عسكرة التغطية الصحفية: تفكيك الخطاب الإسرائيلي تجاه محاولات تعافي المؤسسة العسكرية السورية

مقدمة

خلال الفترة الأخيرة، ازداد الاهتمام بمتابعة خطاب إعلام الاحتلال الإسرائيلي تجاه سوريا، خاصة مع التحولات التي شهدها المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد. وفي هذا السياق، يواصل مركز سِجِلْ اهتمامه بقراءة التحولات الإسرائيلية في الجنوب السوري ورصد أنماط الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بها، سواء على المستوى الميداني أو ضمن التغطيات العبرية التي تعكس في كثير من الأحيان مقاربة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية للملف السوري.

ويأتي هذا الجهد استكمالاً لمسار تحليلي تراكمي دأب مركز سجل من خلاله على تفكيك بنية هذا الخطاب وموجهاته، والذي تُرجِم سابقاً في إصدارات تحليلية شملت تحليل خطاب تقارير ومقالات عديدة، وكان منها مخرجات معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) في ورقة بعنوان: “سوريا في قلب المواجهة الإقليمية: تفكيك سردية (الحياد النشط) في خطاب معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي“، وتفكيك السردية الأمنية لـ “مركز ألما” (Alma) في ورقة: “تحديث المنظومة الأمنية السورية والرهانات الإسرائيلية: قراءة في خطاب مركز ألما حول استعراض وزارة الداخلية السورية“. لننتقل في هذا التقرير إلى رصد التغطيات الصحفية العبرية التي تعكس في كثير من الأحيان مقاربة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية للملف السوري.

ضمن هذا الإطار، أثار تقرير نشرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية نقاشاً واسعاً في وسائل الإعلام العربية وعلى منصات التواصل الاجتماعي السورية، خصوصاً مع تداول ترجمات متباينة لبعض مضامينه، الأمر الذي أدى أحياناً إلى نقل غير دقيق لما ورد فيه.

أهمية التقرير لا ترتبط فقط بالمعلومات التي يتضمنها، بل بالطريقة التي يقدم بها المشهد السوري ضمن السردية الأمنية الإسرائيلية الحالية. فمن خلال قراءة طريقة الصياغة والعناوين المستخدمة، يمكن ملاحظة كيف يجري ربط التطورات داخل سوريا مباشرة بمفهوم “التهديد الأمني” بالنسبة لإسرائيل.

ظهر ذلك بوضوح في طريقة عرض التقرير نفسه. ففي نسخته الأولى، ركّز العنوان على الحديث عن مخاوف إسرائيلية من احتمال تدخل سوري في لبنان، قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى عنوان يربط أحمد الشرع والجولان بصورة مباشرة. هذا التغيير لا يبدو تفصيلاً عابراً، بل يعكس توجهاً نحو إعادة تركيز الاهتمام الإسرائيلي على الجبهة الشمالية وربط أي تحولات سورية مستقبلية بسيناريوهات التهديد الأمني.

كما يحاول التقرير تقديم خطوات مرتبطة بإعادة بناء المؤسسات العسكرية أو ترميم بعض القدرات الدفاعية السورية باعتبارها مؤشرات على تصاعد خطر جديد. وفي المقابل، يغيب عن هذا الطرح سياق أوسع يتعلق بطبيعة المرحلة الانتقالية داخل سوريا، أو بحقيقة أن أي سلطة جديدة ستسعى بطبيعة الحال إلى إعادة تنظيم مؤسساتها الأمنية والعسكرية.

ومن خلال تتبع بنية التقرير، يمكن ملاحظة التداخل بين الطابع الإعلامي والتسريبات ذات الخلفية الأمنية، إلى جانب استخدام مكثف للغة التحذير وربط الملف السوري بالساحة اللبنانية والجولان في آن واحد. وهذا يعكس اتجاهاً متزايداً داخل الخطاب الإسرائيلي نحو التعامل مع التطورات السورية باعتبارها ملفاً أمنياً مفتوحاً يجب إبقاؤه ضمن حالة الاستنفار الدائم.

“هندسة التهديد”: قراءة تفكيكية في تقرير “معاريف” حول إعادة بناء الجيش السوري

نشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية تقريراً بتاريخ 6 مايو أثار تفاعلاً واسعاً في مختلف وسائل الإعلام العربية، ولاقى صدى كبيراً في الفضاء الرقمي السوري والعربي. وتجدر الإشارة مبدئياً إلى أن أجزاءً مما تداوله الإعلام العربي عن هذا التقرير نُقلت بصورة مشوهة، نتيجة غياب الدقة واختلاف أوجه الترجمة عن النص الأصلي.

عمد موقع الصحيفة إلى توظيف أسلوب التلاعب بالعناوين في محاولة لجذب انتباه القراء وزيادة الزيارات؛ إذ نُشر التقرير بدايةً تحت عنوان: “مخاوف شديدة في القدس (بصفتها مركزاً للقرار الإسرائيلي): الرئيس السوري الجولاني قد يتخذ قراراً صعباً في لبنان”. ليتم لاحقاً الاستقرار على عنوان نهائي مختلف وهو: “بصمت وبهدوء تام: الجولاني يبني تهديداً جديداً ومباشراً على هضبة الجولان”.

إن الاستقرار على العنوان الأخير، الذي يركز على “تهديدات” تتشكل من الجغرافيا السورية تجاه الجولان السوري المحتل، يمثل نقطة جذب مقصودة للوعي الجمعي الإسرائيلي. ويرتبط هذا التوجه ارتباطاً وثيقاً بالسردية الأمنية والإعلامية الإسرائيلية التي تتبنى خطاب “الحذر المضاعف” والاستنفار على كافة الجبهات في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر.

يستهل المقال مدخله بخلاصة تدعي “وجود قلق في إسرائيل إزاء قرار الرئيس السوري الجولاني إعادة بناء الجيش السوري”، مشيراً إلى رصد إسرائيلي لوتيرة مرتفعة للغاية وتتجاوز التوقعات في تعاظم قوة ما أسماه التقرير “النظام الجديد” في سوريا.

يلاحظ في هذا السياق التوظيف المتعمد للمسمى الحركي القديم للرئيس السوري، وهو نمط معتاد وممنهج في التعاطي الإعلامي الإسرائيلي مع الملف السوري بهدف التنميط. علاوة على ذلك، فإن تصوير مسألة سعي القيادة السورية لإعادة بناء جيشها الوطني وكأنه “اكتشاف استخباراتي” أو حدث مستهجن، يثير الاستغراب؛ إذ من البديهي والطبيعي لأي دولة أن تسعى لترميم قواتها المسلحة ومضاعفة خبراتها. غير أن التأطير الإسرائيلي لهذه الخطوة الطبيعية بوصفها “تهديداً”، يرتبط عضوياً بمحاولة تبرير الحملة الجوية الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت تدمير معظم القدرات الاستراتيجية والعسكرية في سوريا فور التحرر من نظام الأسد البائد.

وفي تفاصيل الخبر، تدّعي “معاريف” أن نشاطات السلطة السورية الجديدة تحظى بدعم مباشر من تركيا والرئيس أردوغان، زاعمةً أن العمل جار على ترميم سلاح الجو السوري، وبناء منظومات نيران ثقيلة تشمل وحدات مدرعة، ومدفعية، وقدرات صاروخية. وقد سيقت هذه المعلومات ضمن السرد الخبري للصحيفة دون إسنادها إلى مصدر بعينه. وبالتوازي مع ذلك، ذكّر التقرير بالسياسة الدفاعية الإسرائيلية الصارمة (وفق وصفه) لمرحلة ما بعد 7 أكتوبر، والتي تقوم على مبدأ منع أي طرف مُعادٍ يطوق إسرائيل من التعاظم والتحول إلى قوة تشكل تهديداً.

ويمضي التقرير في توصيفه للسلطة السورية الجديدة، مشدّداً على أن سوريا تُصنف حالياً كـ “دولة عدو” لعدم وجود اتفاقية سلام أو اعتراف متبادل. وينسب للمؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية قولها إن السلطة الحالية هي “نظام خطير يستند إلى أيديولوجيا إسلامية متطرفة وجهادية”، محذراً من أن ترسيخ القيادة السورية لقوتها وبناءها للجيش بدعم تركي، يمكن أن يُوجّه على المدى البعيد نحو إسرائيل، ويتقاطع هذا الوصم “بالإسلامي والجهادي المتطرف” تماماً مع التصريحات المتكررة لوزير الدفاع الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” في أكثر من مناسبة.

تنتقل الصحيفة بعد ذلك إلى استعراض اقتباسات منسوبة لمصادر عسكرية إسرائيلية تقيّم طبيعة السلطة السورية المحدثة داخلياً وخارجياً؛ إذ يُصرح المصدر الأول بأنه “لا توجد ثقة إسرائيلية بالنظام السوري، ويجب التعامل معه كتهديد”. فيما يتقاطع مصدر عسكري ثان (سبق وتحدث للصحيفة قبل أيام) مع مسألة ترميم القدرات، معتبراً أن “الاتجاه السوري غير واضح، فهم يحاولون بناء جيش وترميم منظومات دفاع جوي وعدد من المروحيات المتبقية”، زاعماً رصد محاولات تحليق لبعضها “هذا الأسبوع”.

وفي انزياح تحليلي يفتقر للعمق، يطرح مصدر عسكري ثالث قراءة سطحية تتناقض كلياً مع الرغبة السورية والتصريحات الرسمية المتكررة التي تنفي أي نية للتدخل في لبنان. يزعم هذا المصدر أن “سوريا تطمح للتدخل في لبنان”، مبنياً فرضيته على خشية مزعومة من استنجاد “السُنة” في لبنان بالتدخل السوري لشعورهم بالتهديد من “حزب الله”، ومستحضراً سيناريو التدخل إبان عهد حافظ الأسد في ثمانينيات القرن الماضي. يلعب هذا المصدر بوضوح على الوتر الطائفي بامتياز، في مشهدية لا يغيب عنها ولو بشكل غير مباشر”الملف الدرزي” في لبنان؛ وهو ما يعززه التقرير في ذات السياق بالإشارة إلى تعيين اللواء غسان عليان مسؤولاً عن تنسيق نشاطات الجيش الإسرائيلي في الساحة السورية.

ويُختتم التقرير بإشارة مصدر عسكري إلى دور شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” (المسؤولة عن بناء بنوك الأهداف ومراقبة التطورات الأمنية على مختلف الجبهات) في المتابعة الحثيثة لما يجري في سوريا. بينما يُذكّر مصدر آخر بالإجراءات الميدانية لجيش الاحتلال، والمتمثلة في إنشاء عائق ميداني (في إشارة مرجحة لمشروع سوافا 53 والخندق الذي حفرته الجرافات الإسرائيلية قرب خط فض الاشتباك)، مؤكّداً على الانتشار الكثيف والقوي للجيش من منحدرات جبل الشيخ وعلى طول الشريط الحدودي، لضمان الجهوزية الكاملة لأي سيناريو.

المغالطات المنهجية في التقرير

يحتوي التقرير على عدد من النقاط التي تحتاج إلى قراءة أكثر دقة، خاصة أن بعض المعلومات الواردة فيه جرى تداولها في الإعلام العربي بطريقة مختلفة عن سياقها الأصلي. فبعض العبارات التي وردت ضمن السرد العام للتقرير، ومن دون إسناد واضح، جرى التعامل معها لاحقاً على أنها صادرة عن “مصدر أمني”، رغم أن النص الأصلي لا يقدمها بهذه الصيغة المباشرة.

كما يلاحظ أن التقرير اعتمد على أكثر من نوع من الاقتباسات والخلفيات العسكرية، وهو أمر يمنح النص طابعاً يوحي بوجود تقييم أمني واسع ومتعدد المستويات. فبعض التصريحات بدت قريبة من لغة المؤسسة الاستخباراتية، بينما ركّزت اقتباسات أخرى على الجوانب الميدانية المرتبطة بالانتشار العسكري والتحركات على الحدود، خصوصاً ما يتعلق بالفرقة 210 وقيادة الباشان.

في المقابل، تضمّن التقرير أيضاً قراءات تتحدث عن احتمال امتداد التأثير السوري نحو الساحة اللبنانية، وهي فرضيات تبدو أقرب إلى سيناريوهات سياسية أو إعلامية منها إلى معطيات ميدانية مباشرة، خاصة مع غياب مؤشرات فعلية تدعم هذا الطرح بالشكل الذي ظهر في التقرير.

كذلك أعاد النص طرح روايات سبق تداولها في الإعلام الإسرائيلي حول محاولات ترميم سلاح الجو السوري ومنظومات الدفاع الجوي، وهي النقاط التي ظهرت خلال الأشهر الماضية في تقارير نشرتها “معاريف” و”جيروزاليم بوست”، من دون وجود معلومات ميدانية واضحة تؤكد حجم هذه التحركات أو طبيعتها الفعلية.

خاتمة واستنتاجات: عسكرة الإعلام وصناعة “التهديد الدائم”

في النهاية، يظهر التقرير كيف بات خطاب إعلامي الاحتلال الإسرائيلي مرتبطاً بشكل وثيق بالتصورات الأمنية والعسكرية تجاه سوريا، بحيث يصعب أحياناً الفصل بين التغطية الصحفية والرسائل الأمنية التي تحاول إيصالها المؤسسة الإسرائيلية إلى جمهورها الداخلي والخارجي.

ومن خلال طريقة عرض التقرير، يمكن ملاحظة اتجاه واضح نحو التعامل مع أي محاولة لإعادة بناء المؤسسات العسكرية السورية باعتبارها تطوراً مقلقاً يجب ربطه مباشرة بمفهوم “التهديد الأمني”. لذلك لا يقتصر الخطاب هنا على نقل معلومات أو تقديرات، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم صورة مسبقة عن طبيعة المرحلة القادمة في سوريا، وخاصة فيما يتعلق بالجنوب السوري والجولان.

كما يحاول التقرير الربط بين الساحتين السورية واللبنانية ضمن إطار أمني واحد، مع تركيز ملحوظ على المخاوف المرتبطة بالجبهة الشمالية. ويظهر ذلك من خلال تضخيم بعض السيناريوهات أو تقديمها باعتبارها احتمالات قريبة، رغم غياب مؤشرات ميدانية واضحة تدعم هذا المستوى من التصعيد في الوقت الحالي.

وفي السياق نفسه، تبدو كثير من التغطيات الإسرائيلية الأخيرة قائمة على فكرة إبقاء الملف السوري ضمن حالة “التهديد المفتوح”، حتى في ظل التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد. ولهذا، يجري التعامل مع أي تغير عسكري أو أمني داخل سوريا باعتباره جزءاً من بيئة غير مستقرة يجب مراقبتها والاستعداد لها بصورة دائمة.