير المادة إلى أن الاستعراض، الذي حضره وزير الداخلية أنس خطاب وعدد من المسؤولين، انطلق من مبنى الوزارة باتجاه ساحة الأمويين في العاصمة دمشق، في خطوة هدفت إلى إظهار قدرة السلطة الجديدة على تنظيم المجال الأمني وإعادة ترتيب مؤسسات الأمن الداخلي.

وفي هذا السياق، ركّزت المادة على طبيعة التجهيزات التي ظهرت خلال الاستعراض، حيث أبرزت استخدام سيارات “تويوتا لاند كروزر” حديثة، إضافة إلى تزويد العناصر بأسلحة فردية تركية الصنع، ولا سيما بنادق هجومية من طرازي (SAR-109T) وطراز (KCR-556) من إنتاج شركتي “سارسيلماز” و”كالي كاليب“.وترى القراءة الإسرائيلية أن تنوع الوحدات المشاركة في الاستعراض، بما في ذلك وحدات المهام الخاصة وأمن الطرق والشرطة السياحية، يعكس محاولة لإظهار قدرة الدولة على بسط حضورها الأمني في المجال العام. ومع ذلك، تضع هذه القراءة هذه الخطوة ضمن إطار أوسع يتصل بطبيعة العقيدة الأمنية الجديدة في سورية واحتمالات ارتباطها بالتوازنات الإقليمية، ولا سيما في ظل التوترات المستمرة في الجنوب السوري وتداعيات العملية العسكرية المعروفة باسم “زئير الأسد” ضد إيران.

تفكيك البنية الخطابية لمركز ألما حول تحديث مؤسسات الأمن في سوريا

“تُظهر قراءة مضمون تقرير مركز ألما أن الطريقة التي يُعرض بها موضوع تحديث قوى الأمن الداخلي في سوريا لا تقتصر على الوصف التقني لما جرى في الاستعراض الأمني، بل تتجه إلى وضع هذه الخطوة ضمن إطار تفسيري ذي طابع أمني وسياسي. ويبرز ذلك من خلال التركيز المتكرر على مصدر السلاح المستخدم خلال الاستعراض، ولا سيما الإشارة إلى كونه تركي الصنع، بما يوحي بأن عملية التحديث مرتبطة بنفوذ خارجي أو بتوازنات إقليمية، بدلاً من التعامل معها كجزء من مسار طبيعي لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتنويع مصادر تجهيزها بعد سنوات طويلة من العزلة والاضطراب.”

كما يتوقف التقرير عند الخلفية الشخصية لوزير الداخلية أنس خطاب، في محاولة لربط عملية إعادة تنظيم قوى الأمن الداخلي بمسارات سابقة لبعض الفاعلين الذين شاركوا في النزاع السوري. ويقود هذا الربط إلى تقديم التحديث المؤسسي بوصفه تغييراً شكلياً أكثر منه تحولاً بنيوياً في طبيعة الأجهزة الأمنية، وهو طرح يهدف ضمنياً إلى التشكيك في جدية عملية إعادة بناء المؤسسات.

وفي جانب آخر من القراءة، يولي التقرير أهمية خاصة لاختيار ساحة الأمويين مساراً للاستعراض الأمني، مستنداً إلى ما تحمله هذه الساحة من رمزية سياسية ومؤسساتية لوجود عدد من أبرز مؤسسات الدولة في محيطها، مثل وزارة الدفاع والقيادة العامة للقوات المسلحة. ومن خلال هذه الإشارة، يُعاد تفسير الاستعراض باعتباره مؤشراً على توسع الحضور الأمني في المجال العام، وهو تأويل يمنح الحدث بعداً عسكرياً، رغم أن الوحدات التي ظهرت في الاستعراض تقوم أساساً بمهام شرطية مدنية مثل أمن الطرق والمرور والخدمات السياحية.

قراءة نقدية لافتراضات تقرير مركز ألما حول تحديث وزارة الداخلية السورية

تظهر مراجعة الافتراضات التي يقوم عليها تقرير مركز ألما أن تفسيره لعملية تحديث قوى الأمن الداخلي في سوريا يقوم على مقاربة أمنية تتعامل مع هذه الخطوات باعتبارها تطوراً مقلقاً. غير أن وضع هذه القراءة في سياق التحولات التي شهدتها سوريا بعد عام 2024/2025 يوضح أن ما يجري لا يخرج في جوهره عن مسار سياسي أوسع يهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة قدرتها على تنظيم المجال الأمني واحتكار استخدام القوة ضمن الأطر الرسمية.

وفي هذا السياق، فإن إدخال تجهيزات حديثة إلى قوى الأمن الداخلي، بما في ذلك أسلحة ومعدات مصدرها تركيا، يمكن فهمه في إطار مساعي تنويع مصادر التسليح وإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية بعد سنوات طويلة من العزلة والاضطراب، لا بوصفه مؤشراً على تبعية سياسية كما يوحي التقرير. كما أن التركيز على هذه النقطة يغفل جانباً آخر يتمثل في التحولات التي طرأت على البيئة القانونية والسياسية المحيطة بالمؤسسات الأمنية السورية خلال المرحلة الانتقالية، بما في ذلك التطورات التي شهدتها ملفات العقوبات والتصنيفات المرتبطة بعدد من المسؤولين الحكوميين.

ومن ناحية أخرى، يكشف تحليل خطاب التقرير عن مفارقة واضحة؛ ففي الوقت الذي يطالب فيه المجتمع الدولي بضرورة تعزيز الاستقرار وضبط الأمن في سوريا، يجري تقديم الخطوات المرتبطة بإعادة تنظيم قوى الأمن الداخلي ومأسسة عملها على أنها مصدر تهديد محتمل. ويعكس هذا التناقض قدراً من القلق إزاء احتمال بروز مؤسسات أمنية وطنية أكثر تماسكاً وقدرة على فرض حضورها في المجال العام، الأمر الذي يعني عملياً تراجع دور الفاعلين المسلحين غير النظاميين الذين شكّل وجودهم خلال سنوات النزاع أحد مظاهر الهشاشة الأمنية في البلاد.

وبذلك، يمكن النظر إلى مادة مركز ألما حول تحديث وزارة الداخلية بوصفها قراءة تعكس جانباً من المخاوف الإسرائيلية المرتبطة بإمكانية تعافي مؤسسات الدولة السورية الأمنية والعسكرية. فبدلاً من التعامل مع عملية إعادة بناء الأجهزة النظامية باعتبارها خطوة نحو استعادة الاستقرار الداخلي، يجري تأطيرها ضمن تصور أمني يركز على احتمالات التهديد، في حين أن هذه التحولات ترتبط في جوهرها بمحاولة إعادة تثبيت مفهوم السيادة الوطنية وبناء مؤسسات أمنية تعمل ضمن إطار الدولة.