مقدمة
شهد الجنوب السوري يومَي 12 و13 سبتمبر سلسلة من توغلات الاحتلال الإسرائيلي والقصف المدفعي وإقامة حواجز مؤقتة في ريف دمشق والقنيطرة ودرعا. وكان التصعيد الأبرز في منطقة بيت جن بريف دمشق الغربي، إذ دخلت قوة مدرعة إلى الأراضي الزراعية للبلدة بنحو عشر آليات في 12 سبتمبر ، رافقها دبابتان وجرافة، بالتزامن مع قصف طال محيط المنطقة. وفي 13 سبتمبر اتسع نطاق التحركات بتوغل قوة مشاة قرب تل باط (باط الوردة) على أطراف بيت جن.
وتشير طبيعة هذه التحركات إلى تصعيد متدرّج خلال فترة قصيرة، بدأ بالقصف، ثم بدخول الآليات المدرعة، وصولاً إلى تحرك قوات مشاة على أطراف البلدة. وبالتوازي مع ذلك، استمرت التحركات الإسرائيلية في القنيطرة وريف درعا، ما يدل على أن النشاط لم يقتصر على بيت جن أو على حادثة حدودية منفردة. وقد تتزامن هذا التصعيد مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق، التي استمرت يومين، وشكّل ملف الجنوب السوري والاعتداءات الإسرائيلية أحد الموضوعات المطروحة.
12 سبتمبر.. توغل مدرع واتساع التحركات
بدأ التصعيد صباح 12 سبتمبر في محيط مزرعة بيت جن، عندما توغّلت قوة إسرائيلية الأراضي الزراعية التابعة للبلدة بأكثر من عشر آليات، بينها دبابتان وجرافة هندسية. وتزامن التوغل مع قصف مدفعي استهدف الأراضي الواقعة غربي البلدة، من دون تسجيل إصابات. ويشير ووجود الجرافة ضمن القوة إلى استعدادها للتعامل مع الطرق والمسارات أثناء التوغل، من دون وجود ما يؤكد تنفيذ أعمال هندسية دائمة في المنطقة.
ولم تقتصر التحركات على ريف دمشق، إذ دخلت قوة مشاة إلى محيط كودنة في القنيطرة وتحركت بين المنازل، فيما شهدت الرفيد خلال صباح 13 سبتمبر عمليات تفتيش واحتجاز مؤقت لمدنيين، وفي ريف درعا الغربي استمر إطلاق النار من موقع ثكنة الجزيرة باتجاه محيط معرية. وبذلك، توزعت التحركات بين دخول الآليات، وتحرك قوات المشاة، وعمليات التفتيش والاحتجاز المؤقت، وإطلاق النار من المواقع العسكرية الإسرائيلية في أكثر من منطقة جنوبية.
وتأتي هذه الأحداث ضمن تحركات إسرائيلية شبه يومية في الجنوب السوري. وكانت تقارير مركز “سجل” قد أظهرت ارتفاعاً في عدد الانتهاكات خلال أغسطس، شملت التوغلات والمداهمات والحواجز وعمليات التفتيش. لذلك، لا تمثل أحداث 12 سبتمبر بداية مسار جديد، بقدر ما تعكس زيادة واضحة في حجم التحركات حول بيت جن، ولا سيما مع دخول قوة مدرعة ترافقها جرافة إلى أراضي البلدة.
13 سبتمبر.. المشاة تقترب من تل باط
كان التطور الأبرز في 13 سبتمبر وصول قوة مشاة إسرائيلية إلى محيط تل باط على أطراف بلدة بيت جن، وإقامة حاجز مؤقت عند مدخل البلدة الجنوبي، وذلك بعد يوم واحد من دخول القوة المدرعة إلى أراضي المزرعة المجاورة. ويشير انتقال التحرك إلى قوات المشاة إلى اقتراب أكبر من محيط البلدة والمناطق الجبلية التي يصعب التحرك فيها بالآليات، كما يتيح مراقبة الطرق والمسارات المحيطة بالتل. ولا تكفي هذه المعطيات للقول إن هناك استعداداً لاقتحام بيت جن أو البقاء فيها، لكنه تعكس ارتفاعاً في مستوى نشاط الاحتلال الإسرائيلي المباشر حول البلدة.
وبعد منتصف ليلة 12 سبتمبر، استمرت التحركات في القنيطرة؛ إذ تحركت قوة تضم دبابات وعربات وناقلات جند باتجاه تل أحمر في محيط عين النورية، وأقامت حاجزاً مؤقتاً على الطريق. كما توغّلت دورية مؤلفة من أربع سيارات في مزارع الأمل شمال المحافظة، وأضرمت النار في “مركز أمهات طرنجة” قبل أن تنسحب.
وفي ريف دمشق، استهدفت مدفعية الاحتلال الإسرائيلي تلة حربون، الواقعة على الأطراف الغربية لبيت جن بـ 7 قذائف مدفعية، ما أدى إلى اندلاع حرائق واحتراق ما يقارب 30 دونماً من الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون،وأثار هذا القصف حالة من الذعر بين أهالي البلدة، ودفع بعضهم للتفكير في النزوح. وانسحبت قوات الاحتلال مساء 13 سبتمبر بعد بقائها في المنقط

خريطة لتمركز عمليات الاحتلال الإسرائيلي خلال 12 -13 سبتمبر في الجنوب السوري
وبذلك، توزعت التحركات بين القصف حول بيت جن، والدوريات والحواجز في القنيطرة، والتقدم البري باتجاه أطراف البلدة. وتشير خريطة هذه التحركات إلى نشاط متزامن في أكثر من منطقة جنوبية، شملت بيت جن ومحيط جبل الشيخ، وتل أحمر وعين النورية في شمال القنيطرة، إضافةً إلى معرية وثكنة الجزيرة قرب حوض اليرموك. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود عملية واحدة تجمع هذه التحركات، لكنه يوضح أن قوات الاحتلال الإسرائيلي الإسرائيلي قد تحركت في عدة مناطق في الوقت نفسه، مستفيدةً من الدوريات البرية والقصف ونقاط الانتشار القريبة من الحدود.
ماذا يقول الخطاب العسكري والإعلامي الإسرائيلي؟
تساعد التصريحات الإسرائيلية خلال الأسابيع الماضية في فهم الخلفية التي تجري ضمنها هذه التحركات، ففي 19 أغسطس، قال رئيس الأركان إيال زامير، خلال جولة في جنوب سوريا وقيادة الفرقة 210 إن الجيش أنشأ في سوريا “مجال دفاع أمامياً” بهدف منع تمركز قوات يعتبرها معادية ومنع تشكّل تهديد على الحدود، ويشير هذا الطرح إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع خط الحدود وحده بوصفه مجالاً للدفاع، بل توسع نشاطها العسكري إلى داخل الأراضي السورية ضمن تصور أمني أوسع.
وفي مطلع سبتمبر نفذت الفرقة 210 تدريباً واسعاً في الجولان وعلى الجبهة السورية، شمل سيناريوهات متعددة، بمشاركة قوات إنذار ونيران وقوات خاصة، وفق ما نشره جيش الاحتلال الإسرائيلي وتناولته وسائل إعلام إسرائيلية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن توغلات 12 و13 سبتمبر كانت جزءاً من هذا التدريب، لكنه بنفس الوقت يعكس مستوى الجاهزية الذي تحافظ عليه إسرائيل على الجبهة السورية، وتعاملها معها كساحة مفتوحة للتحرك عند الحاجة.
ومن هذه الزاوية، تنسجم التوغلات الأخيرة مع السياسة الإسرائيلية المعلنة بالحفاظ على وجود أمني متقدم وحرية الحركة داخل الجنوب السوري. والجديد في يومي 12 و13 سبتمبر هو تزامن عدة أشكال من التحرك خلال فترة قصيرة، شملت قوة مدرعة وجرافة قرب بيت جن، وقوات مشاة قرب تل باط، وقوة كبيرة في محيط تل أحمر، إلى جانب إقامة الحواجز والقصف المدفعي.
وبناءاً على ذلك، تبدو هذه التحركات أقرب إلى أن تكون جزءاً من سياسة أوسع لتوسيع هامش الحركة والضغط في الجنوب السوري، بدل النظر إلى كل حادثة باعتبارها واقعة منفصلة تماماً عن الأخرى.
زيارة فيدان.. التزامن يضيف بعداً سياسياً
وصل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق في 13 سبتمبر في زيارة استمرت يومين، جاءت بعد أيام من زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى أنقرة. تناولت المباحثات تطورات الجنوب السوري والاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب العلاقات الثنائية والملفات الأمنية المرتبطة بإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ويمنح هذا التزامن التحركات الإسرائيلية الجارية بُعداً سياسياً إضافياً، إذ جاءت بالتوازي مع مشاورات سورية-تركية تتناول بصورة مباشرة الوضع الأمني في الجنوب. ولا تتوفر معطيات علنية تسمح بالقول إن إسرائيل اختارت توقيت هذه التوغلات رداً على زيارة فيدان، إلا أن تزامنها يجعل ملف الجنوب أكثر حضوراً في المباحثات. وهذا ما حصل، إذ أشار فيدان خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني في قصر تشرين بدمشق إلى أن “سوريا التي تبعث الأمل للمنطقة والعالم لا تزال تواجه عاملاً يهدد الاستقرار، وهو إسرائيل، فالسياسات التي تنتهجها إسرائيل تشكل أكبر معوق أمام التطورات الإيجابية، واستهداف مطار أبو الظهور مؤخراً هو أحد أوضح الأمثلة على ذلك.”. ويكشف هذا التزامن في الوقت نفسه عن التباين بين مسعى دمشق وأنقرة إلى تعزيز سيطرة الدولة على أراضيها، وبين استمرار إسرائيل في التحرك عسكرياً داخل الجنوب وفرض ترتيبات أمنية من جانب واحد.

خريطة لنقاط قوات الاحتلال الإسرائيلي العسكرية في الجنوب السوري
وبالنسبة إلى الحكومة السورية، تضع هذه التحركات ضغطاً إضافياً على المسار الدبلوماسي، ما لم ينجح هذا المسار في الحد من التوغلات المتكررة. أما بالنسبة إلى تركيا، فيأتي التصعيد في وقت تنظر فيه إلى الاعتداءات الإسرائيلية باعتبارها عاملاً يزيد من هشاشة الوضع الأمني في سوريا. وفي المحصلة، تعكس التحركات الإسرائيلية استمرار تل أبيب في الاعتماد على الوجود العسكري الميداني بالتوازي مع المسار السياسي، بما يشير إلى أن ترتيبات الجنوب السوري لا تزال مرتبطة، من وجهة نظر الاحتلال الإسرائيلي، بإجراءات أمنية ميدانية إلى جانب أي مسار تفاوضي.





