“شرق جديد” هو المصطلح الذي أطلقه ضابط في جيش الاحتلال خلال حديثه مع صحيفة يديعوت أحرونوت على ما يحدث من تغييرات في المنطقة العازلة بريف القنيطرة، وحوض اليرموك وتحديداً المواقع القريبة من خط فض الاشتباك مع الجولان السوري المحتل.
يتقاطع الاسم إلى حدٍّ كبير مع العبارات التي تجري على لسان رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (בנימין נתניהו) الذي تحدّث مراراً وتكراراً عن “وجه جديد للشرق الأوسط أو للمنطقة أو للعالم” في أعقاب السابع من أكتوبر، وأحد عناصره هو عقلية أمنية جديدة تستوجب وفق الرؤية الإسرائيلية السيطرة على “مناطق أمنية” خارج الحدود لمنع سابع من أكتوبر جديد مستقبلاً. من هذا المنطلق وتحت هذه الذرائع احتل جيش الاحتلال مناطق أمنية في الجنوب السوري، والجنوب اللبناني، وقطاع غزة.
يقول التقرير إن الهدف من هذا “الشرق الجديد” هو تحصين الجولان بخنادق عميقة وسواتر ترابية، بغرض تصعيب تسلل مسلحين إلى إسرائيل.
وفي معترض هذا الهدف، تعمل قوات الاحتلال الإسرائيلي، كما يقول التقرير، على حفر خنادق بعمق وعرض أربعة أمتار وسواتر ترابية مرتفعة، وقد تمّ إنجاز نحو 80% منها من المنطقة المقابلة لمجدل شمس في الجولان المحتل وصولاً حتى حوض اليرموك في ريف درعا.
يبرز في ذلك عودة إلى عقلية مراقبة الحدود التقليدية بعيداً عن الحلول التكنولوجية التي كانت حلولاً مفضلة لدى الجيش الإسرائيلي والمنظومة الأمنية حتى السابع من أكتوبر، كالجدران الذكية وكاميرات المراقبة، فبات الواقع الأمني الجديد حالياً يدمج بين التجهيزات التقليدية والتكنولوجية مع التركيز على أهمية التقليدية منها، فنرى مثلاً أن جيش الاحتلال يزرع كاميرات مراقبة في ريف القنيطرة كما وثّق مركز سجل في أكثر من مرة، إضافة للاعتماد على المسيّرات الإسرائيلية.
أشار التقرير أيضاً لتأخّر إنجاز هذه السواتر الترابية والخنادق عن الوقت المتوقع نتيجة انشغال جيش الاحتلال بجبهات أُخرى يحتاج فيها كذلك إلى مقاربة مشابهة حيث يفرض منطقة أمنية في الجنوب اللبناني مبنية على هدم المنازل والقرى اللبنانية وتحويلها إلى منطقة مفرغة من السكّان تخضع لمراقبة وسيطرة أمنية إسرائيلية. أما المناطق التي لا تضمّ سواتر وخنادق، التي يُشار إليها بـ”نقاط المرور” وهي التي تعبر من خلالها قوات الاحتلال، فهي تخضع لسيطرة وسائل المراقبة والمدفعية للحماية من التسلل عبرها وفق ضابط كبير في القيادة الشمالية للاحتلال.
يقول الضابط، في بيانه للعقلية الأمنية الإسرائيلية فيما يتعلق بالمواقع قرب “الحدود” أو الشريط الفاصل، إن الجيش “لم يعد يحدد الاستجابة العسكرية بناءً على “من هو العدو” الواقف أمامه، فسواء كان حزب الله، أو الجيش السوري، أو أي تنظيم جهادي.. السؤال الوحيد الماثل هو ما هي قدرات العدو وما الذي يستطيع فعله.”
ثم يشرح خصائص ريف القنيطرة وحوض اليرموك من وجهة نظره كضابط رفيع في قيادة المنطقة المسؤولة بصورة مباشرة عن عمليات الاحتلال في الجنوب السوري، فيقول إنها “ساحة لعب للمنظمات الإرهابية والمسلحين والميليشيات”. وأنه من وجهة نظرهم فأي مواطن أو راعي أغنام يتحرّك في المنطقة قد يكون مسلحاً ويشكل تهديداً.
ثم يقول ما يناقض ذلك مدّعياً أنه على عكس المناطق المتاخمة لحدود لبنان وغزة فيُسمح للسوريين “هنا” التجول بحرية، وهو ادّعاء كاذب إذ وثق مركز سجل عشرات الحالات التي احتجز فيها الاحتلال مزارعين ورعاة أغنام أثناء قيامهم بأعمالهم، كما منع آخرين من الوصول لأراضيهم الزراعية التي جرّف منها أجزاء كبيرة، ورشّ أجزاء أُخرى بالمبيدات، ونشر الحواجز المؤقّتة بين القرى المختلفة ليحد من حريّتهم في التنقل والحركة والقيام بأساس مهامهم اليومية.
ينتقل الصحفي بعد ذلك لوصف بلدة بريقة السورية التي تضم “منازل شركسية” وفق وصفه فيتحدث بلسان المشفق على حالها، لا لوجود جيش الاحتلال فيها الذي بدا بمظهر المنقذ في الوصف رغم تعقيدات المنطقة، بل لماضيها خلال السنوات الماضية فيقول إن
“أسقفها قرميدية مكسورة، جدرانها مثقوبة بفعل القنابل والقذائف وطلقات الرصاص، وساحاتها مقفرة وفيها أشجار فاكهة لم تُمس منذ سنوات، ويشير إلى تعرضها في نوفمبر 2012 للاحتلال من تنظيم القاعدة تلاها نهب وسرقة، ثم عودتها لسيطرة جيش الأسد حتى سقوط النظام ما أدى عقب السقوط إلى زعزعة الواقع المدني بأسره في هذه المنطقة”.
أما الآن فيسيطر عليها الجيش الإسرائيلي ويدير “الدفاع” منها، كما هو الحال على طول الشريط الفاصل وفي المنطقة العازلة “التي أصبحت إسرائيلية”.
يتقاطع تصوير جيش الاحتلال في هذه الفقرة مع تصويرات سابقة أدلى بها صحفيون إسرائيليون أثناء مرافقتهم لضباط الاحتلال داخل المنطقة العازلة، تصوّر الجيش بواقع المهتم بالأوضاع الإنسانية لسكّان الجنوب السوري، لا سيما حين يتعلق ذلك باللعب على وتر الأقليات، ويصبح أكثر توجّساً، بشكل واضح في خطابه، عندما ينتقل إلى الحديث عن الشعب السوري من المسلمين السنة من غير الأقليات، وهي تقسيمات يركزّ الإعلام الإسرائيلي على إبرازها حين يتناول الملف السوري.
وفي الفقرة التي تلي حديثه عن بريقة، يتحدّث الصحفي نقلاً عن ضابط الجيش عن واقع مختلف قد يصل الاحتكاك العملياتي أحياناً إلى مواجهات مباشرة. ويقول إن المنطقة الأمنية تضم نحو تسعة مواقع، تتناول دوريات فيها على السير في القرى والمناطق المفتوحة في ظل وجود سكان مدنيين سُنّة والذين لا “يكنون الودّ لإسرائيل”، ويُعتبرون “أكثر تطرفاً” في عدائهم من السكان الدروز أو المسيحيين أو الشركس وفق تعبيره.
ويذكر مثالاً على ذلك ما يصفه بالنشاط العملياتي في منطقة عابدين بغرب محافظة درعا، إذ ألقى السكان المحليون الحجارة على القوات الإسرائيلية أثناء عودتهم من نشاطهم العملياتي، مشيراً لتطور الأمر حد التعرض لإطلاق نار، ردّ عليه الجيش بالمثل، بموازاة إطلاق قذائف الهاون وقيام مروحية عسكرية بشن هجومٍ في المنطقة. مشدداً على انتهاء الحدث دون إصابات لكنهم اضطروا لترك بعض الأغراض بينها هاتف عسكري عطّله الجيش لاحقاً.
ويوضّح الضابط الرفيع أن قواته تعمل بشكل أساسي في الليل، ليس نتيجة الخشية أو لقاء السكّان المحليين بل لأن الهدف الرئيس هو “إحباط تموضع الجهات المعادية”، مع الحرص على عدم الإخلال بروتين الحياة المدنية.
يعود الضابط هنا على ذات الادّعاء السابق الذي يصوّر الحاجة الأمنية كضرورة يحاول فيها الجيش تجنّب التأثير على حياة المدنيين السوريين، وهو ما تفنّده وقائع عمليات جيش الاحتلال على الأرض والتي لا تتوقف ليلاً أو نهاراً عن المساس بحياة سكّان ريف القنيطرة، قرى جبل الشيخ ومنطقة حوض اليرموك، من خلال التوغّلات والمداهمات الليلية والاحتجازات واستهداف الأراضي وتجريفها، وفي كل ذلك بلا شك أثرٌ مباشر على حياة الناس وتقييد لحركتهم ومحاربةٌ لهم في سبل رزقهم.
أما الرسالة الأساسية من كل هذا المقال، إضافة إلى محاولة شرعنة احتلال مناطق خارج “حدود 1967″، فهو التركيز على المفاهيم الأمنية الجديدة، “فالشرق الجديد” الذي رافقته تغييرات حتى على الحدود الأردنية وتخصيص ميزانية كبيرة لإقامة عائق أمني هناك بطول مئات الكيلومترات، يوازيه “جنوب جديد” ترفض فيه الحكومة الإسرائيلية وحتى المنظومة الأمنية الانسحاب من قطاع غزّة حتى في مقابل اتّفاق قُدمت فيه تنازلات كبيرة من الفصائل الفلسطينية، و”شمال جديد” يطبّق في الجنوب اللبناني من خلال تدمير نحو 24 قرية بشكل كامل تضم أكثر من 15000 منزل وفق وزير دفاع دولة الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس (ישראל כ”ץ) ترفض حكومة نتنياهو أيضاً الانسحاب منها أو إتاحة عودة السكّان لها، ويترجم كل ذلك إلى تطبيق فعلي لهذه المفاهيم.





