تحقيق خاص لمركز سجل يكشف كيف تبني حركة رواد الباشان شبكة نفوذ داخل دولة الاحتلال لدعم مشروعها؟

لم تعد حركة رواد الباشان (חלוצי הבשן) مجرد مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين يعبرون السياج الحدودي مع سوريا، يخترقون أراضيها ثم ينسحبون. فخلال عام واحد من تأسيسها، باتت الحركة تبني شبكة نفوذ آخذة في الاتساع داخل إسرائيل، تضم وزراء وبرلمانيين ورجال دين ومحامين، بحسب ما توصّل إليه هذا الاستقصاء لمركز سِجِلْ.

ويُظهر تتبّع نشاط رواد الباشان منذ نشأتها حتى تاريخ اليوم، أن النفوذ الذي تبنيه الحركة يمنحها حضوراً سياسياً وقانونياً، من شأنه أن يوفّر لها غطاءً لتحقيق أهدافها الاستيطانية في جنوب سوريا.

ويستند هذا الاستقصاء إلى رصد تحركات رواد الباشان على الأرض وعلى شبكة الإنترنت، وتتبّع شبكة داعميها من الشخصيات المتطرفة، وإظهار كيف أن الحركة جزء من تحرك استيطاني أكبر يستهدف أيضاً الأراضي اللبنانية وقطاع غزة.

ما هي حركة رواد الباشان؟

لفهم التحول الذي تشهده رواد الباشان، لا بد من العودة إلى بداياتها الأولى، فالحركة الاستيطانية حديثة العهد، بدأت نشاطها في أبريل 2025، مستفيدة من التوسّع العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، الذي أعقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. ومنذ بدايتها، استلهمت الحركة رؤيتها وأدواتها من حركات استيطانية مشابهة تسعى إلى إقامة بؤر استيطانية في لبنان وغزة.

تضم رواد الباشان مستوطنين ينحدرون من مستوطنات الجولان المحتل والضفة الغربية، وترفع شعار إقليم الباشان (חבל הבשן)، مستندة في ذلك إلى ما تردّده نصوص توراتية عن منطقة “الباشان”، وهي تسمية تشير إلى منطقة جغرافية تشمل شرق نهر الأردن وجنوب غرب سوريا، وتعني في أصلها الأرض الخصبة.

تتعامل الحركة مع التوسّع العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري بوصفه فرصة لفرض أمر واقع جديد عبر الاستيطان المدني، وتروّج لفكرة أن إقامة المستوطنات وحدها هي التي ستمنح الجيش الإسرائيلي مبرّراً “مشروعاً” للبقاء في المنطقة.

وكان الاحتلال الإسرائيلي قد وسّع فعلياً حضوره في الجنوب السوري بعد سقوط النظام، متجاوزة حدود المنطقة العازلة المنشأة بموجب اتفاقية فك الاشتباك عام 1974، ويمتلك جيش الاحتلال حالياً تسع قواعد عسكرية في جنوب سوريا، سبعة منها داخل المنطقة العازلة، وقاعدتان خارجها.

غير أن أيديولوجية رواد الباشان لا تقف عند المطالبة بالاستيطان في سوريا، فالحركة تستند إلى تفسير متطرّف لنصوص توراتية، تعتبر الباشان جزءً لا يتجزّأ من “أرض إسرائيل التوراتية”، ما يحوّل الادعاء الديني إلى أداة لتبرير السيطرة على الأرض، بل ويصل في بعض تعبيراته إلى الدعوة الصريحة للتطهير العرقي.

تصميم (1): خريطة توضّح نطاق نشاط واهتمام حركة رواد الباشان في الأراضي السورية

في منشور صفحة الحركة في فيسبوك، نُشر في 1 أبريل 2026، كتبت الحركة: “سيُطرَد جميع أبناء السنة والشيعة الموجودين في منطقة الباشان  ويُدمَّرون حتى يصبحوا بلا قيمة، كغبار الأرض، وستزدهر الباشان  وتتحقق في ظل حكم أبناء إسرائيل على أرضهم”.


صورة (1): منشور لحركة رواد الباشان على صفحة الفيسبوك تتحدّث عن طرد سكان المنطقة وإقامة أرض أسرائيل على إقليم الباشان

لا ينفصل هذا الخطاب عن توظيف الحركة لفكرة حماية الأقليات في سوريا؛ إذ تستخدم رواد الباشان هذا الشعار بوصفه أداة سياسية تخدم مشروعها الاستيطاني، وتربط بين التمدد نحو السويداء وحضر ودرعا في الجنوب السوري، وبين فكرة مساعدة الدروز أو دفعهم نحو الارتباط بكيان الاحتلال الإسرائيلي.

في الوقت ذاته، توسّع رواد الباشان علاقاتها مع حركات استيطانية متطرفة أخرى داخل إسرائيل، فهي تتقاطع مع حركة يوري تسافون (אורי צפון) الساعية إلى الاستيطان في جنوب لبنان، ومع حركة نحالا (נחלה) التي تستهدف قطاع غزة.

وليس هذا أمراً مستغرباً عما يمكن وصفه بأنه صعود في الحركات اليمينية الاستيطانية التي تشكّلت في أعقاب الأحداث الإقليمية الأخيرة، بل يمكن رصد أوجهٌ مختلفة من التعاون والدعم التي تجمع هذه الحركة في ما هو أقرب إلى شبكة تمزج بين وسائل الربط الرسمية وغير الرسمية. 

تصميم (2): صعود الحركات اليمينية الاستيطانية وشبكتها الداعمة

في يوليو 2025، وقّعت رواد الباشان ونحالا رسالة مشتركة إلى وزير الدفاع في دولة الاحتلال الإسرائيلي، تطالب بجولة في شمال غزة تمهيداً للاستيطان، لتقدّم رواد الباشان نفسها بذلك جزءً من منظومة استيطانية أوسع، لا تنظيماً منفصلاً؛ وهي منظومة ترى في سوريا ولبنان وغزة جبهات مترابطة لمشروع استيطاني.

تصميم (3): كيف تترابط الحركات الاستيطانية اليمينية معاً؟

المتطرفون الذين يقودون رواد الباشان


يقود حركة رواد الباشان الأكاديمي الإسرائيلي في جامعة أريئيل عاموس عزاريا (עמוס עזריה)، وهو من أبرز وجوه الحركة، ومن أوائل المستوطنين الذين شاركوا في الاقتحامات الأولى للأراضي السورية.

تصميم (4): أبرز قادة حركة رواد الباشان

يحمل عزاريا أفكاراً متطرّفة بشأن الاستيطان في الدول المجاورة للأراضي المحتلة، ولا يقتصر نشاطه على سوريا؛ فهو أيضاً من الوجوه البارزة في حركة يوري تسافون، المسجّلة رسمياً في إسرائيل، والتي تسعى إلى إقامة مستوطنات في جنوب لبنان.

صورة (2): وثيقة تسجيل حركة يوري تسافون الساعية إلى الاستيطان في لبنان

لا ينظر عزاريا إلى جنوب سوريا باعتباره أرضاً للاستيطان، بل يعتبرها جزءاً من مشروع توسعي أكبر لإسرائيل، إذ عدّ في مقابلة مع منصة الصوت اليهودي اليمينية (הקול היהודי)، أجريت معه في فبراير 2026، أن “سوريا هي الساحة الأنضج للتغيير”، ورفض الاكتفاء بشريط حدودي ضيق، كالذي يطلق عليه الإسرائيليون اسم “ممر داوود“، أو بمنطقة عازلة محدودة، داعياً إلى سيطرة أوسع تمتد إلى درعا في جنوب سوريا. وفي مقابلة أخرى في فبراير أيضاً مع القناة 12 قال إنه يتخيّل أن محاولات التسلّل المستمرة إلى الدول المجاورة ستشكّل ضغطاً على حكومة الاحتلال الإسرائيلي التي ستقبل بهذا الأمر الواقع.


صورة (3): عاموس عزاريا، قائد حركة رواد الباشان

إلى جانب عزاريا، يبرز جوناثان ليفي (יונתן לוי)، المنسق الميداني لحركة رواد الباشان، وأحد منظّريها الأيديولوجيين. وفي مقالاته، يقول ليفي إن الحضور العسكري وحده لا يكفي لردع ما يصفه بـ”التهديد السوري الجديد”، ويعتبر أن الاستيطان المدني هو “الرادع الحقيقي الوحيد”، كما يروّج لمزاعم تعتبر أن “منطقة الباشان  ليست أرضاً سورية، بل أرض توراتية موعودة”.

صورة (4): جوناثان ليفي، أحد أبرز المنظّرين والمنسّق الميداني في حركة رواد الباشان


أما الشخصية الثالثة الأبرز في الحركة، فهو يوسف لوريا (יוסף לוריא)، أحد متحدثي حركة رواد الباشان، والذي يدعو هو الآخر السلطات الإسرائيلية إلى ضرورة تسهيل الاستيطان في جنوب سوريا.

شرعنة رواد الباشان سياسياً في إسرائيل

بالتوازي مع اقتحاماتها المتكررة للأراضي السورية، باتت رواد الباشان تشق طريقها إلى داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، بحثاً عن غطاء يمنح مشروعها الاستيطاني مشروعية أوسع داخل إسرائيل.

في يناير 2026، استضاف الكنيست الإسرائيلي فعالية بعنوان “تحية لرواد الاستيطان”، كرّمت خلالها عضوة الكنيست ليمور سون هار ميلخ (לימור סון הר‑מלך) حركة رواد الباشان ومؤسسها عاموس عزاريا، فيما حملت شهادة التقدير توقيع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (איתמר בן גביר)، أحد أبرز الداعمين لنشاط المستوطنين.

صورة (5): عضوة الكنيست ليمور سون هار تكرّم قائد حركة رواد الباشان عاموس عزاريا – يناير 2026

لم يتوقّف حضور الحركة عند هذا الغطاء البرلماني؛ إذ راحت تفتح خطوطاً مباشرة مع وزراء في الحكومة الإسرائيلية، إذ نشرت يوم 27 أبريل 2026، على حسابها في منصة “إكس”، صورة جمعت مؤسسها عزاريا بوزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كرعي (שלמה קרעי).

عرضت الحركة على الوزير تعزيز تغطية الاتصالات الخلوية في منطقة الباشان ومحيط جبل الشيخ، في مؤشّر على أن الحركة تسعى إلى تهيئة بنية تحتية لازمة لوجود استيطاني دائم، مع محاولة تحويل مسؤولين حكوميين إلى شركاء في هذا المسار.

صورة (6): قائد حركة الباشان (على اليسار) مع وزير الاتصالات في دولة الاحتلال الإسرائيلي شلومو كرعي (منتصف)

كذلك، حظيت الحركة بدعم علني من وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي (עמיחי שיקלי)، الذي ظهر في فيديو في 26 فبراير 2026، وهو يتحدّث مؤيّداً للتحركات التي تقوم بها رواد الباشان في الجنوب السوري، إذ سألت الحركة الوزير عما سمّته “العودة إلى الباشان”، وكان جوابه: “هذه أرضنا، والعودة إلى الباشان هو التصحيح اللازم”.

وتُظهر هذه التحركات أن رواد الباشان لا تسعى فقط إلى تبرير اقتحاماتها للأراضي السورية، بل إلى نقل فكرة الاستيطان في جنوب سوريا إلى نقاش قابل للتداول داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية، خطوةً بعد أخرى.

وعلى المستوى القانوني، تعمل الحركة على تأمين حماية لأعضائها المشاركين في عمليات الاقتحام، ومساعدتهم على إيجاد مخارج قانونية بعد توقيفهم من قبل جيش الاحتلال، إذ بيّنت التقارير التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية عن توقيف بعض رواد الحركة أنهم مثلوا أمام القضاء بمحامين من منظمة حونينو (חונינו) اليمينية القانونية، المتخصصة في الدفاع عن المستوطنين.

الداعمون لحركة رواد الباشان

يكشف تتبع نشاط حركة رواد الباشان، خلال عامها الأول، أنها نجحت في توسيع دائرة الدعم المحيطة بها، ليس فقط بين المستوطنين والناشطين اليمينيين، بل أيضاً داخل أوساط سياسية ودينية إسرائيلية.

وتضمّ هذه الشبكة مسؤولين حاليين وسابقين، وأعضاء كنيست، وحاخامات، وشخصيات يمينية متطرفة تتقاطع مواقفها حول توسيع الاستيطان خارج الأراضي المحتلة.

تصميم (6): أبرز الشخصيات الداعمة لحركة رواد الباشان

ورصد استقصاء مركز سجل أبرز الداعمين الرئيسيين للحركة على النحو الآتي:

وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي: يتبنى مواقف متشددة تجاه سوريا، خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد، وفي سبتمبر 2025، قال إنه يعارض أي “اتفاق سلام مع سوريا”، وإنه لا ينبغي السماح للرئيس السوري أحمد الشرع بـ”التمركز على الحدود الشمالية لإسرائيل”. وبتاريخ 9 ديسمبر 2025، نشر شيكلي تغريدةً قال فيها أن الحرب مع سوريا حتمية.

صورة (7): عيمحاي شيكلي، وزير الشتات في دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأحد أبرز الداعمين لحركة رواد الباشان في مجلس وزراء دولة الاحتلال

كان شيكلي أيضاً من بين الأصوات البارزة في إسرائيل التي طالبت علناً باغتيال الرئيس الشرع، في دعوة تبناها كذلك وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير.

عضو الكنيست ليمور سون: هي التي كرّمت رواد الباشان في الكنيست، وتتبنّى أفكاراً متطرفة حيال مشروع الاستيطان، فهي أحد المشاركين الرئيسيين في قيادة لوبي برلماني من أجل العودة إلى الاستيطان في غزة، مع عضو الكنيست الإسرائيلي المتطرف تسفي سوكوت (צבי סוכות).

عضو الكنيست أريئيل كلنر: نائب من حزب الليكود الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويدعم كلنر (אריאל קלנר) حركة “يوري تسافون”، وكان قد ظهر في مارس 2026 بمقطع فيديو، يدعم فيه رواد الباشان، وقال إن “الأمن يُحسم عبر الاستيطان”. 

الحاخام يتسحاق جينسبورغ: من أبرز الشخصيات الدينية في إسرائيل، حتى الآن، التي دعمت علناً حركة رواد الباشان ونشاطها الاستيطاني في سوريا، إذ بعث جينسبورغ (יצחק גינזבורג) في مارس 2026 برسالة تشجيع إلى الحركة، ودعا إلى دعم القائمين عليها.

وجاء في رسالته: “لتقوَ أيديكم، أيها العاملون من أجل الاستيطان في الباشان، ميراث شعب إسرائيل إلى الأبد”، ورأى جينسبورغ أنه بعد أن بات جزء من جنوب سوريا في يد الاحتلال الإسرائيلي، ينبغي النظر إلى ذلك بوصفه فرصة للعمل على استيطان المكان.

كما يُعد جينسبورغ أيضاً أحد أبرز الحاخامات في حركة حاباد (חב״ד) الإسرائيلية، التي تدعم بشكل واضح تحركات الاستيطان في الضفة الغربية وغزة.

صورة (8): الحاخام يتسحاق جينسبورغ، أحد أبرز داعمي حركة رواد الباشان

يسرائيل أريئيل (ישראל אריאל): حاخام إسرائيلي متطرف، ومؤسس معهد الهيكل (מכון המקדש)، الذي يطمح إلى بناء ما يُسمّى الهيكل الثالث في القدس؛ وهو معبد يهودي مزعوم يُعتقد أنه سيُبنى مستقبلاً في الموقع المعروف يهودياً باسم جبل الهيكل، وهو نفسه موقع الحرم القدسي الشريف.

موشيه فيجلين: سياسي يميني متطرف، وعضو سابق في الكنيست عن حزب الليكود (הליכוד). عُرف فيجلين (משה פייגלין) بدعواته المتكررة إلى توسيع الاستيطان الإسرائيلي، إلى جانب تصريحات دعا فيها إلى مسح غزة وقصفها على غرار ما حدث في “هيروشيما”.

يبرز في هذا السياق أيضاً الهامش السياسي المتزايد الذي تحظى به الحركة، في ظلّ الدعم السياسي من وزراء وحاخامات وأعضاء كنيست، بالتزامن مع سعي الحركة لإقامة تحالفاتٍ مختلفة مع حركاتٍ مشابهة.

تحركات رواد الباشان  داخل الأراضي السورية

قامت الحركة بعددٍ كبيرٍ من الاقتحامات منذ تأسيسها في أبريل 2025 حتى تاريخ نشر هذا التقرير، وتكشف هذه العمليات عن أسلوب شبه ثابت تتبعه الحركة في عبور الحدود، وتوثيق الاقتحام، ثم تحويله إلى مادة دعائية.

تبدأ العملية عادة باستطلاع النقاط الأقرب إلى السياج الحدودي الفاصل بين الجولان المحتل والأراضي السورية، ثم اختيار موقع العبور، وتُظهر مقاطع فيديو وثّقت بعض الاقتحامات استخدام أدوات مثل المناشير الكهربائية لقطع أجزاء من السياج والدخول عبرها، كما حدث في اقتحام فبراير 2026.

يسبق ذلك دعوات وحملات منظّمة، كالحملة التي قامت بها الحركة في شهر مايو 2026 مثلاً.

صورة (9): دعوة نشرتها حركة رواد الباشان

تُشرك رواد الباشان العائلات والأطفال في عمليات اقتحام الحدود السورية، في محاولة لإضفاء صورة “سلمية” على اقتحام الحدود، وبعد دخولهم الأراضي السورية، يصوّر المستوطنون أنفسهم وهم يطالبون بالاستيطان، وأحياناً القيام ببعض المراسم والطقوس التوراتية والسياسية (مثل احتفالات بأعياد يهودية قبل أن يتدخل جنود جيش الاحتلال لإخراجهم، وبعدها تبدأ مرحلة الضخ الإعلامي، عبر نشر الحركة مقاطع مصورة عن الاقتحام، تتلقفها وتروّجها قنوات إسرائيلية على تلغرام.

تصميم (7): كيف تسير توغّلات رواد الباشان

وتحصي الحركة وبعض المواقع العبرية اليمينية 14 محاولةً مختلفة حتى تاريخ 18 مايو 2026، منها أحياناً تجاوز سريع للخطوط الحدودية والعودة، ومنها أكثر من محاولة في اليوم نفسه (مثلاً أربع محاولات بتاريخ 17 مايو 2026)، ومنها إقامة مظاهرات على الحدودية. ولكن يمكن حصر المحاولات والاقتحامات الرئيسية في ثماني مناسبات تمتد من أغسطس 2025 حتى تاريخ نشر هذا التقرير.

تصميم (8): خط زمني لأهم توغّلات حركة رواد الباشان منذ تأسيسها في أبريل 2025

ما يلي سرد زمني موجز لأبرز عمليات ومحاولات الاقتحام التي قامت بها الحركة حتى تاريخ نشر التقرير، كان منها مما رصده مركز سجل:

أغسطس 2025: نفذت الحركة أول اقتحام لها داخل الأراضي السورية، حين دخلت مجموعة من المستوطنين برفقة أطفالهم، بهدف إقامة ما أطلقوا عليه اسم مستوطنة واحة الباشان (נווה הבשן). 

صورة (9): جانب من توغّل حركة رواد الباشان في الجنوب السوري – أغسطس 2025

أكتوبر 2025: خرجت الحركة في جولة واسعة على طول الحدود في الجولان السوري المحتل، شملت مناطق تل الساقي وعين إيّا ورأس البشنيت، وخلالها حاولت ثلاث عائلات من نشطاء رواد الباشان عبور السياج الحدودي حاملين خياماً ومعدّات مبيت بهدف نصب بؤرة استيطانية دائمة داخل الأراضي السورية، لكن قوات الجيش والشرطة الإسرائيلية منعتهم وأجبرتهم على التراجع قبل تثبيت أي وجود فعلي في العمق السوري.

نوفمبر 2025: جاء الاقتحام من اتجاهين؛ الأول من جهة جبل الشيخ، الذي استولى عليه الاحتلال الإسرائيلي عقب سقوط نظام الأسد، والثاني من جهة قرية بئر العجم التابعة لمحافظة القنيطرة.

ديسمبر 2025: حاول أفراد الحركة اقتحام الأراضي السورية عدة مرات في شهر ديسمبر، كان منها محاولة أظهرت مستوطناً يقف داخل قرية بئر العجم.

يناير 2026: حاول ما يقارب 20 فرداً من الحركة عبور الحدود إلى سوريا عبر معبر القنيطرة، وتمّ القبض عليهم بعد أمتار قليلة من الحدود السورية

فبراير 2026: عبر مستوطنون السياج الحدودي، ودخلوا الأراضي السورية، وقاموا بما قالوا أنه مراسيم وضع الأحجار الأولى لمستوطنة محمية الباشان (שמורת הבשן) قبل أن يعيدهم جيش الاحتلال. 

أبريل 2026: اقتحم مستوطنون خينها السياج قرب قرية مجدل شمس، ودخلوا مئات الأمتار في عمق الأراضي السورية، وظهروا على سطح منزل في منطقة عين التينة القريبة من قرية حضر.

6 مايو 2026: نشر أفراد محسوبون على الحركة مقاطع فيديو قالوا فيها أنهم وصلوا إلى المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي في جبل الشيخ، وطالبوا بإقامة مستوطنة فيها.

17 مايو 2026: أقامت الحركة مظاهرة على السياج الحدودي في قرية مجدل شمس، وأقدم عددٌ من أفراد الحركةعلى تقييد أنفسهم بالسياج الحدودي، مطالبين حكومة الاحتلال بالسماح لهم بالاستيطان بالمنطقة.  

كيف تتعامل حكومة الاحتلال مع حركة رواد الباشان وتوغّلاتها؟

على مدار عام من عمليات الاقتحام المتكررة للأراضي السورية، تمّ احتجاز عشرات أعضاء الحركة على أيدي قوات الجيش الإسرائيلي والشرطة، غير أن مسار هذه التوقيفات كشف عن نمط ثابت: احتجاز مؤقت، وخطاب رسمي يصف الأفعال بالخطورة، ثم إفراج دون توجيه اتهامات جدية أو ملاحقة قضائية مكتملة بحسب ما وجده مركز سجل.

الاحتجاز بلا محاكمة: السلوك المتكرر منذ أغسطس 2025

في كل حادثة موثّقة، تكرّر المشهد بالصورة ذاتها: تعترض قوات الجيش المقتحمين داخل الأراضي السورية أو عند السياج الحدودي، تُعيدهم إلى الأراضي الإسرائيلية، وتُحيلهم إلى الشرطة لـ”مواصلة التحقيق”، ثم لا يُسجَّل في أي حالة توجيه اتهامات رسمية أو استكمال محاكمة، مع إصدار بعض البيانات هنا وهناك.

ففي  أغسطس 2025، حين أقامت الحركة طقس “حجر الأساس” لمستوطنة واحة الباشان عبر الحدود السورية، احتُجز المشاركون وأُحيلوا للتحقيق، ولم يصدر أي إعلان عن توجيه اتهامات في أعقاب ذلك. 

وفي  نوفمبر 2025، استخدم 13 عضواً مناشير كهربائية لقطع السياج الحدودي والدخول إلى سوريا في موقعين منفصلين؛ وصف الجيش الإسرائيلي ما جرى بأنه  “انتهاك جنائي خطير” ، وتعامل بعض المحتجزين مع الجنود بعدوانية خلال الاحتجاز، قبل نقلهم إلى الشرطة.

وفي  يناير 2026، رصدت قوات الجيش نحو خمسة عشر شخصاً من الحركة يقتربون من السياج الحدودي عند مدخل القنيطرة، فأُوقفوا وأُعيدوا إلى الداخل الإسرائيلي.

وفي  فبراير 2026 ، وصف الجيش الإسرائيلي الاقتحام الذي شهد وضع “حجر أساس” مزعوم لمستوطنة جديدة بأنه “جريمة جنائية خطيرة تعرّض المدنيين والجنود للخطر”.

ولكن الخطر أنه مع امتداد كل هذه الحوادث، لم تُسجَّل محاكمة واحدة اكتملت إجراءاتها.

الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية: تناقض لافت

أكدت الشرطة الإسرائيلية في أعقاب اقتحامات أبريل 2026  أن عبور الحدود باتجاه سوريا أو لبنان “يُعدّ جريمة جنائية خطيرة وفق القانون الإسرائيلي يعاقب عليها بالسجن حتى أربع سنوات”. وعلى المستوى المحلي، وصف  رئيس المجلس الإقليمي للجولان أوري كيلنر (אורי קלנר) ما تقوم به الحركة بأنه “تجاوز لخط أحمر” وتصرف ينطوي على مخاطر “شخصية وأمنية”.

صورة (10): محتجزون من حركة رواد الباشان بعد القبض عليهم من قبل قوات أمن الاحتلال الإسرائيلي بحسب صحيفة إسرائيل هيوم – 22أبريل 2026

بيد أن هذا الخطاب يتعارض مع ما توثّقه الوقائع على الأرض: ففي  أكتوبر 2025 ، حين حاولت ثلاث عائلات نصب خيامها عند السياج الحدودي، أوقفهم الجنود وأبعدوهم دون اعتقال. وفي وقائع أخرى، وصفت  وسائل إعلام عبرية  كيف أن الجيش “حذّر” المقتحمين واحتجز بعضهم لفترات وجيزة قبل الإفراج عنهم، في غياب شبه تام لأي إجراء قانوني لاحق.

دعم قانوني واضح

لا يبدو أن هذا النمط وليد الصدفة؛ إذ تولّت منظمة حونينو  تمثيل المحتجزين فور توقيفهم في مناسبات متعددة، كما نشرت في هذا البيان، وفي مناسباتٍ أخرى في شهر ديسمبر 2025، مع ذكر المنظّمة صراحة أن محاميها، الذين يتمّ تسميتهم في البيانات عقب كل إفراج، قاموا بتمثيل أفراد الحركة.

وهذا يدلّ على أن للحركة منظومة دعم قانوني معدّة سلفاً، مما يُقلّص الأثر القانوني لكل اقتحام.

التكرار دليل على غياب الردع

لعل أبلغ دليل على انعدام الردع الحقيقي هو الرقم وحده: 14 محاولة اقتحام موثّقة منذ تأسيس الحركة، دون أن تؤدي أي منها إلى ملاحقة قضائية مكتملة، على الرغم من عمليات إعادة المستوطنين أو إصدار البيانات شديدة اللهجة.

بل إن  الحركة ذاتها  تستثمر هذا الواقع في خطابها، إذ يصوّر قادتها كل احتجاز فرصةً للضغط السياسي لا عقبةً قانونية، مع مطالبتهم بالسماح لهم بالاستقرار في أراضي  الباشان. ويمكن تفسير هذا النمط بأنه معادلة ضمنية تُطمئن المؤسسة الأمنية الحلفاء الدوليين بوصف الاقتحامات بـ”غير القانونية”، في حين تمتنع عن توجيه اتهامات فعلية تُغضب الوزراء ذوي التوجه المؤيد للاستيطان الذين تتقاطع مصالحهم مع الحركة.

ختاماً: أين يكمن الخطر؟ 

يكشف تتبع مسار حركة رواد الباشان، خلال عام من نشأتها، أن خطورتها لا تكمن فقط في تكرار اقتحاماتها للأراضي السورية، ولا في عزمها مواصلة هذا النشاط، بل أيضاً في قدرتها على استغلال الهشاشة القائمة في المنطقة الحدودية بين الجنوب السوري وهضبة الجولان المحتل، وتحويلها إلى مساحة اختبار لمشروع استيطاني جديد.

فالحركة، التي بدأت جماعة صغيرة تقتحم السياج الحدودي وتوثق خطواتها بالكاميرا، لم تبقَ عند هذا الحد، وخلال أشهر، راحت تبحث عن شرعية داخلية في إسرائيل، وتنسج علاقات مع أعضاء كنيست ووزراء وحاخامات ومحامين، وتحوّل كل اقتحام إلى رسالة سياسية مفادها أن الوجود العسكري وحده لا يكفي، وأن الخطوة التالية، في تصورها، هي الاستيطان المدني.

وما يجعل هذا النشاط أكثر خطورة أن الحركة لا تسعى فقط إلى عبور الحدود، بل إلى إعادة تعريفها، فهي تختبر الأرض وردود الفعل معاً، بدءً من كيفية تعامل جيش الاحتلال مع اقتحاماتها، إلى اختبار إلى أي مدى يمكن للمؤسسات الإسرائيلية احتواؤها أو تبنّيها، وصولاً إلى شكل رد السلطات السورية على تحركاتها المتكررة.