- تتبنّى دمشق، عبر تصريحات الرئيس أحمد الشرع، مساراً حكيماً يرفض أي “تدخل سلبي”، مفضلةً مساعي الحل السياسي والتفاعل عبر مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية حصراً.
- تفصل القيادة السورية بذكاء بين ذاكرتها السياسية لجرائم حزب الله ومصالحها العليا؛ وهذا التبريد في الخطاب يُعد تداركاً تكتيكياً يجرّد الحزب من ذريعة تصوير دمشق كأداة في مشروع خارجي.
- رغم إدراك خطورة السلاح خارج إطار السلطة، تؤكد دمشق أن معالجة ملف سلاح حزب الله تتطلب مساراً سياسياً وأمنياً داخل لبنان، لتجنب تدخل عسكري قد يزيد الانقسام ويعقّد المشهد.
- يُدرك صانع القرار السوري أن التدخل العسكري سيستنزف جيشاً قيد إعادة البناء ويدمر مساعي التعافي الاقتصادي، كما أن البديل السياسي في لبنان، في حال تفكيك الحزب، يغرق دمشق في استنزاف مجاني.
- يقتصر الدور السوري على إدارة ذكية تعتمد حماية الحدود بصرامة للرد الموضعي ومنع التهريب، مقترنة باستراتيجية التبريد السياسي والإعلامي، مع التجنب المطلق لأي توغل داخل الساحة اللبنانية.
يُقيّم هذا التحليل المواقف الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع تجاه لبنان، ويبيّن أن هذه التصريحات تُمثل تطوراً إيجابياً وشيئاً من الحكمة وتوضيح المسار ينأى بسوريا عن مغامرة غير محسوبة بالانجرار إلى الساحة اللبنانية.
أكّد الرئيس الشرع، في مقابلته مع قناة المشهد، أنه لا يريد لسوريا أي “تدخل سلبي في لبنان”، رافضاً الخيارات العسكرية لصالح تفاعل سياسي واقتصادي يمر عبر مؤسسات الدولة اللبنانية. وبيّن أن الاستجابة للمساعي الأميركية لوقف الحرب تعني جهداً سياسياً للحل لا تدخلاً عسكرياً.
ورغم استحضاره للذاكرة السلبية المتعلقة بجرائم حزب الله، ترك باب الحوار مفتوحاً لضمان الاستقرار، محذراً من أن استهداف مكون كامل كالبيئة الشيعية يضر بكل لبنان.
مما يلفت في التصريحات التفرقة بين الذاكرة السياسية السورية تجاه حزب الله وبين مصلحة سوريا. وينطوي خطاب الرئيس الشرع على تداركٍ تكتيكي لتصريحات سابقة حادة طالبت بنزع سلاح حزب الله؛ فتلك المواقف المبكرة منحت الحزب المأزوم ذريعة أيديولوجية لتصوير دمشق كأداة في مشروع خارجي يطعنه في الظهر، ووفرت له غطاءً لتصعيد ميداني مباشر تجلى في قصف سرغايا في مارس 2026. اليوم، عبر إبقاء الباب موارباً ورفض التدخل السلبي، تُجرّد دمشق الحزب تماماً من هذه الذريعة التعبوية.
كما أن حديث الشرع عن صعوبة بناء الدولة في ظل وجود قوى عسكرية خارج إطار السلطة الرسمية يقترب من جوهر الإشكالية اللبنانية، لكنه لا يحوّلها إلى مبرّر لتدخل سوري مباشر. فملف سلاح حزب الله يبقى بالدرجة الأولى شأناً لبنانياً داخلياً، وأي معالجة له تحتاج إلى مسار سياسي وأمني داخل لبنان، لا إلى تدخل عسكري من الخارج قد يزيد الانقسام ويعقد المشهد أكثر.
ينسجم هذا الموقف، في جزءٍ كبيرٍ منه، مع ما طرحه مركز سجل في تقدير موقف نُشر بتاريخ 19 مارس حول ضرورة تجنّب الصدام المباشر، الذي يركّز على حسن تقدير كلفة المواجهة الحالية، وليس تبرئة حزب الله من الدم السوري. فسوريا الخارجة من مرحلة طويلة من الحرب لا تبدو في موقع يسمح لها بفتح جبهة جديدة، خاصة أن أولوياتها الداخلية لا تزال ثقيلة ومعقدة.
وكما ذهب إليه تقدير موقف سجل، يُدرك صانع القرار أن التدخل العسكري فخ استراتيجي؛ فالداخل السوري يعاني هشاشة سياسية، وأي صراع سيستنزف جيشاً قيد إعادة البناء، ويدمر مساعي التعافي الاقتصادي وجهود إعادة الإعمار. كما أن الساحة اللبنانية محتقنة، والتدخّل سيوقظ حساسيات تاريخية. وحتى في حال تفكيك قدرات حزب الله، فإن البديل السياسي الأقرب سيكون صيغاً من “المارونية السياسية” الطائفية والنخبوية، والتي لن تمنح دمشق أي شرعية ممتدة، بل ستغرقها في استنزاف مجاني.
تتبنّى دمشق الخيار الأنجع المتمثل في “الردع الدفاعي النشط” مترافقاً مع استراتيجية التبريد السياسي والإعلامي. وتقوم هذه المقاربة ميدانياً على نشرٍ متين لقوات حرس الحدود للرد الموضعي والحاسم على مصادر النيران ومنع مسارات التهريب مع التجنّب المطلق للتوغل خطوة واحدة داخل لبنان، وسياسياً عبر الاستعاضة عن التصريحات الحادة والمحرضة بخطاب دبلوماسي يجمع بين التركيز على حماية حدود الدولة وعدم التدخّل في شؤون دولٍ أخرى.
في المحصّلة، لا يُظهر الموقف السوري اندفاعاً نحو المواجهة العسكرية المباشرة، ولا انسحاباً من التأثير الفاعل. بل يبلور إدارة ذكية ترتكز على ثلاثة مستويات: حماية الحدود، وكبح الفوضى والتهريب، والتجنب المطلق للانخراط العسكري اللبناني. وهذا ما التقطه تقدير مركز سجل منذ مارس 2026، حين ربط أي دور سوري محتمل بحدود القدرة الداخلية وأولويات إعادة بناء الدولة، لا بحسابات المواجهة المفتوحة. ومن هنا، تبدو مقابلة الرئيس أحمد الشرع امتداداً لهذا المنطق؛ فالدور السوري، إن وُجد، سيبقى أقرب إلى ضبط الحدود، والتنسيق عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، والمساهمة في منع توسع الحرب، من دون تحويل سوريا إلى طرف عسكري مباشر في الساحة اللبنانية.





